الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 161، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات سورة النساء التي تخبر بأن المنافقين في أسفل دركات النار، أشد عذاباً من الكفار لجمعهم بين الكفر والمكر والخديعة وإظهار الإسلام مع بغض المؤمنين. ويبين أن النار لها دركات كما للجنة درجات، وأن المنافقين في الدنيا يعاملون بظاهر الإسلام لكن حقيقتهم كفر، فيعاملهم المسلمون وفق الظاهر انقطاعاً للوحي.
يشرح المقطع أن الإسلام يحكم بالظاهر، فمن أظهر الإسلام عُومل به، ومن أظهر الكفر والنفاق عُد زنديقاً مرتداً يُقام عليه حد الردة. ويستعرض قول الإمام أحمد في ابن أبي قتيلة حين سبه أهل الحديث، فقال: زنديق، زنديق، زنديق، مبيناً أن إظهار النفاق كالبغض للنبي صلى الله عليه وسلم أو تفضيل أحكام الغرب يدل على الكفر الباطن، وأن المنافقين قد يكون ضررهم أشد من الكفار لمكرهم وخديعتهم.
يستعرض المقطع مواقف المنافقين في عهد النبي ﷺ وتآمرهم مع الكفار كما ورد في سورة الحشر، وخذلانهم في أحد حيث رجع عبد الله بن أبي بثلث الجيش، مع الإشارة إلى تطهير جيش بدر وأحد منهم. ثم يربط المتحدث بين المنافقين عبر العصور وما يسميه "الطابور الخامس"، متهمًا الروافض والنصيرية بتسهيل دخول التتار إلى بغداد وقتل المسلمين، زاعمًا أن تسلط الكفار على الأمة سببه خيانة هؤلاء المنافقين.
يتحدث المقطع عن تعاون ابن العلقمي الرافضي مع التتار لإسقاط بغداد، موضحًا أن هؤلاء القوم يعاونون الكفار ويكرهون المسلمين ويتربصون بهم. ويختم بذكر أن من تاب وأخلص لله وأصلح فإن الله يجعله مع أهل الإيمان، على أن يستكمل الشرح في دروس لاحقة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى عن مآل المنافقين أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشر الحالات من العقاب، وهم تحت سائر الكفار؛ لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة، والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين على وجه لا يشعر به ولا يُحس، ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه، ولا ناصر ينقذهم من عذابه، ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه. فهذا كان مآل هؤلاء أهل النفاق الذين زادوا على الكفر بالمكر والخديعة والخب، يظهرون لأهل الإسلام أنهم من المسلمين، لكنهم يحملون البغض على أهل الإسلام، وكما أخبر الله عز وجل عنهم في الآيات السابقة، وسيخبر أيضًا عنهم شدة عداوتهم لأهل الإسلام. وأيضًا كذلك بيّن الله عز وجل أن في صدورهم عداوة وبغضًا لأهل الإسلام وأهل الدين، فلذلك كان مآلهم أسفل من النار، أسفل من الكافرين. وأيضًا في الآية أن النار فيها دركات، كما أن الجنة فيها درجات؛ الجنة تسمى درجات لأنها طلوع، والنار فيها دركات لأنها نزول، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، أي أسفل من الكفار. لم يجعلهم الله عز وجل في درجة وسط كما هم في الدنيا؛ في الدنيا يكونون وسطًا بين الكفار وبين المسلمين، فيعاملهم أهل الإسلام بمعاملة المسلمين، ويعطونهم حقوق المسلمين من السلام، ومن الصدقات، ومن غير ذلك، وأيضًا أحكامهم تقام عليهم أحكام المسلمين، لكن العاصل أنهم كفار، العاصل أنهم كفار، لكن لإظهارهم الإسلام أخذ المسلمون -أو المسلمون يأخذون- بظاهرهم، كما قال عمر: «إنما لنا الظاهر، وأن الوحي قد انقطع، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه، ومن أظهر لنا شرًا بعدناه». أنا هذا الأصل، لكن الناس بعد ذلك يختلفون في معرفة الخبيث والمخادع وغير ذلك في المعاملات فيما بينهم، أما في الإسلام فأخذ الإسلام بالظاهر، فمن أظهر لنا الإسلام أمناه على أنه من أهل الإسلام، ومن أظهر لنا الكفر والعناد فهو من أهل الكفر والعناد. ولهذا ذكر الفقهاء أن من أظهر نفاقه يعتبر زنديقًا، بمعنى كافر، إذا أظهر النفاق، أما إذا لم يظهر النفاق فبقي على ظاهر الإسلام، وجعل نفاقه خفيًا، أنا مثلًا: إظهار النفاق مثلًا يظهر أنه يبغض النبي عليه الصلاة والسلام ويكرهه، أو يكره الإسلام ويبغض أيضًا أحكام الإسلام، فيفضل أحكام الغرب على أحكام الإسلام، ويفضل أقوال الغرب على أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، فيظهر بذلك نفاقه، يظهر بذلك ما في بطنه من الكفر، فهذا يسمونه زنديقًا، فهذا يسمى عند الفقهاء زنديقًا. وإن كانت «زنديق» أطلقت -أنا ليست كلمة عربية- لكن استعملها العرب، وأطلقت على كل من طغى في حدوده، في حدود ما يجوز له، فلذلك سمى بعض السلف من جاوز حده في البدعة وأفرط في البدعة سموه زنديقًا. كذلك أيضًا من أقواله تشابه أقوال المنافقين، لهذا لما ذكر للإمام أحمد أن ابن أبي قتيلة يقول -وكان هذا ابن أبي قتيلة فيلسوفًا، وعنده أسلوب في الكلام والفصاحة- فكان لما جاء إلى بغداد صرف الناس بفصاحته، واجتمع الناس لأجل فصاحته، فسئل عن أهل الحديث فقال: «أهل الحديث قوم سوء»، سأله بعضهم عن علماء الحديث وأهل الحديث فقال: «هم قوم سوء». فذكر ذلك للإمام أحمد، فقام ونفض ثوبه وقال: «زنديق، زنديق، زنديق»، بمعنى: ما جاء بهذا الكلام إلا لما في نفسه من الغل والحسد على أهل الحديث وعلى أهل العلم، وهذا من صفات المنافقين، فلذلك قد يطلق على من توغل في البدعة، وقد يطلق أيضًا على من أظهر نفاقه، وهذا اصطلاح اصطلحه الفقهاء على أن من أظهر نفاقه فهو زنديق، أي مرتد، زنديق أي مرتد، فيقام عليه حد الردة. فقال المؤلف رحمه الله: فزاد هؤلاء -أي هؤلاء المنافقون- زادوا أن كانت معهم المكر والخديعة، وكذلك الخبث الذي في قلوبهم، والعداوة التي في قلوبهم أشد أحيانًا من عداوة الكفار، وأيضًا كذلك يمهدون لأعداء الله ضد أهل الإسلام، ضد أهل الإسلام. ولهذا تجد أن هذا النوع حتى في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحيكون المؤامرات بالمسلمين لأجل أن يسلطوا عليهم الكفار، ولهذا يأتون إلى الكفار ويقولون: نحن معكم، ونحن سننصركم، كما ذكر الله عز وجل عنهم أنهم كما جاء في سورة الحشر: ﴿ يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. لأنهم غالبًا هؤلاء جبناء، هم ما أخفوا أنفسهم ولم يظهروا ما هم عليه إلا لأنهم جبناء، فلذلك لا ينفعون في الحروب، فهم أول الناس فرارًا، ولهذا الله عز وجل ثبتهم في أحد حتى لا يخذوا أهل الإسلام لفرارهم، فرجع تقريبًا ثلث الجيش، جيش المسلمين، رجع مع عبد الله بن أبي، خذلهم الله عز وجل وجعلهم يرجعون. وأما من كان من أهل الإيمان فبعضهم همّ أن يرجع، ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾، فهاتان الطائفتان هما بنو سلمة وبنو الحارث، وهم من أهل الإيمان من الأنصار، هموا أن يرجعوا مع هؤلاء، لكن بعد ذلك ثبتهم الله وقاتلوا في أحد. فكان أهل أحد ليس فيهم من أهل النفاق، ولا كذلك من أهل بدر ليس فيهم من أهل النفاق، طهر الله عز وجل جيش المسلمين منهم؛ لأنهم إن خرجوا كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنْ يَخْرُجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾، فما يزيدون الإسلام إلا خذلانًا، يخذلونهم حتى يتسلط عليهم الكفار. وكذلك أيضًا حتى في بلادهم فهم يبحثون ويمكرون بالليل والنهار لأجل أن يجعلوا -أو يأخذوا- نقاط الضعف من المسلمين ويعطونها للكفار، فهم لعنة -معنى اللعنة- للكفار. ومن نظر أيضًا في تاريخ الأمة وقرأ في تاريخ أمة الإسلام يجد أن أكثر تسلط الكفار على أهل الإسلام بسبب هؤلاء، بسبب هؤلاء الذين يسمونهم بعض المعاصرين «الطابور الخامس»، فهؤلاء أهل النفاق الذين يبغضون أهل الإسلام، في الروافض أخزاهم الله، فهم الذين أدخلوا التتار إلى بلاد المسلمين، وقتلوا في المسلمين في بغداد، قتل أكثر من مليون مسلم، قتلوهم قتلًا ذريعًا بالذبح وبالحرق وبغير ذلك، وكل ذلك عاونهم على الدخول هؤلاء النصيرية الكفار، هم فرقة من فرق الروافض، النصيرية الذين كان حكمهم في سوريا، وطهر الله عز وجل وأزالهم من تلك البلاد المسلمة، فكان هم الذين أدخلوا التتار. وأيضًا كذلك الروافض، وهو ابن العلقمي الرافض الخبيث الذي تعاون مع هؤلاء التتار حتى أدخلهم إلى بغداد. فالمهم أن هؤلاء هم معونة للكفار، ويبغضون أهل الإسلام ويعادونهم، ويتربصون بهم الدوائر، وغير ذلك مما ذكره الله عز وجل عن هؤلاء. ثم ذكر الله عز وجل أن من تاب منهم وأخلص لله وأصلح فإن الله عز وجل يجعلهم مع هؤلاء أهل الإيمان. فإن شاء الله نكمل في الآيات في دروس لاحقة، والحمد لله رب العالمين.