كتاب التفسير من صحيح البخاري 102

كتاب التفسير من صحيح البخاري 102

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح مفردات سورة القصص في صحيح البخاري

يستعرض الشيخ معاني ألفاظ وردت في سورة القصص كما فسرها البخاري مثل "أولي القوة" و"الفرحين" و"يأتمرون"، مبيناً الدلالات اللغوية والسياقية لكل مصطلح. كما يوضح الفرق الجوهري بين الفرح المذموم والفرح المحمود، ويبين أن لفظ "القصص" يجمع بين معنى تتبع الأثر وقص الكلام.

تفسير مفردات وآيات متعلقة بالحرم المكي

يتناول المقطع شرح كلمات قرآنية كـ "آنس" و"القبس" و"ردء" و"يجبى"، مع سرد قصص تتعلق بالجان والحيات منها قصة الشاب الذي قتلته حية في عهد النبوة. ويبرز نعمة الله على مكة بجعلها حرماً آمناً تُجبى إليه الثمرات، ذاكراً الأسواق القديمة كعكاظ وذي المجاز.

تفسير آيات قارون ومسألة صيام يوم الشك

يفسر الشيخ قوله تعالى "أم القرى" و"ما تكن الصدور" في سياق قصة قارون موضحاً أن التقدير فيها بمعنى التضييق. ثم ينتقل لبيان خلاف العلماء في صيام يوم الشك، مرجحاً قول الجمهور بتحريمه اعتماداً على الحساب الفلكي مخالفاً من استحب صيامه احتياطاً.

ختام الجلسة والدعاء بالخير

يختتم المتحدث اللقاء مستعيناً بالله تعالى ومعبراً عن الاكتفاء بما تم طرحه من علم وفائدة. يختم بالشكر لله على فضله وتوفيقه سائلاً القبول والإخلاص في العمل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد: قال البخاري رحمه الله تعالى: قال ابن عباس: "أولي القوة لا يرفعها العصب من الرجال". فهذا ذكر هنا بعض الكلمات التي في سورة القصص، وهذه الكلمات على عادة البخاري أنه يذكرها في البداية، لكن هنا أخرها. فذكر أولاً قوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. "أولي القوة": قال: العصبة، أولي القوة، أي أنها عصبة من الرجال، جماعة من الرجال يحملونها. وقوله: "لتنو": لتنو، معنى لتثقل، أن هؤلاء العصبة، أن هؤلاء العصبة والمجموعة من الرجال أيضًا تتقل عليه. وقوله: "فارغًا": فأصبح فؤاد أم موسى فارغًا، قال: إلا من ذكر موسى، إلا من ذكر موسى. إنه أنا أصبح فارغًا من كل شيء إلا من ذكر موسى. والإنسان حيانا إذا شغل بشيء تذكره، تجد أنه ينسى كل الأشياء. ولهذا أهل الإيمان، كلما تعلق قلب العبد بالله جل وعلا، تجد يكثر في ذكر الله، لأنه لا يفكر إلا أو قلبه مليء بذكر الله جل وعلا. لهذا قال النبي، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مليًا عمار إيمانًا إلى مشاشه، إلى داخل قلبه». قال: "الفرحين": أي المرحين. وغالبًا كلمة الفرح تذكر في القرآن والمراد بها التكبر. ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، هذه الآية فقط التي فيها الفرح هنا، أو أيضًا الآية الأخرى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. فهاتان الآيتان فيهما الفرح بمعنى الخير، عن الفرح بفضل الله جل وعلا. وإلا فالآيات الأخرى ذُكر الفرح بمعنى التكبر، مثل ما ذكر الله عز وجل عن اليهود: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فرحوا، معناها تكبروا. وهنا قوله جل وعلا أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، أي المتكبرين المرحين. قال: "وقوله: قصيه": أي اتبعي أثره. قد يكون أن يقص الكلام، فالقصص هو اتباع الأثر، وقص الكلام. "قصيه": أنا لما أمرت أو أرسلت أم موسى أختها، ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾، فهي أرسلتها لأجل هذا. "قصيه": فبصرت به عن جن وهم لا يشعرون، أي تتبعت أثره، تتبعت أثره حتى تجده أينه، فوجدته في قصر فرعون. فقال: لم، لم يرتضع من أحد، فقالت لهم: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه وهم له ناصحون. وهذا كله بتقدير الله عز وجل، فجعل موسى الذي أراد فرعون أن يقتله، جعله يتربى في بيته، وهو الذي يكفل، أي مرأته. قال: "نحن نقص عليك": أي عن جنب، عن بعد. أنا الآن فسر قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، لأن القصص من قص الكلام وحكايته، وأيضًا القص هو أيضًا تتبع الأثر. فقوله: "نحن نقص عليك": أي من قص الكلام. يريد الإمام البخاري يبين أن القص يقال بتتبع الأثر، ويقال أيضًا بقص الكلام. أنا تتبع الكلام وقصه. فقوله: "عن جنب": أنا قوله جل وعلا لما ذكر أخت موسى: ﴿قَصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي عن بعد، لأن الجنابة بمعنى البعد. أنا جنب: أي بعد. وقيل أن الجنب سمي جنبًا لأنه بعيد عن العبادة أو بعيد عن الطهارة. قال: "عن جنب": عن بعد، وعن جنابة واحد، عن الجنب والجنابة، الجنابة البعد أيضًا، وعن اجتناب أيضًا. قال: "ويبطش": ويبطش، يأتمرون. البطش هو الضرب باليد. قال: "يأتمرون": أن يتشاورون. أن العدوان والعداء والتعدي واحد. ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، هذا نصيحة الرجل الذي نصح موسى عليه السلام. قال: "آنس": أي أبصر. ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾، أي أبصر هذه النار. قال: "الجذوى": أتيكم بجذوة من النار، أي قطعة غليظة من الخشب ليس فيها لهب. "القبس": أو آتيكم بقبس، بجذوة أو القبس. والجذوة هو عود الخشب، عن الحطب، عود الحطب الذي ليس فيه لهب. والقبس هو الذي يلتهب، قطعة من النار نفسها. والشهاب كذلك الذي فيه لهب. قال: "والحيات أجناس الجان والأفاعي والأساود". الجان هي التي قيل أنها التي تتشكل على معناها، تتشكل معناها على حيات، الحية وتسمى أيضًا الحية جانًا، لأن غالبًا الجان يتشكل في هيئة الحيات. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل العوامر إلا بالاستئذان، أن تؤذن كما جاء في حديث ربابة بن رفاعة، وجاء في حديث عبد الله بن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العوامر، الجن التي تكون في البيوت، فإنها لا تقتل حتى تستأذن، استأذنها ثلاثًا كما جاء في رواية مسلم. لهذا صُميت الحيات جانًا لأنها تتشكل بهيئة الجن، أو أن الجن يتشكلون بهيئة الحيات. ولهذا أسلم طائفة من الجن على شكل حيات. وفي صحيح مسلم، لما في حديث أبي سعيد، لما قتل ذاك الشاب الذي قد أعرس حديثًا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت يحفر الخندق، فجاء هذا الشاب الذي قد تزوج حديثًا ليتفقد امرأته لأنه تزوج حديثًا، فرآه خارج البيت فغار عليها وأراد أن يصوبها بالرمح، قالت: انظر، قالت: على رسلك وانظر ما داخل البيت، فنظر فرأى حية عظيمة في فراشه ملتوية، فأسرع ورماها بالرمح. قال أبو سعيد: فما ندري أيهما مات قبل، أي هل هذه الحية أم الشاب. قالوا: الحيات أجناس الجان والأفاعي والأساود. أيضًا تسمى أساود، وهذه الأساود التي يكون فيها السم أكثر، وأحيانًا أيضًا يسمون الحيات كلها أساود، سُميت أساود. وأما الأفاعي فهي أيضًا الحيات الصغيرة، وبعض يقول أن الأساود الكبيرة والصغيرة الأفاعي، وأيضًا لها تسميات أخرى. أي هذه الأنواع، لكن الظاهر أن هذه الأنواع التي ذكرها البخاري هي أنواع الحيات ككل. فقال: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. قال رحمه الله: قال: "ردء": أي معين. ﴿رَدَأً يُصَدِّقُنِي﴾، أي معين لي ومصدق لي. قال ابن عباس: يصدقني. وقال غيره: "سنشد": سنعينه. ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي سنعينك بأخيك. كما عززت شيئًا فقد جعلت له عضدًا. أنا العاضد الذي يعين، والذي تجعله مشاركًا لك أو تعتز به. قال: "مقبوحين": المهلكين. وقول: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾، أي بيناه وأتبمناه. وقوله: "يجبى": أن يجلب. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، يجبى: أن يجلب إليه من كل مكان. وهذه نعمة نعمها الله عز وجل على سكان مكة من ذلك الزمن القديم إلى يومنا هذا، والبضايع تجلب إلى مكة من كل مكان، يؤتى هذه البضايع من كل مكان، وكل ثمرات تجلب إليها، ثمرات البلاد كلها فتأتي إلى مكة، لأجل أن معنى الناس يجتمعون فيها، فيأتي الناس ويبيعون، أن يبيعون في هذه المواسم. ولهذا كانت هناك أسواق بين مكة والطائف: سوق عكاظ، وذي المجاز، وسوق المجنة أو المجنة. هذه الثلاث الأسواق قديمة في مكة أو بين مكة والطائف، كانت العرب تجتمع فيها في المواسم. قال: "بطرت": أي أشرت. البطر هو الأشر والتكبر. قال: "في أمها رسولة": أي أم القرى وما حولها. "في أمها رسولة": أي في أم القرى. أم القرى هي مكة. ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أمرت بقرية تأكل القرى، وأم القرى كما سماها الله عز وجل في القرآن. معنى "أمها": أي أصلها أو أساسها، أو التي يرجع الناس إليها ويجتمع الناس فيها، كما أن الأبناء يجتمعون عند الأم. قال: "قال تكنوا": أي تخفى. أكننت الشيء أخفيته، وكننته أخفيته وأظهرته. أنا الله عز وجل يعلم ما تكن صدورهم وما يعننون. "فتكن صدورهم": أي ما تخفيه. وقوله: "ويكأن الله": قال: مثل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. أنا كأنه يقول: "ويكأن الله"، أي مثل معنى كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾، ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. أنا كأنهم عرفوا هذه الحقيقة وهم يعرفونها، لكن تيقنوا منها، تيقنوا منها بعدما خسف الله عز وجل بقارون وبداره الأرض. قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ﴾، مثل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، ويقدر: أن يوسع عليه ويضيق عليه. يبسط: يوسع، ويقدر: أن يضيق، لأن التقدير يأتي بمعنى التضيق، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. وبهذه المناسبة أيضًا الخلاف الذي حصل بين العلماء في مسألة الصيام يوم الشك. ففي الحديث الذي جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له». فإن غم عليكم فاقدروا له. ففسر الإمام أحمد رحمه الله: "فاقدروا له": أي ضيقوا عليه. فاقدروا له: أي ضيقوا عليه، لأن القدر أو التقدير يأتي بمعنى التضييق، مثل ما جاء هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، ويضيق. ففسر الإمام أحمد التقدير هنا: فاقدروا له: أي ضيقوا عليه. لهذا استحب الصيام، صيام يوم الشك. والمشهور أيضًا في مذهب الحنابلة الوجوب، وجوب صيام يوم الشك. لكن يقول الإمام أحمد أو شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا القول خطأ، ولم يأتِ عن أحمد الوجوب، بل وليس هو على أصول أحمد رحمه الله. ويعني يقول شيخ الإسلام أنه ليس حتى على أصول أحمد هذا الأمر. لهذا الظاهر أنه أراد الاستحباب احتياطًا. فاقدروا له: أي ضيقوا عليه. وذهب جمهور أهل العلم: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، بقول: فاقدروا له: أي قدروه بالحساب، عن التقدير العددي. ذهبوا إلى أنه التقدير العددي. وهذا الذي تدل عليه الروايات، وهذا الذي تدل عليه الروايات. وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن يوم الشك، فجاء في حديث أبي هريرة: «لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين، إلا صوما كان يصوم أحدكم». وجاء أيضًا في حديث عمار، وكان فيه اختلاف في الراوي عن عمار، لأنه جاء في بعض الروايات أنه رجل من عبس، وجاء في بعض الروايات أنه صلة، صلة بن زفر، أي عن عمار. قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». فالخلاف هنا حصل بهذه، مسألة التقدير: فقدروا له، هل هو المراد به التقدير العددي، أو المراد التقدير وهو التضييق؟ لكن الصحيح كما قلنا: التقدير العددي، لأن الأدلة والأحاديث دلت على ذلك. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في رواية حديث أبي هريرة: «فإن غم عليكم فقدروا له»، ما أنا: «فقدروا له عدة شعبان ثلاثين»، أنا: عد من شعبان ثلاثين. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى من شكور.