الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 98، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع روايات نزول آية التحريم في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم مارية والعسل على نفسه، جامعاً بين الروايتين المختلفتين. ثم يبين سبب نزول آية التخيير المرتبطة باعتزال النبي لنسائه وموافقة عمر بن الخطاب للقرآن في ذلك.
يشرح المقطع دخول عمر بن الخطاب على عائشة وحفصة للومهما على آذاهما للنبي صلى الله عليه وسلم، ورد عائشة بتوجيه اللوم لحفصة. ثم يوضح ابن حجر أن الحجاب كان مفروضاً قبل هذه الحادثة وأن حديث الراوي عن تأخره اجتهاد شخصي.
يدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فيجده متكئاً على حصير أثر في جنبه، ولا يجد في خزائنه إلا يسيراً من الشعير والتمر، فيبكي عمر. يعلمه النبي أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وأن السعادة الحقيقية في الآخرة.
يؤكد المتحدث أن التفاضل عند الله يكون بطاعته وتقواه لا بالأموال أو المناصب أو القصور الدنيوية. ويعلن انتهاء الدرس على أن يُستكمل في جلسة قادمة مع استنباط الفوائد والعبر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": ولزلنا في ذكره لطرق وروايات سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾. قال: وفي "مجمع الزوائد" عن ابن عباس: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾، قال: نزلت هذه في سرية يعني مارية القبطية، فهي من السراري التي أهديت إليه عليه الصلاة والسلام، أي في وطئها وإتيانها، أنه عليه الصلاة والسلام حرمها على نفسه لما لقي من زوجاته. قال: رواه البزار بإسنادين، والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير بشر بن آدم وهو ثقة. قال ضياء المقدس في "المختارة": أخبرنا أبو أحمد عبد الباقي ابن عبد الجبار بن عبد الباقي الحرضي الهروي قراءة عليه ونحن نسمع ببغداد، قيل له: أخبركم أبو شجاع عمر بن محمد ابن عبد الله البستام قراءة عليه وأنت تسمع، قال: أخبرنا أبو القاسم أحمد بن محمد بن محمد الخليل، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن القزاعي، قال: أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، قال: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: حدثنا مسلم ابن إبراهيم، قال: حدثنا جريب بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: «لا تحدثي أحداً، وإن أم إبراهيم علي حرام»، وأم إبراهيم هي مارية القبطية، ويمين السراري. قال: فقالت: أي حفصة للنبي عليه الصلاة والسلام: «أتحرم ما أحل الله لك؟» قال: «فوالله لا أقربها»، يعني لما لاقى من زوجاته من الغيرة، ومن كذلك ما يقع بين النساء ونحو ذلك. قال: فلم يقربها نفسها حتى أخبرت عائشة، أي حفصة أخبرت عائشة، فأنزل الله عز وجل: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾. قال أبو قلابة: صدوق يخطئ، تغير حفظه لما سكن بغداد. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكره بسنده: هذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه، أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ ضياء المقدسي في كتابه "المستخرج". قال الحافظ في "الفتح": يحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معاً. تقدم معنا في أول حديث ذكره الشيخ في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في تحريمه عليه الصلاة والسلام على نفسه العسل، فقال: كما مر معنا في حديث عائشة: «لما قال: ولن أعود له»، يعني العسل، «ولن أعود له»، يعني العسل. وهذا الحديث فيه أنه حرم على نفسه ماذا حرم على نفسه؟ مارية أم إبراهيم أن يقربها. فكيف الجمع؟ كما تقدم معنا في قواعد سبب النزول أن الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من سبب، قد يكون لها أكثر من سبب، فيجمع بين الروايتين كما ذكر الحافظ أن الآية نزلت في السببين معاً، أن الآية نزلت في السببين معاً، أي بسبب تحريمه العسل وتحريمه جاريته. وقال الشوكاني في تفسيره: فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين، قصة العسل وقصة مارية، وإن القرآن نزل فيهما جميعاً، وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث إلى بعض أزواجه، فتحمل الآية على هذين السببين، والله أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون الحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. وهذا الحديث قد مر معنا لأنه فيه سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾. قد مر هذا الحديث في سورة النساء عند هذه الآية، وذكره الشيخ هاهنا لأنه أيضاً سبب نزول هذه الآية، وأن عمر وافق القرآن في هذا، ونزل القرآن بالأمر الذي ذكره عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقوله: «لما اعتزل نبي الله نساءه»، وذلك لما أكثرنا عليه في النفقة، وطلبنا منه الكثير من النفقة، فاعتزل النبي عليه الصلاة والسلام نساءه، وذلك لما وجد في نفسه من الغضب عليهن عند إلحاحهن النبي النفقة والإكثار منها، فاعتزل عليه الصلاة والسلام نساءه، فأشيع بين الناس أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساءه، وهو لم يطلق عليه الصلاة والسلام وإنما اعتزل، وهذا شيء من هجر الزوج لزوجته، وهو بمعنى الهجر، بمعنى الهجر. فأشيع أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساءه، فدخل إلى قلوب الصحابة شيء من الهم والغم، كيف القدوة ونبي هذه الأمة يطلق نساءه جميعاً؟ فلذلك قال هنا: «دخلت المسجد فإذا الناس ينقطون الحصى»، ومعنى «ينقطون الحصى» يعني يضربون الأرض بالحصى، كفعلي المهموم المفكر، الإنسان إذا هو مهموم تجده أحياناً يضرب بعصا أو بحصى بالأرض، وأحياناً يضع يده على خده مفكراً ومهموماً ومغموماً، فهذا يدل على هذا المعنى. فدخل على الناس وهم يضربون بالحصى من الهم والغم والتفكير، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. قال: «وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب». الحافظ ابن حجر رد هذا القول، وهو أن الحجاب في هذه الحادثة لم يأتِ الأمر به، رد هذا وقال: هذا اجتهاد من الراوي، وإلا فالحجاب جاء الأمر به عند زواج النبي عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جهش، وزواجه بها قبل هذه الحادثة، قبل هذه الحادثة. فقال: كأن الراوي فهم من قول عمر أو من دخول عمر على عائشة أن هذا كان قبل الحجاب، فهو اجتهاد من الراوي، وإلا فالحجاب قد أمر به قبل هذه الحادثة. وأما قول عمر: «لا قلت لأعلمن ذلك» أو «لأعلمن ذلك اليوم»، قال: فدخلت على عائشة، فيحمل هذا أنه دخل عليها من وراء حجاب، وهذا يجوز أن يخاطب الرجل المرأة من وراء حجاب، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾، ما منع مخاطبة المرأة من وراء الحجاب إذا أمنت الفتنة، إذا أمنت الفتنة. فيحمل هذا الحديث على أن عمر خاطب عائشة من وراء حجاب، وليس أن الحجاب لم يؤمر به في هذه الحادثة، كما ذكر ذلك الحافظ، والله أعلم. فعمر قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا ابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك، أي من أمرك، أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني حتى كان فيما كان فيه عليه الصلاة والسلام من الهم والغم، ومن كذلك الاعتزال ونحو ذلك. فعدّ عمر ذلك من الأذية. فردت عليه عائشة بقولها: «مالي ومالك، ليس لك علي يد، يا ابن الخطاب، عليك بعيبتك». والعيبة بمعنى الخاصة، عيبتك يعني بخاصتك وموضع سرك. وأرادت عائشة بهذا أن تقول له: عليك بوعظ ابنتك حفصة، لأنها إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فيك أن تقول له: اذهب أولاً كلم ابنتك، فهذه التي لك عليها يد، لك عليها يد، أما أنا فلا يد لك علي، أو بهذا المعنى: «عليك بعيبتك»، أي بخاصتك وموضع سرك، والمراد: عليك بوعظ ابنتك حفصة. قال: فدخلت على حفصة، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، وهذا من تهديده لها، ولولأنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فبكت أشد البكاء، يعني تأثراً بما قال لها أبوها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه من هذا الكلام الشديد عليها. فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قالت: هو في خزانته، في المشربة. يقال: المشربة والمشربة، جاء بالرفع وجاء برفع الراء وكسرها: المشربة والمشربة، وهي الغرفة أو الموضع الذي كان يجلس فيه. قال: فدخلت فإذا أنا برباح، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاعداً على أسكفة المشربة. وأسكفة يعني عتبة الباب السفلي، جالس على عتبة الباب السفلي، يعني اللوحة الذي تحت في الباب، هذه تسمى عتبة، عتبة الباب. مدل رجليه على نقير من خشب. نقير يعني جاء تفسيره، قال: وهو جذع يرقى، يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر. يرقى عليه يعني يصعد عليه إذا أراد أن يدخل المشربة، إذا أراد أن يدخل المشربة، يعني الباب مرتفع شيئاً ما من الأرض، فيوجد هذا الجذع، إذا أراد أن يدخل صعد عليه، وإذا أراد أن خرج انحدر عليه. معنى انحدر يعني نزل، نزل عليه. فهذا هو النقير من خشب، يعني جذع يرقى عليه رسول الله وينحدر. ورباح كالحارس على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يدخل لابد أن يستأذن هذا الحارس. قال عمر: فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئاً، يعني كأن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إليه أن لا يدخل أحداً. قال عمر: ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئاً. ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني إنما جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها. وهذا وهذا من يعني مبالغته رضي الله عنه في طاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكأن عمر ظن أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما جاء عمر من أجل أن يشفع لابنته حفصة ويكلمه في شأنها أو نحو ذلك، فرفع عمر صوته حتى يسمع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يأتِ من أجل ذلك، وإنما جاء ليستثبت الأمر والخبر، أحقاً وصدقاً طلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نساءه؟ قال: ورفعت صوتي فأومأ إلي أن أرقى، يعني أشار إليّ إلى أن أدخل وأصعد على هذا الجذع. قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على حصير. الحصير يكون من السعف، من جريد النخل. قال: فجلست، فأدنى عليه إزاره، يعني كأنه كان يعني متكئاً ومنكشف شيء من جسده عليه الصلاة والسلام مما يغطى بالإزار، فلما دخل عمر وجلس، النبي عليه الصلاة والسلام أدنى عليه إزاره، يعني يغطي ويستتر. قال: وليس عليه غيره، ما معه إلا هذا الإزار فقط، والإزار هو الذي يلبس في الأسفل ويغطي العورة والساقين إلى ما تحت الركبة. قال: وإذا الحصير قد أثر في جنبه عليه الصلاة والسلام، ما كان تحته الفرش ولا الحرير ولا كذلك القطن ولا شيء من هذه المفروشات، وإنما كان على حصير حتى أثر في جنبه. قال: فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني ماذا فيها من المال، ماذا فيها من الذهب والفضة والأموال ونحو ذلك. قال: قال: فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، يعني ما فيها إلا شيء من الشعير وهو قليل، ما يقارب الصاع، والصاع هو يعني أربع أمداد، والمد هو ملء كفي الرجل المعتدل، وقدره العلماء في هذا الزمان أكثر تقدير بثلاثة كيلو. انظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عنده إلا هذا الشعير الذي يوازي ثلاثة كيلو، مثل الصاع، نحو الصاع، هذا الموجود. ومثلها قرض في ناحية الغرفة، القرض هو الذي يدبغ به الجلد حتى يطهر. قال: وإذا أفيق معلق، والأفيق هو الجلد الذي لم يتم دبغه، الذي لم يتم دبغه. هذا الموجود فقط، صاع من شعير، وقرض، وجلد غير مدبوغ، فقط هذا الذي يملكه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فابتدرت عيناي، يعني ما ملك عمر نفسه لما رأى هذه الحال التي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما استطاع أن يمسك عينيه من البكاء، فذرفت عيناه رضي الله تعالى عنه من البكاء. قال: قال، أي النبي عليه الصلاة والسلام، لعمر: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» لماذا تبكي؟ قال: قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي؟ كيف لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، هذا الحصير أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى من هذه الأشياء القليلة، وذاك قيصر وكسر في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وهذه خزانتك؟ يعني قيصر وكسر من أعظم ملوك الأرض في ذاك الزمان، زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ملك الروم وملك فارس، وكانوا في ما هم فيه من الثمار والأنهار والدنيا ونحو ذلك، وهم على الكفر. فماذا كان جواب النبي عليه الصلاة والسلام لعمر؟ قال: «أففي شك أنت يا ابن الخطاب؟» وفي رواية: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» فالعبرة في هذه الدنيا لا بنعيمها وكثرة أموالها والتلذذ بثمارها وأنهارها، وإنما العبرة بالإيمان والطاعة والاستقامة والعلم والتقرب إلى الله عز وجل، فهذه هي الحياة الحقيقية في هذه الدنيا، ليست الحياة الحقيقية في التنعم بملذات هذه الدنيا وامتلاك أموالها وذهبها وخضتها وأنهارها وثمارها ونحو ذلك أبداً، وإنما السعادة في هذه الدنيا بالعلم النافع والعمل الصالح، ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. قال: قلت: بلى. قال: قلت: بلى، يعني أرضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». الدنيا سجن المؤمن لأنه مقيد فيها بشرع الله، مقيد فيها بشرع الله، فلا يأكل فيها إلا ما أحل الله له، ولا يتلذذ فيها إلا بما أحل الله له. أما الكافر فهذه هي جنته بالنسبة لما هو قادم إليه من عذاب وعقاب ونار ونحو ذلك. أما المؤمن فإنه في هذه الدنيا هو في سجن لما هو قادم إليه من نعيم الجنة وما فيها من الثمار والأنهار والحور العين والنعيم المقيم والنعيم المقيم. فيرضى طالب العلم بالحال الذي اختاره الله له، فيرضى أن تكون له الآخرة ولغيره الدنيا. وليقول طالب العلم: رضينا بقسمة الجبار فينا، لنا علم وللجهال مال. أنت لك العلم، لك العمل الصالح، لك الاستقامة، لك الطاعة، لك انشراح الصدر وطمأنينة القلب. وأما الذي بعد عن هذا الطريق وعن العلم النافع والعمل الصالح فهو أشغل نفسه بجمع هذه الدنيا وبالانشغال بها، فالسعيد من رضي بما قسم الله عز وجل له. ارضَ أن تكون لك الآخرة يا أيها المستقيم، يا طالب العلم، يا أيها السني، ارضَ أن تكون لك الآخرة ولغيرك الدنيا، ولغيرك الدنيا. أنت إذا قرأت في سيرة النبي عليه صلى الله وسلم وسيرة أصحابه، وهم أفضل الخلق، النبي عليه والسلام أفضل الأنبياء والرسل، والصحابة كذلك أفضل هذه الأمة، أفضل هذه الأمة، وكم مرت معنا من أحاديث فيها فقر الصحابة وشدة حاجتهم، والحالة التي اختارها الله عز وجل لهم في هذه الدنيا، ومع هذا بجهادهم وإيمانهم وطاعتهم واستقامتهم رفعهم الله وزكاهم وجعلهم خير هذه الأمة وأفضل الخلق في هذه الأمة. فالأفضلية في هذا الدين ليس بكثرة الأموال، ولا بكثرة الجاه والسلطان، ولا بكثرة الدور والقصور، وإنما بطاعة الله سبحانه وتعالى. والحديث طويل، وإن شاء الله نكمل ما بقي فيه في درس قادم، مع ذكر بعض الفوائد المستنبطة منه. فنكتفي بهذا هذا اليوم، إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.