الدرس في كتاب الصلاة 3، ألقاها
يستحب لمن سمع الأذان أن يردد مع المؤذن، مع استثناء "حي على" حيث يقول "لا حول ولا قوة إلا بالله". هذا الاستحباب هو رأي جمهور العلماء.
يشرع ترديد الأذان مع المؤذن، مع تفاصيل حول ألفاظ الأذان، مثل "الصلاة خير من النوم" في أذان الصبح. كما ناقش حكم ترداد الإقامة وتدارك ما فات من الأذان.
ناقش حكم التأذين في أذن المولود وخلص إلى عدم صحته حسب الأظهر، مع استدلال سابق. كما تطرق إلى مواقيت الصلوات الخمس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض مسائل الأذان، وكان من آخر ما أخذنا المسألة الرابعة في صفة الأذان والإقامة. المسألة الخامسة: ما يقول سامع الأذان وما يدعو به بعده. قالوا: يستحب لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن، لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». إلا في «حي على» فيشرع لسامع الأذان أن يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» عقب قول المؤذن «حي على الصلاة»، وكذا عقب قوله «حي على الفلاح»، لحديث عمر بن خطاب رضي الله عنه في ذلك. طيب هذه المسألة، وهي من مسائل المتعلقة بالأذان، أن من فضل الله جل وعلا وواسع رحمته وإكرامه لعباده أن جعل لمن سمع الأذان ذكرًا ودعاء، من دعا به نال به الأجر العظيم بإذن الله رب العالمين. كما أن الله جل وعلا جعل للمؤذنين الأجور العظيمة والفضائل الكريمة منه سبحانه وتعالى، كذلك جعل لسامعي هذا الأذان الفضائل العظيمة الكريمة. قولهم: «يستحب لمن سمع الأذان» هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، على قول جمهور العلماء: أن من سمع الأذان يستحب له ولا يجب عليه أن يقول مثل ما يقول المؤذن، هذا هو الصحيح في المسألة. وأما الأحاديث التي ظاهرها الوجوب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم النداء فقولوا» وها هنا أمر، والأصل فيه أنه يفيد الوجوب، وما شابه ذلك، فإنها مصروفة بأدلة أخرى. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مر يومًا فسمع صوت مؤذن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا أشهد، وأنا أشهد»، ولم يقل مثل ما قال المؤذن. هذا يدلنا على أن قوله «فقولوا» ليس على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الاستحباب. وأيضًا قد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في زمن الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: أنهم قالوا: «كنا نتحدث يوم الجمعة والمؤذن يؤذن». الشاهد منه أنهم كانوا يتحدثون، ومعلوم أن من كان يتحدث فإنه يتعسر عليه أن يتابع المؤذن. وهذا فيه دلالة على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يفهموا من هذه الأوامر الوجوب. الحاصل أن الأمر كما قيل: أن من سمع الأذان فإنه يستحب له أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في «حي على»... معناه: عند قول المؤذن «حي على الصلاة»، «حي على الفلاح»، إذا قال المؤذن مثل هذه الكلمات، فإن السامع للأذان والمردد للأذان يقول حينها: «لا حول ولا قوة إلا بالله». قالوا: إذا قال المؤذن في صلاة الصبح «الصلاة خير من النوم»، فإن المستمع يقول مثله. ولا يسن ذلك عند الإقامة. بمعنى أن المؤذن إذا قال في صلاة الصبح «حي على» أو قال «الصلاة خير من النوم»، سواء كان من المؤذنين الذين يجعلونها في الأذان الأول أو من المؤذنين الذين يجعلونها في الأذان الثاني، وكما مر معنا أن الأمر في ذلك واسع. إذا قال المؤذن «الصلاة خير من النوم»، فإنه يشرع للسامع أن يقول مثل ما يقول المؤذن «الصلاة خير من النوم». طيب من باب الفائدة: لو أن المؤذن أتى بألفاظ ليست هي من ألفاظ الأذان، فهل يشرع للسامع أن يقول مثل ما يقول المؤذن؟ الجواب: لا، ولا كرامة لذلك المؤذن؛ لأنه أتى بلفظ مبتدع. بقي من المسائل التي تحتاج إلى تنبيه: إذا شغل السامع عن الأذان ببعض الأمور، مثلا أذن المؤذن في بداية الأذان، وإنسان مثلا كان في الخلاء أو كان يقرأ في شيء منهمك، فهل يشرع له أن يتدارك ما فاته من الأذان ويتابع المؤذن في بقية الأمور أم لا؟ الجواب: أنه يشرع له ذلك. إذا فات السامع بعض الأذان، فإنه يشرع له أن يتدارك ما فاته ويتم مع المؤذن الباقي. بقي مسألة أخرى: إذا فات السامع الأذان كله، مثلا دخل أو كان في الخلاء فسمع المؤذن يؤذن، فما خرج حتى قضى المؤذن الأذان، هل يشرع له أن يؤذن؟ الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه له إن لم يكن بتفريط، وكان متواليا، يعني مباشرة فاته، لكن حاول أن يتدارك، فيرجى له أن يكون داخلا في هذا الأجر. قوله رحمه الله تعالى: «ولا يسن ذلك عند الإقامة»، هذا كذلك مما وقع فيه الخلاف. فبعض أهل العلم أخذ بهذا: بأن المشروع في ترداد الأذان إنما يكون في الأذان لا في الإقامة. وإن سميت الإقامة أذانًا لما فيه من معنى الإعلام، إلا أن الإعلام في الإقامة لا كالإعلام في الأذان. ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وبعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته». والحديث كما ذكر في التخريج أخرجه البخاري، وهو من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه. ندخل في الباب الثالث: الباب الثالث في مواقيت الصلاة. قلنا: الباب الثالث في مواقيت الصلاة. الصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة، لكل صلاة منها وقت محدود حدده الشرع. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني مفروضًا في أوقات محدودة، فلا تجزئ الصلاة قبل دخول وقتها. الحاصل في هذا: أن الصلاة التي شرعها الله جل وعلا لعباده وأوجبها عليهم صلوات خمس محدودات بأوقات محدودة حدها لهم الشرع، فلا يجوز أن يتجاوزها الإنسان ولا أن يتقدمها. فلا يجوز للإنسان أن يصلي قبل دخول وقت صلاة ما، إلا ما خصه الدليل. قال بعض الناس: إذا ولد لهم مولود، أخذ ولي المولود الولد ويؤذن قريبًا من وجهه، هل روي في ذلك شيء؟ روي في ذلك حديث، والحديث مختلف في صحة وضعفه، والأقرب والله أعلى وأعلم أنه لا يصح. وإذا كان كذلك فلا يصح التأذين في أذني المولود، هذا الأظهر والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.