كتاب التفسير من صحيح البخاري 21

كتاب التفسير من صحيح البخاري 21

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير الطبري للآية: ألم تر إلى الذين بدلوا

يورد الإمام الطبري تفسير قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾ موضحاً أن «ألم تر» بمعنى «ألم تعلم»، و«دار البوار» هي دار الهلاك، مستنداً إلى ابن عباس رضي الله عنهما في أن المراد بهم كفار أهل مكة الذين جحدوا نعمة الله.

سبب نزول الآية في كفار مكة ونعم الله عليهم

تبين الآيات سبب النزول في كفار مكة الذين بدّلوا نعمة الله كفراً، حيث امتن الله عليهم بجعل مكة بلداً آمناً ومقصداً للتجارة والرزق الوفير، فقابلوا هذه النعم بجحود رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والبطش به وبأصحابه.

استئصال قادة قريش يوم بدر وتبديلهم النعمة كفراً

يوضح المقطع أن قبائل قريش، وبخاصة بنو المغيرة وبنو أمية، علموا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لكنهم كفروا وجحدوا النعمة، فقُتل كبارهم وقادتهم مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وعتبة وشيبة في غزوة بدر، مما أضعف شوكة الكفر وقلل مقاومة الإسلام.

مصير بني المغيرة وبني أمية وإسلام أبي سفيان المتأخر

يذكر المقطع تفاوت المصير بين قبيلتي قريش؛ فقُتل رؤوس الكفر من بني المغيرة يوم بدر فقلت شوكة كفرهم، بينما أُمهلت بنو أمية وفي مقدمتهم أبو سفيان بن صخر، حيث أخّر الله إسلامه حتى أسلم في بداية فتح مكة قبل دخولها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: «باب: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾». قال: ﴿ألم تر﴾ أي: ألم تعلم، لقوله: ﴿ألم تر إلى الذين حلوا قومهم دار البوار﴾، ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾، ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾. دار البوار: في دار الهلاك. بار يبور بوراً، أي: هالكين، بل هم قوم بوراً. قال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، أبو جعفر، أبو الحسن، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر، أبو المديني، إمام العلم، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، مفتي مكة، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله جل وعلا: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾، قال: كفار أهل مكة، كفار أهل مكة. وهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية، وأنها في كفار مكة، هم الذين بدلوا نعمة الله كفراً؛ لأن الله عز وجل جعل لهم وأنعم عليهم نعمة عظيمة: أولاً أنها جعلها بلداً آمناً، وأيضاً يجبى إليها ثمرات كل شيء. وقد قال الله عز وجل في سورة قريش: ﴿لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾. وأنها صارت مكة أمناً لا يكون فيها قتال. هذه نعمة من نعم الله عز وجل على قريش. والنعمة الأخرى: أنها يجلب لها ثمرات كل مكان، من كل مكان يأتي من الشام واليمن، كذا يأتي بها إلى مكة، ويجتمع الناس، وتكون تلك الأسواق العظيمة التي لم تكن في العرب مثلها. وكل ذلك كان في مكة، أهل مكة ينعمون بهذه النعمة، فبدل أن يشكروا الله عز وجل، بطروا وكفروا بنبيه عليه الصلاة والسلام، وخرجوا، فهم بطروا نعمة الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس﴾، ويكبرون ويبطرون. مع أن الله عز وجل أنعم عليهم، بدل أن يشكروا نعمة الله عز وجل عليهم، قاموا كفروا وأخرجوا نبيهم عليه الصلاة والسلام، وهم يعلمون، يعلمون صدقه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد جاء هذا أيضاً، جاء الآخر أنه سألهم الناس: من هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً؟ قال: هم أخوالي وأعمامك، هم أخوالي وأعمامك. وجاء في بعض الروايات: قال: هم الفجران من بني مخزوم ومن بني أمية. وجاء عن علي، وعن ابن عباس كذلك: بني المغيرة وبني أمية. المراد بأعظم من بدلوا نعمة الله عز وجل عليه كفراً: هم هذه القبائل، بنو المغيرة من بني مخزوم، الوليد بن المغيرة، وكذلك أيضاً بنو أمية. فقال: «أما أخوالي من بني المغيرة، فهم أخوال عمر». وأبو جهل يعتبر. قال عمر: «فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، أي: استأصل قائده الذي يأزهم إلى الكفر، أبا جهل». وكذلك أيضاً الوليد بن المغيرة، أو أقصد: شيبة وعتبة، شيبة وعتبة أيضاً كذلك من بني المغيرة، والوليد. وكذلك قتلوا يوم بدر، فاستأصل شوكتهم وقادتهم. فمن بعد ذلك قلّ كفر بني المغيرة، لم يكن وجه المتزعم بالكفر، ومتزعماً كذلك هداية النبي عليه الصلاة والسلام وهداية أهل الإسلام. لكن لما مات، أو لما قتل يوم بدر مع شيبة وعتبة والوليد بن عتبة، فإن قلّ كفر هؤلاء، أي بني المغيرة. وأما بنو أمية، فمنهم من قال: يمهلهم الله إلى حين. فقال: أراد به أبو سفيان، أبو سفيان بن صخر الأموي، مع أنه أخره الله عز وجل وأسلم قبل الفتح أو في الفتح، أسلم في بداية فتح مكة قبل أن يدخل مكة، وسلم