كتاب الصلاة 35

الدرس في كتاب الصلاة 35، ألقاها

صلاة الجنازة وأحكامها

يتناول هذا الفصل شرح صلاة الجنازة وأحكام الجنائز، مع توضيح معنى الجنازة وأهمية الاستعداد للموت. يشدد على العمل الصالح والتوبة قبل الموت.

أحكام المريض والمحتضر

يشرح هذا الفصل أحكام المريض المحتضر، مثل أهمية زيارة المريض وتذكيره بالتوبة والوصية، وتلقين المحتضر كلمة التوحيد.

تجهيز الميت ودفنه

يتناول هذا الفصل أحكام تجهيز الميت ودفنه، مثل تغميض عيني الميت، والإسراع بتجهيزه ودفنه، وبيان حكم تأخير الدفن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فكما مرّ وذكرنا فيما مضى من الدروس أننا قدّمنا في شهر رمضان كتاب الصيام، ثم كتاب الزكاة، فلما كان في شهر شوال وذي القعدة قدّمنا كتاب الحج قبل أن ننتهي من كتاب الصلاة، ولا سيما باب الجنائز منه، فنرجع إلى باب الجنائز، وهو الباب الخامس عشر من كتاب الصلاة من كتاب الفقه الميسر. قالوا: الباب الخامس عشر في صلاة الجنازة، وذكر باب الجنائز ضمن كتاب الصلاة لصلاة الجنازة؛ هذه العلاقة في ذكر هذا الباب تحت كتاب الصلاة. ثم لما كان من المعلوم أن صلاة الجنازة لا تكون إلا بعد أمور، احتيج إلى ذكر ما يحتاج إليه من الأمور في باب الجنائز، فلهذا -كما سمعتم- ذكر باب الجنائز هاهنا في كتاب الصلاة. قالوا: الباب الخامس في صلاة الجنازة وأحكام الجنائز، وفيه مسائل الجنائز. والجنائز -بالفتح لا غير- جمع جنازة. قالوا: بفتح الجيم وكسرها بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يحمل عليه، أي اسم للنعش. أي: من أهل اللغة من أطلق الجنازة والجنازة على شيء واحد، ومن أهل اللغة من فرّق بين الجنازة بالكسر والجنازة بالفتح، فأطلق الجنازة بالفتح على الميت، والجنازة بالكسر على النعش الذي يحمل عليه الميت. ومن أهل العلم -كما سمعتم- من لا يفرّق بين هذا وهذا. والأفصح في الجنازة أن تكسر الجيم المعجمة، هذا هو الأفصح. وأما الفتح، فكما ذكر من ذكر من أهل اللغة: أن هذه لغة العامة، وأنكرها أبو حاتم من أهل اللغة، لكن بعض العلماء يجعلها لغة، لكنها خلاف الأفصح. فالأفصح في الجنازة بالكسر. وأما الجامع -أي لجنائز- فإنه بالفتح لا غير. قال: وينبغي للإنسان أن يتذكر الموت ونهايته في هذه الدنيا، فيستعد لذلك بالعمل الصالح وتزود الآخرة والتوبة من المعاصي والخروج من المظالم. وهذا أمر ينبغي أن يحرص عليه المسلم، ولا سيما وهو في هذه الدنيا؛ لأنه إذا دنا منه الموت ونزل به الموت وجاءه الأجل، فإنه لا ينفعه حينها الحسرات ولا الويلات، وإنما هي الحسنات والسيئات. لذا كان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم أن أوصى أصحابه بأن قال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات: الموت»، كما جاء في حديث أبي هريرة عند بعض أصحاب السنن، عند الترمذي وغيره، ويحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وكلما تذكر الإنسان الموت وجعله نصب عينيه، كلما كان ذلك الأمر دافعًا له على الإقبال على الله جل وعلا، واجتناب ما يكون سببًا من بغض الله جل وعلا له وبعده من الله جل وعلا، فيكون سببًا وحافزًا له على الإقبال على الله وترك المظالم وترك ما يكون معصية في حق الله جل وعلا، أي في حق العبد مع ربه جل وعلا. قالوا: وتسن عيادة المريض، ولحديث في ذلك كثيرة، كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره في حق المسلم عن المسلم، جاء في الصحيحين: خمس، وجاء في رواية عند الإمام مسلم: ست، ومنها عيادة المريض. وجاء كذلك في الصحيحين في حديث البراء في حقوق المسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من تلك الحقوق عيادة المريض. قال: وتذكيره بالتوبة والوصية، أي: من عاد مريضًا ينبغي له أن يذكره بالتوبة، أي: أن يحثه على التوبة إلى الله والاستغفار، وكذلك الوصية. والوصية: إن كان عنده حق أو حق للغير يجب عليه أن يكتب الوصية، كأن يكون عنده دين غير مكتوب أو عنده وديعة أمانة إلى غير ذلك من الأمور، يوصي. والوصية هاهنا تكون واجبة. وإن لم يكن ثم حق للغير، فإن الوصية تكون في حقه مستحبة. قالوا: فإذا احتضر، يسن تلقينه: لا إله إلا الله، لما جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: قال: والمراد به أن يلقن لا إله إلا الله عند قرب أجله، حتى يكون آخر كلامه من هذه الدنيا لا إله إلا الله؛ لما جاء في الحديث الذي رواه الإمام النسائي وغيره من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». قالوا: فإذا احتضر، يسن تلقينه لا إله إلا الله، وتوجيهه للقبلة. هذا الذي عليه جماهير العلماء، بل عليه عامة أهل العلم. وإنما ذكر أن سعيد بن المسيب رضي الله عنه وأرضاه ورحمه الله وغفر له، عندما نزل أو احتضر، قيل: وجهوه إلى القبلة، فقال: ألست على القبلة إلى اليوم؟! ألست على القبلة؟! أي: أنا من أهل القبلة إلى اليوم، وأنكر ذلك غيره من الأئمة رحمهم الله تعالى. بل ثبت بإسناد صحيح إلى ابن جريج رحمه الله تعالى أنه سأل عطاء بن أبي رباح -وهو من أئمة التابعين من أهل مكة- سئل: هل يستقبل بالمحتضر إلى القبلة؟ قال عطاء بن أبي رباح: سبحان الله! ومن ينكر هذا؟! أدركت الناس على ذلك. فالحاصل أن استقبال القبلة -يعني استقبال أو توجيه المحتضر إلى القبلة- أمر معروف ومستحب ومسنون، ويدل عليه كذلك من السنة ما جاء في حديث عبيد بن عمير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قبلتكم أحياء وأموات»، وهو حديث فيه شيء من اللين، وجاء له شاهد من حديث ابن عمر بنحوه، والحديث بمجموع الطريقين يرتقي إلى الحسن. قالوا: فإذا مات، سن تغميضه؛ لأن الميت إذا مات شخص بصره، وإذا أخر عن التغميض ربما لا يستطاع تغميضه، بخلاف ما إذا كان لازال طريًا فيستطاع تغميضه. فيسن ويستحب لمن كان حاضرًا أن يغمض للميت عينيه. قال: والإسراع بتجهيزه ودفنه؛ خشية أن يتغير. والعبرة بالإسراع -كما قال علماء رحمهم الله تعالى- مده بحيث يستطيع أن يتجمع له من يقوم بأمره. ما هي أسرع مده؟ قالوا: أسرع مده بحيث أنه يستطاع أن يجتمع من يقومون بأمره من تغسيله وتجهيزه والصلاة عليه ودفنه. إن اجتمع هؤلاء فعل، وإن أخر قليلًا، ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى وبعضهم: لا بأس. أما التأخير الكثير فلا؛ خشية تغيره. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على