الدرس في شرح كتاب الجنائز من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يفصل المقطع أحكام السقط في ثلاث حالات حسب الخلقة والاستهلال وعمر الحمل، مبيناً حكم الغسل والصلاة في كل حالة عند المذاهب المختلفة. كما يذكر النهي النبوي عن تجصيص القبور والبناء عليها والقعود عليها لكونها ذريعة للشرك ومنافية لكرامة الميت.
يستعرض المقطع الأحاديث الناهية عن الجلوس على القبور والبناء عليها والكتابة عليها والإضاءة تعظيماً لها والصلاة إليها أو عليها. ويفصل الشيخ ابن باز في جواز الإضاءة للحاجة المؤقتة فقط دون تعظيم.
يبين المقطع تحريم اتخاذ القبور مساجد بالصلاة عليها أو إليها أو الدفن في المساجد، مبطلاً الوصية بذلك. ويوضح سنة تسوية القبر بالأرض مع جواز رفعه يسيراً للتعريف، والاستحباب بالاستغفار للميت وسؤال التثبيت له بعد الدفن.
يذكر المقطع جواز صلاة الغائب على الميت بعد فترة يسيرة إذا لم يتمكن القريب من الصلاة عليه في وقتها، محدداً ذلك بيوم أو يومين أو ثلاثة. ويختم المقطع بدعوة للاشتراك في القناة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن المسائل التي يسأل عنها كثيراً وتكلم فيها العلماء فيما يتعلق بالغسل والصلاة على الميت: حكم الصقط ومعنى الصقط. يعني الجنين إذا خرج من بطن أمه ميتاً، فهذا له حالات: الحالة الأولى: أن يكون هذا الصقط كاملاً وخرج حياً مستهلاً. ومعنى مستهلاً: يعني صوت وصاح عند الولادة ثم مات. فهذا نقل فيه الإجماع كما نقله ابن قدامة على وجوب الصلاة عليه، وعلى وجوب غسله والصلاة عليه. جنين صغير، ولو كان ستة أشهر، سبعة أشهر، ثمانية أشهر، تسعة أشهر، ولدت به أمه فخرج مستهلاً، يعني صدر صوت صراخ أو صياح ثم مات مباشرة. فهذا نقل فيه الإجماع أنه يجب غسله والصلاة عليه. نعم، والحالة الثانية: إذا أخرجته أمه ميتاً ولم يستهل، وكان دون أربعة أشهر، دون أربعة أشهر يعني أقل من أربعة أشهر. فهذا فيه خلاف بين أهل العلم. فمذهب المالكية والشافعية والحنابلة: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. وبعضهم حكى الإجماع على ذلك، قالوا: لأنه قبل أربعة أشهر فلا يكون نسمة، لأن الحمل في بطن أمه لا تنفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر. لحديث عبد الله بن مسعود: «يجمع أحدكم خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك». إذن أربعين وأربعين وأربعين، كما هذا مائة وعشرين، مائة وعشرين كم شهر؟ أربعة أشهر، الشهر ثلاثون يوماً. ثم قال: «ثم يأتي إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فينفخ فيه الروح». ثم يؤمر بأربع كلمات. الشاهد: فينفخ فيه الروح. فمتى يكون نفخ الروح؟ يكون نفخ الروح بعد أربعة أشهر. فإذا سقط هذا السقط وهو أقل من أربعة أشهر، طبعاً لا يستهل، لا يمكن أن يستهل. صح، لا يمكن أن يستهل لأنه أصلاً ما نفخ فيه الروح. طيب، فهنا لا يصلى عليه. وهذا مذهب أكثر الفقهاء، جمهور العلماء، بل منهم من نقل الإجماع. وبعضهم من خصوصاً من المتأخرين المحققين يرى غسله والصلاة عليه لأنه يسمى حملاً، يسمى حملاً. لكن هذا القول والله أعلم غير صحيح. والمسألة أو الصورة الثالثة في السقط: إذا خرج أكثر من أربعة أشهر ولم يستهل. لم يستهل يعني: ستة أشهر، سبعة أشهر، خمسة أشهر، سبعة أشهر، ثمانية أشهر، تسعة أشهر، لكن خرج مباشرة ميتاً، لم يستهل يعني لم يصيح ولم يصرخ. فهنا اختلف العلماء في ذلك. فمذهب الحنابلة، والصحيح عند الشافعية، وهو اختيار ابن باز وابن عثيمين: أنه يغسل ويصلى عليه، لأن الروح قد نفخت فيه، نفخت فيه الروح. فهنا يغسل ويصلى عليه، يغسل ويصلى عليه. ومن أهل العلم من لا يرى ذلك، ولكن الأقرب والله أعلم أنه يصلى عليه لأنه يسمى إنساناً، يسمى إنساناً لأنه كامل الخلقة، كامل الخلقة. فهذا هو الأقرب والله أعلم، وهو نسمة قد نفخت فيها الروح، وهي نسمة قد نفخت فيها الروح. هذه هي خلاصة ما يذكر في أمر الصقط. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى إكمالاً لباب الجنائز: «ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه». رواه مسلم، رواه من حديث جابر. وذكر المؤلف هذه الأحكام لأنها تتعلق فيما بعد الموت، فأحكام الجنائز تشمل أحكام ما قبل الموت عند المرض من الوصية كما تقدم معنا، ومن تلقين الميت ونحو ذلك، وتشمل ما بعد الموت من تغسيله، من تكفينه، من دفنه، من الصلاة عليه، من كذلك ما يكون... ما يكون من... كذلك يعني شهود جنازته ونحو ذلك مما تقدم معنا من أحكام. وهكذا يدخل في باب الجنائز ما يتعلق بأمر القبر. القبر بيت الميت، القبر بيت الميت، فهذا له أحكام. فمن أحكامه أن القبر لا يجصص، ومعنى يجصص: يعني يكون عليه الجص. الجص هو مثل النورة، النورة أو مثل الإسمنت، مثل الإسمنت. فيأتي إلى القبر مثلاً ويليسه، يجعل له الإسمنت أو النورة أو كذلك الشيء يعني يجصص به. فهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ذريعة إلى الشرك، ذريعة إلى الشرك. وأن يقعد عليه، وهذا من كرامة الميت. سبحان الله، هو ميت لا يجوز أن تجلس على قبره، لا يجوز أن تجلس على قبره. وكما جاء في الحديث الآخر: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتلحقه ثيابه فتحرق جسده، خير له من أن يجلس على قبر». خير له من أن يجلس على قبر. فيه الوعيد الشديد في من يجلس على القبور. كذلك وأن يبنى عليه، يبنى عليه يعني غرفة أو سقيفة أو مسجد. كل ذلك مما ينهى عنه. فالقبر ينبغي أن يكون في صحراء، مكان لا سقف فيه ولا بيت فيه ولا ظل تحته ولا شيء، يكون بعيداً عن هذه الأمور. بهذا الحديث ولغيرها من الأحاديث، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يعني ومن معاني اتخاذ القبور مساجد: البناء عليها، البناء عليها. وهكذا حديث جندب: «فإنه كان من كان قبلكم، يعني من أهل اليهود، إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً». هذا حديث مسلم. وحديث عائشة: «بنوا على قبره مسجداً». وفي حديث جندب: «إنه كان من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً» أو نحو ذلك. فالأحاديث في هذا متكاثرة، الأحاديث في هذا متكاثرة في النهي عن البناء على القبور، البناء على القبور، وهي في الصحيحين أو في أحدهما. وأضاف الشارح: ونهى صلى الله عليه وسلم أن يكتب عليها. جاءت هذه الزيادة في حديث جابر المتقدم: «أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه». هذه الثلاثة الألفاظ في مسلم. جاءت زيادة: «وأن يكتب عليها». وهذه الزيادة في غير صحيح مسلم، أخرجها الترمذي في جامعه، ويصححها العلامة الألباني عليه رحمة الله، وكذلك الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى. فهذا أيضاً الحديث، وهذه الزيادة فيها أن نهي عن الكتابة. فأعظم... تجد يكتب: هذا قبر فلان بن فلان. هذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، لا يجوز ذلك لهذا الحديث، لهذا الحديث. وقوله: وتحرم إضاءتها، يعني وضع السرج عليها، عليها لغير حاجة ولغير منفعة ينتفع منها المارة أو ينتفع منها من يدفن الأموات، وإنما تجعلها كذا لمن جاء إليها أو لمن أراد دعاءها أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز. ودليل ذلك حديث ابن عباس عند الترمذي أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». صححها العلامة الألباني عليه رحمة الله. فقوله: والمتخذين عليها المساجد والسرج، أي من يتخذ السرج على القبور، فهذا ملعون كما لعن ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والشيخ ابن باز له تفصيل طيب في هذا الباب عن حكم هذه السرج الكهربائية الآن التي ربما توضع في المقابر، ما حكمها؟ قال: إذا كانت هذه السرج ما وضعت من أجل تعظيم القبور، وإنما من أجل المارة الذين يمرون مثلاً بجانب المقبرة، أو من أجل أن تضيء لمن يقبر ليلاً، من أجل أن يكون هناك ضوء الليل بعد صلاة المغرب وبعد صلاة العشاء، ولم يكن ذلك للتعظيم، فلا بأس. ويقول رحمه الله تعالى: ويجب بعد انتهاء الدفن أن تغلق هذه السرج حتى لا يتخذها الناس تعظيماً لهذه القبور، لأن في السرج ربما تعظم هذه القبور وتعبد من دون الله، ويعتكف عندها، يعتكف عند هذه القبور لوجود هذه الإنارات. فهذا تفصيل حسن من الشيخ رحمه الله. لا نمنع، لا نمنع هذه السرج مطلقاً، ولا نجيزها مطلقاً. فنمنعها إذا كانت على وجه الدوام ومن أجل تعظيم هذه القبور، فهذا لا يجوز. ونجيزها إذا كانت هناك منفعة كمرور مارة أو دفن ميت، فهذه السرج تضيء وقت هذه الحاجة ثم تغلق إذا انتهت حاجتها، إذا انتهت حاجتها. قال: وبناء المساجد عليها. وهذا كما مر معنا جاء في حديث عائشة وحديث أم سلمة وغيرها: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهكذا المتخذين عليها المساجد والسرج. وهكذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر، أن يبنى على القبر، وغيرها من الأحاديث الكثيرة. فلا يجوز أن يبنى على القبر لا مسجد ولا غرفة ولا سقيفة ولا ضريح ولا شيء. وقوله: والصلاة عليها أو إليها. آذى لحديث أبي مرثد الغنوي عند مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». ومن معاني اتخاذ المساجد، اتخاذ القبور مساجد: الصلاة عليها، أو الصلاة إليها، أو الصلاة في مسجد فيها هذه القبور. ثلاثة معاني ذكرها العلماء لمعنى اتخاذ القبور مساجد: إما الصلاة عليها يعني فوق القبر، وإما الصلاة إليها يعني متوجهاً إليها، وإما الصلاة في مسجد قبرت فيها هذه القبور. كل هذا يشمله أيش؟ النهي. سواء كان القبر أمام أو عن يمين أو عن شمال أو خلف، طالما أنه في محيط المسجد، فلا يجوز أن يصلى في هذا المسجد، لا يجوز أن يصلى في هذا المسجد. قال: تنبيه. قال: الأصل في القبور أن تكون خارج البنيان حتى لا تكون ذريعة للشرك. فما يأتي إنسان يقول: أنا أوصي أن أدفن في غرفتي. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. أو أن أدفن في مسجدي، هذا أعظم، هو عين النهي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الوصية وصية باطلة ولا يجوز العمل بها، بل يجب إلغاؤها وبطلانها. قال: وَأَنْ تُسَوَّى عَلَى السُّنَّةِ، بمعنى لا تُرْفَع. لحديث أبي الهياج الأسدي، قال: «قال لي علي رضي الله تعالى عنه: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَلَّا تَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ». فقوله: قَبْرًا مُشْرِفًا، أي قَبْرًا عَالِيًا مُرْتَفِعًا. فلذلك استحب العلماء أن يدفن الميت بالتراب الذي خرج من هذا القبر عند حفره، لا يزاد عليه إلا إذا رفع قدر شبر، وذلك من أجل أن لا يهان، ويسوى بالأرض فلا يعرف ولا يميز، أهو قبر أو ليس بقبر. فهنا لا بأس، يجوز أن يرفع شيئاً ما قدر شبر أو يزيد قليلاً، لا بأس في هذا حسب ما يرى من يدفن أن هذا الارتفاع يحفظ القبر من الاندثار أو من تسوية الأرض. قالوا: يوضَع عليه حجر أو حجران فقط. السنة جاءت بحجر كما رواه أبو داود: أنه لما مات عثمان بن مظعون، أخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يأتيه بحجر، يأتيه بحجر، فوضعها النبي صلى الله عليه وسلم عند رأسه، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَعْلَمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهَا مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي». فاستدل العلماء بهذا الحديث، وهذا الحديث صحيح. بعض العلماء، أذكر أن شيخنا الوادعي رحمه الله كان يستدل بهذا الحديث على جواز وضع الحجر على القبر، استدلالاً بهذا الحديث. أما التخصيص بحجرين أو المرأة بثلاث، هذا ما ورد فيه دليل، وما هو العبرة بذلك. فلا بأس أن يوضع حجر من أجل العلامة، من أجل العلامة. والشيخ ابن باز يقول أيضاً: لا بأس إذا أردت أن تعرف قبر أخيك أو قبر أبيك أن تضع شيئاً يميزه عن بقية القبور كوضع عود أو وضع حجر مميز، لكن من غير كتابة، من غير كتابة. فالشيخ ابن باز له فتوى يجيز ذلك لهذه المصلحة التي تدعو لهذا الميت. لكن أن يوضع مثل اليوم يعني أحجار كثيرة أو مشاهد فيها كتابة أو اسم الميت وتاريخ وفاته، كل هذا من البدع التي نهى عنها الشرع. لكن تريد أن تعرف، ما عرفت القبر، تخشى أنه يضيع عليك، وتحب أن تدعو لأبيك أو لأخيك، لا بأس أن تعلمه بعود أو بحجر مميز أو بشيء به يعرف، لا بأس. لأن هذا الحديث ورد من أجل معرفة القبر، من أجل معرفة القبر. فالآن مع كثرة وضع الأحجار تتشابه القبور، فأخت العلماء أنه لا بأس أن يوضع شيء آخر يعلم به القبر، لكن من غير كتابة، من غير كتابة. وبعض أهل العلم قال: ولو حجرين لا بأس بذلك، لكن الحديث ورد بحجر واحد، والتقيد بالحديث هو الأولى والله أعلم. قال: وإذا فرغ، أو وإذا... نعم، فرغ من دفن الميت وقف عليه، يعني بعد ما ينتهي الناس من دفن الميت يوقف عند هذا القبر، ويقول عليه الصلاة والسلام: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». رواه أبو داود، وصححه الحاكم. يعني من السنة بعد ما ينتهي من دفن الميت أن تقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته بالقول الثابت. لا بس بهذا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة آمراً لهم: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». قال: طيب، نترك التعزية إن شاء الله إلى درس قادم لانتهاء الوقت. إلى هنا والله تعالى... لا بس بهذا، لا بس بهذا، الفترة يسيرة اليوم واليومين والثلاثة، جوز العلماء ذلك. لا بس، شاء الله، ماتت المرأة من الليل وصلى عليها في النهار. قالوا: إذا كانت فترة يسيرة لعدم تمكن القريب لهذا الميت من الصلاة عليه ويحب أن يصلي عليه، لا بس اليوم واليومين والثلاثة. لا بس، شاء الله. اشتركوا في القناة.