الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 162، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آيات سورة النساء التي توعد المنافقين بالدرک الأسفل من النار، ثم يبين أن باب التوبة مفتوح لهم بشرط التوبة النصوح، وإصلاح ما أفسدوه، والاعتصام بالله وحده، وإخلاص الدين له. عند تحقق هذه الشروط يصبحون مع المؤمنين وينالون الأجر العظيم.
يوضح المقطع أن من أسلم أو تاب ولم يحسن إسلامه بإخلاص الدين لله وتجنب النفاق والرياء، يؤخذ بذنوبه قبل الإسلام وبعده. بينما من أخلص وأحسن يغفر الله له ما سلف ويبدل سيئاته حسنات، مستدلاً بأحاديث وآيات تبرز أهمية الإخلاص والاعتصام بالله.
يبين المقطع أن الاعتصام بالله وإخلاص الدين له يصلح الباطن والظاهر، ويزيل رواسب النفاق بالدعاء والإلحاح. ويرتب القرآن الأجر العظيم على وصف «المؤمنين» عاماً لا على التائبين من النفاق خصوصاً، تأكيداً لعموم الثواب لكل من ثبت على الإيمان، وتحذيراً من أن المرتد عن ثباته يحبط عمله.
يختتم المفسر الكلام على الآية مؤكداً أن ما ذُكر هو ما يتعلق بها مع تفويض العلم لله تعالى. ويُذكر اسم المترجمة نانسي قنقر كجزء من بيانات النشر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 145-147]. فذكر رحمه الله تفسير قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، وذكرنا هذا التفسير، وأن الله عز وجل جعل مآلهم -أي هؤلاء المنافقين- إلى أسفل الدركات من العذاب، وأشر الحالات من العقاب؛ فهم تحت سائر الكفار لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة. ثم قال رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾: قالوا: هذا عام لكل منافق، إلا من منّ الله عليهم بالتوبة من السيئات. وربنا جل وعلا يفتح لعباده التوبة؛ مهما فعل الإنسان، ومهما قال، ومهما اعتقد، فإن الله عز وجل يفتح له باب التوبة. فهؤلاء الذين ادعوا أن الله عز وجل ثالث ثلاثة، الله عز وجل دعاهم إلى التوبة. وأيضًا كذلك الذين حرقوا أولياء في الأخدود، والذين أشركوا بالله، ومعنى دعا الناس جميعًا إلى التوبة: دعاهم إلى التوبة، ودعا أيضًا إلى التوبة أهل الإيمان، وهي التوبة الخاصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8]، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. وها في هذه الآية أيضًا يدعو المنافقين للتوبة، وما فعلوه يغفر الله عز وجل لهم، بل يعطيهم أجرًا عظيمًا، لكن بشرط أنهم يتوبون، ويصلحوا ما أفسدوا، ويصلحوا ما أفسدوا. إن كان هناك شيء أفسدوه فإنهم يصلحونه. فإن كان نشر عقائد فاسدة، فإن الواجب عليهم أن يبينوا هذه العقائد الفاسدة. إن كان هناك شيء من الأمور التي مكروا بها بأهل الإسلام، فيبينوا هذا المكر لمن يحتاج إليه من المسلمين. مثلاً: تعاونوا مع الكفار في ضرب المسلمين، فأعطوهم مثلاً بعض الخطط أو بعض الأشياء التي تكشف بعض ضعف أهل الإسلام، فإنهم يصححون ذلك. ففي أي شيء أفسدوا فإنهم يصححون ذلك الفساد. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ربنا جل وعلا هنا لم يكتفِ فقط بتوبتهم، أو أن المراد أن التوبة تقتضي ذلك، تقتضي أنهم يعتصموا بالله جل وعلا. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: «وأصلحوا له الظواهر والبواطن، واعتصموا به والتجؤوا إليه في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم، وأخلصوا دينهم». لأنهم كانوا يعتصمون ويتجؤون إلى غير الله، وإلى أعداء الله غالبًا. فلهذا جعل اعتصامهم بالله، وأخلصوا دينهم الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان. معنى «أحسنوا هذا الدين»: لأن من لم يحسن توبته ودينه لله، فإنه يؤخذ بالأول والآخر، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ تَابَ أَوْ أَسْلَمَ فَأَحْسَنَ إِسْلَامَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ، وَبَدَّلَ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ تَابَ وَلَمْ يُحْسِنْ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ». عن ما يغفر الله: لم يحسن، معنى أنه نافق، تاب من الكفر ودخل في النفاق. معنى لم يعمل شيئًا، أو ظن أنه تاب للإسلام، هو فاعتنق شيئًا من فرق الكفر، كمن اعتقد الرافضة، فهو خرج من شرك إلى شرك، وكفر من كفر إلى كفر. فقط أن الفرق بينهما أن هؤلاء يدعون الإسلام. أيضًا كذلك بعضهم يدخل مع الباطنية، مع القاديانية، مع غيرهم، هؤلاء كفار، فهو ينتقل من كفر إلى كفر. فهذا لم يحسن إسلامه. وأيضًا الذي يدخل الإسلام لأجل أن يندس بينهم، مثل ما حصل من عبد الله بن سبأ وغيرهم، فهو يسلم لأجل أن يندس بين الإسلام، بين المسلمين، وينقل أشياء من المسلمين للكفار، يكونوا عينًا وجاسوسًا للكفار. فهذا لم يحسن إسلامه. فقال: «فيأخذ بالأول والآخر، يأخذ بالأول والآخر»، أي: بما فعله قبل أن يسلم، وبما فعله بعد الإسلام. وإلا لو أخلص دينه وأحسن إسلامه، فإنه يغفر الله عز وجل له ما تقدم وما عمله في الإسلام، كما جاء في حديث حكيم بن حزام. فذكر للنبي عليه الصلاة والسلام حسنات من صلة وعتاقة كان يفعلها في الجاهلية، فقال له: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ، عَلَى خَيْرِكَ مَوْجُودٌ». بل كما ذكر الله عز وجل في آية الفرقان: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70]، السيئات التي عملها يكتبها الله عز وجل حسنات. لكن لا بد أن يخلص لله عز وجل دينه، يحسن دينه. ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70]. وهنا قالوا: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: إذا أردتم أن تكونوا مع أهل الإيمان، فإنكم ينبغي أن تفعلوا ذلك: أن تتوبوا وتصلحوا مع بواطنكم، وكذلك ظواهركم. إن كان هناك شيء يحتاج إلى إصلاح تصلحونه. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾: معنى اعتصامكم ولجوءكم إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله: «وقال: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهر والباطن، وسلموا من الرياء والنفاق. فمن اتصف بهذه الصفات فأولئك مع المؤمنين»، أي: في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر مع دخولهما في قوله: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾، لأن من الإصلاح الإخلاص. لكن خصهما بالذكر، قال: لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما. أي: من اعتصم بالله جل وعلا وأخلص دينه لله، فقد أصلح باطنه وظاهره. وما دام أنه مخلص لله، فإنه لا شك أنه يريد رضا الله، فكل ما كان يرضي الله عز وجل فإنه سيفعله، وما كان لا يرضي الله، سواء كان فعله الآن أو من قبل، وهو يستطيع أن يصلح ذلك الذي أفسد، فإنه سيصلحه؛ لأن همه رضا الله جل وعلا. فلهذا: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. قال: خصوصًا في هذا المقام الحرج الذي تمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجاء والافتقار إليه في دفعه؛ لأنه أحيانًا رواسب هذا النفاق تبقى، فيحتاج العبد إلى شدة الدعاء، كثرة الدعاء، والإلحاح على الله أن يذهب ذلك النفاق من قلبه. قالوا: وكون الإخلاص منافيًا لكل النفاق، فذكرهما لفضلهما، وتوقف الأعمال الظاهرة والباطن عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما. قالوا: تأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين، لم يقل: «وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا» مع أن السياق فيهم، بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. لأن هذه القاعدة الشريفة: لم يزل الله يبدأ فيها ويعيد، يبدأ فيها ويعيد. إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يترتب عليه ثوابًا أو عقابًا، وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام. عن هذه قاعدة يقول المؤلف رحمه الله: في القرآن، الله عز وجل إذا أراد أن يرتب أجرًا ثوابًا أو عقابًا، يرتبه على أصل من يكون في ذلك الأمر، ولا يرتب ذلك على من سيدخله، وإنما يرتبه على من دخل هذا الأمر. مثل هنا: رتب الأجر لأهل الإيمان، الأجر العظيم لأهل الإيمان، ولم يقل: «وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا»، أي: هؤلاء الذين دخلوا الإسلام وأخلصوا دينهم لله. لكن إذا استقر دينهم وثبتوا على هذا الإيمان، فإن الله عز وجل سيعطي هؤلاء أهل الإيمان جميعًا، من كان ثابتًا من أول أمره، أو من دخل بعد ذلك وثبت. وأما من تزعزع وذهب، فإنه يحبط عمله ويذهب عمله. قال: رتب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولأن لا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي. حتى لا يتوهم أن هذا الأجر لمن أخلص دينه بعدما كان منافقًا، بعدما كان كافرًا، أسلموا وأخلص دينه. لا، بل الأجر المترتب عام، الأجر المترتب عام لكل أهل الإيمان. قال: فهذا من أسرار القرآن البديعة. فالتائب من المنافقين مع المؤمنين، وله ثوابهم، إذا ثبت على هذا الإيمان. أما إذا تزعزع ورجع إلى ما كان عليه، فإنه لا يتحصل على هذا الثواب. أنا لو مثلاً تاب وأخلص دينه، لكنه سرعان ما رجع إلى ما كان عليه من النفاق، فهذا لا يتحصل هذا الأجر. لكن إذا ثبت مع أهل الإيمان، تحصل أجره معهم. فهذا ما يذكر بهذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر