باب الصبر من رياض الصالحين 32

باب الصبر من رياض الصالحين 32

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعجيل العقوبة في الدنيا تكفيرًا للذنوب

يشرح الحديث النبوي أن الله يعجل العقوبة في الدنيا لمن أراد به خيراً لتمحيص ذنوبه، بينما يمهل من أراد به الشر ليحاسبه يوم القيامة. وتكون المصائب في المال والنفس والأهل كفارة للسيئات فيطهر العبد ويوفى الله بلا ذنب.

فضل الصبر على البلاء وتكفير السيئات

يبين المقطع أن ابتلاء المسلم في الدنيا يكفر سيئاته وهو خير من عقوبة الآخرة، وأن عظم البلاء يقابله عظم الأجر. كما أن ابتلاء الله لقوم دليل محبة، بينما إمهال العاصي بالنعم يؤدي لهلاكه مثقلاً بالذنوب.

البلاء علامة محبة الله وسبب لتكفير الذنوب

يوضح أن الابتلاء ليس دليل بغض بل قد يكون علامة محبة، ومن صبر واحتسب نال الرضا والأجر، أما الساخط فله السخط. وتكفر شدة النزع عند الموت ما بقي من سيئات العبد فيلقى الله طاهراً.

أجر الصبر على البلاء والدعاء بالصبر

يشير المقطع إلى عظمة أجر من يصبر على المصائب، ويدعو الله أن يجعل السامعين من الصابرين. ويختتم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث التاسع عشر: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وهو حديث صحيح بشواهده، وله شواهد كثيرة، وقد صححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. ومعنى هذا الحديث: أن الإنسان لا يخلو من ذنب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾، وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم». فلا يخلو الإنسان من تقصير في واجب، أو من خطأ ووقوع في محرم. فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، إذا لم يتب من هذا الذنب؛ فإن من المكفرات البلاء، من مكفرات الذنوب البلاء، وكذلك التمحيص. فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، أي: جعل لهذا المخطئ من البلاء ما يكون سببًا في تكفير ذنبه وسيئاته، فتكون هذه العقوبة وهذا البلاء في الدنيا إما بماله، وإما بأهله، وإما بنفسه، أو بأي نوع من أنواع العقوبة. المهم أن تعجل له العقوبة في هذه الدنيا؛ لأن العقوبات كما تقدم تكفر السيئات. فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن هذا العبد، فإنه يوفى الله وليس عليه ذنب، قد طهر من المصائب والبلايا والذنوب. ففي هذا: أن المسلم إذا أصيب بشيء من هذه العقوبات فإنه يصبر ويحتسب، ويعلم أن هذا الأمر سبب في تكفير سيئاته، في تكفير سيئاته، وهذا خير له. أي: إن الله البلاء وتعجيل العقوبة له في الدنيا خير له من أن يوفي الله عز وجل يوم القيامة وعلى ظهره هذا الذنب. ولا شك أن عذاب الآخرة أشد وأبقى، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. فلأن يطهر العبد في هذه الدنيا خير له من أن يلقى الله سبحانه وتعالى بهذه الذنوب. والعكس بالعكس: إذا أراد الله بعبده الشر، فتمادى هذا العبد في المعاصي، فالله عز وجل يمهله ويستدرجه، ويزيده من النعم، يزيده من النعم، ويدفع عنه النقم، حتى يغتر هذا العاصي ويبطر، ويفرح فرحًا مذمومًا بما أنعم الله به عليه، فيموت هذا العبد وعلى ظهره تلك الأوزار وتلك الذنوب، فيلقى الله سبحانه وتعالى وهو مثقل بالسيئات، فيعاقبه الله عز وجل بها في الآخرة. نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله السلامة والعافية. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في آخر هذا الحديث: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، أي: أنه كلما عظم البلاء واشتد البلاء على المسلم، كان ذلك أعظم جزاء وأجرًا له، أعظم جزاء وأجرًا له. فكلما كان البلاء عظيمًا وشديدًا كان الأجر عظيمًا وكذلك كبيرًا. فالبلاء اليسير له أجر يسير، والبلاء الشديد له أجر كبير؛ لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس، فإذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها من الأجر الكبير، وإذا هانت وصغرت هذه المصائب هان الأجر وقلّ الأجر وقلّ الأجر. فالمسلم ينبغي عليه أن يصبر وأن يحتسب حتى ينال تلك الأجور العظيمة لمن احتسب وصبر عند البلاء. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، إذا أحب قومًا ابتلاهم». وهذا فيه بشرى للمؤمن إذا ابتلي بآي المصائب، فلا يظن هذا المبتلى أن الله يبغضه، وأن الله قد سخط عليه، بل قد يكون هذا البلاء من علامة محبة الله عز وجل للعبد، يكون هذا البلاء من علامة محبة الله عز وجل لهذا العبد. بعض بعض الناس يتسخط، فيقول: يا رب، دائمًا وأنا في بلاء كذا وكذا، ابتليت بكذا وكذا، فيعدد تلك الابتلاءات الشديدة التي وقعت عليه. فهذا يحرم نفسه من محبة الله عز وجل؛ لأن هذه المحبة إنما قيدت بالصبر والاحتساب والرضا. ولذلك قال: «فمن رضي فله الرضا». من رضي بالله وعلم أن هذا البلاء إنما هو علامة من علامات محبة الله عز وجل له، فهذا هو الذي ينال أجر البلاء. أما من يبتلى ثم يتسخط، «فمن سخط فله السخط»، فإن الله عز وجل يسخط عليه. فمن أسباب رضا الله عز وجل عن العبد أن يرضى بما قدر الله عز وجل له، مهما كان هذا البلاء. هذا من أسباب وعلامة محبة الله عز وجل للعبد ورضا عنه. ومن سقط أثناء البلاء ولم يرضَ بما قدر الله عز وجل عليه، فهذا علامة ودليل على سخط الله عز وجل عليه، والعياذ بالله. ففي هذا الحديث حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضا من الله عز وجل. فلا تظن أن هذا البلاء إنما نزل بك لبغض الله عز وجل لك أبدًا، بل هذا دليل على محبة الله سبحانه وتعالى لك. حتى تخرج من هذه الدنيا وما عليك خطيئة، فتلقى الله سبحانه وتعالى صافيًا نقيًا طاهرًا من جميع الذنوب والخطايا، من جميع الذنوب والخطايا. حتى أنه قيل: لا يشدد على الإنسان أثناء موته لبقى سيئة أو سيئتين عليه؛ فإن شدة النزع عند الموت هذا كذلك من البلاء، من البلاء والعقوبة الدنيوية. فلربما تكون هذه الشدة بقيت على هذا الإنسان وهو في آخر لحظات حياته بعض الذنوب، سيئتين، فهذه الشدة في هذا الموضع تكون سببًا في تكفيرهما، في تكفير هاتين السيئتين. فما يدريك؟ فانظر إلى عظم أجر من صبر على ما نزل به من بلاء. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصابرين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وإلهنا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر