كتاب التفسير من صحيح البخاري 19

كتاب التفسير من صحيح البخاري 19

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير البخاري لمثل الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة

يشرح المقطع باب البخاري في الآية التي ضرب الله فيها مثلاً للكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، مبيناً أن المراد بها النخلة عند الجمهور أو جوز الهند، ثم يستعرض رجال الإسناد في الحديث المروي: عبيد بن إسماعيل، وعلي بن أسامة، وعبيد الله بن عمر العمري، مع توثيق أحوالهم وثناء الأئمة عليهم.

حديث تشبيه المؤمن بالنخلة ورواية نافع

يروي نافع مولى ابن عمر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم شبه فيه المؤمن بالنخلة التي لا يتحاط ورقها وتؤتي أكلها كل حين، وقد وقع في نفس ابن عمر أنها النخلة لكنه سكت لاحترام صمت أبي بكر وعمر، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث فوائد في اختبار الصحابة، وفضل العالم، وخلق المؤمن الذي يقابل الإساءة بالإحسان كنخلة تُرمى بالحجر فتسقط تمراً.

أخلاق المؤمن وآداب طالب العلم مع العلماء

يبيّن المقطع أن المؤمن لا ينتصر لنفسه بل يغضب لانتهاك حرمات الله، ويعامل الناس بالإحسان طلباً لوجه الله، مُشبّهاً بالنخلة الثابتة. كما يبرز أدب ابن عمر في السكوت بحضور أبي بكر وعمر، مؤكداً قاعدة السلف في عدم التحدث أو الفتيا بحضور من هو أعلم إلا لضرورة.

تشبيه النبي بالنخلة وختام المجلس

يشير المقطع إلى تشبيه النبي عليه الصلاة والسلام بالنخلة، ثم ينهي المتحدث الحديث بالاكتفاء بذلك والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها». يعني هذا الباب في معنى هذه الآية: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. وهذه الكلمة العظيمة هي كلمة: لا إله إلا الله. وهذه الشجرة التي ذكرها البخاري فسر هذه الشجرة بهذا الحديث لأنها النخلة، وهذا قول أكثر أهل العلم. ومنهم من قال: إنها جوز الهند. فالمراد بهذه الشجرة التي يكون أصلها ثابت وفرعها يرتفع كثيراً عن الأرض، تؤتي أكلها كل حين. «كل حين»: قيل كل سنة، وقيل كل ستة أشهر. وقيل: بل جوز الهند لأنها تثمر في كل شهر. وقد يكون المراد كل شجرة يكون أصلها ثابت وفرعها في السماء وتأتي أكلها كل حين. فهي تتفرع مثل شجرة الإيمان، شجرة التوحيد. قال رحمه الله: «حدثني عبيد بن إسماعيل»، وقال: «عبيد الله بن إسماعيل»، وهو طُوَيْف، ويسمى بعبيد. أنا اشتهر بعبيد، قال له عبيد، وقال له: إن اسمه هو عبيد الله. وقيل: عبد الله. قال: «علي بن أسامة»، هو حماد بن أسامة بن زيد القرشي، مولى الهاشميين. قيل: إنه مولى زيد بن علي. وهو حافظ أهل الكوفة، وخطيب أهل الكوفة. كان ذكياً جداً، كان عنده خبرة بالتاريخ، خاصة بتاريخ أهل الكوفة. وتكلم فيه بعض أهل الكوفة كابن نمير، لكنه لم يقبل كلامه فيه. ولهذا قال الإمام الذهبي: «لم يقبل الناس كلام ابن نمير في أبي أسامة». وكذلك تكلم فيه سفيان بن وكيع، وأيضاً لم يقبل كلامه؛ لأن أبا أسامة ثقة، كان حافظاً، كان يقول: «لما أثبت أبو أسامة»، وكان يتلو الأحاديث يتلو حفظاً. قال: «علي بن أسامة، عن عبيد الله»، وهو ابن عمر العمري. عبيد الله بن عمر بن حفص، المعاصر لابن عمر بن الخطاب، وهو ثقة ثبت. أبو حمزة الأسامة، أبو حمزة العبد. قال: «عن نافع»، وهو أبو عبد الله نافع، مولى عبد الله بن عمر المدني. كان حافظاً من حفاظ الحديث، وهو أحفظ الناس لحديث ابن عبد الله بن عمر، وأكثرهم حديثاً عن عبد الله بن عمر، حتى من سالم ابنه. واختلف نافع وسالم في بعض الأحاديث: رفعها سالم، ووقفها نافع. ورجح أكثر أهل العلم، كإبراهيم الحربي، والإمام أحمد، والإمام البخاري، حديث نافع على حديث سالم. قال: «كنا عند رسول الله»، قال: «عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم، لا يتحاط ورقها، ولا...»، وذكر أشياء أيضاً من صفات هذه الشجرة: «تؤتي أكلها كل حين». قال ابن عمر: «فوقع في نفسي أنها النخلة». وهذا يؤيد أن المراد بالآية هي النخلة. قال: «ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم». فلما لم يقولا شيئاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة». فلما قفلنا، قلت لعمر: «يا أبت، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة». قال: «فما منعك؟» قال: «ما منعك أن تتكلم؟» قال: «لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم، أو أقول شيئاً». قال عمر: «لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا». فهذا الحديث تكرره الإمام البخاري في عدة مواضع، خاصة في كتاب العلم، ذكره في باب: «الرجل يختبر أصحابه»، وذكره في باب: «من أفتى الناس بغير علم»، وغيرها من الأبواب. ففيه فوائد كثيرة، وفيه أيضاً فضل المؤمن، وأن المؤمن لا يتعدى منه أحد، خاصة من أهل الإيمان، بل أنه مثل هذه النخلة التي تعطي أكلها، ويؤتى أو تُرمى بحجر فتسقط تمراً. والمؤمن قد يؤذى، ويقابل الناس بالإحسان. قد يؤذى، لكن يقابل الناس بالإحسان؛ لأنه يريد وجه الله، لا يريد نفسه. لهذا كان عليه الصلاة والسلام من صفاته العظيمة أنه لا ينتصر لنفسه. لما قالت عائشة رضي الله عنها: «وإنما ينتصر إذا انتهكت حرمات الله». كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، وما كان يغضب لنفسه عليه الصلاة والسلام. فلذلك فالمؤمن كذلك لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ويعامل الناس معاملة حسنة؛ لأنه يريد وجه الله. فقال هنا: «فوقع في نفسي أنها النخلة». وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾. «اجْتُثَّتْ»: أي استُؤْصِلَت. وفسرها مجاهد وغيره، وأنس كذلك: بشجرة الحنظل. شجرة الحنظل شجرة كبيرة، بالإضافة أنها في علم النبات، فهذه الشجرة إذا جاءتها الريح تظل صامدة حتى تجتثها كلها. وما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: أنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن كخامة الزرع، ومثل الكافر كمثل شجرة الأرز (أو السنوبر)». فبهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام شبه المؤمن هنا في النخلة. قال: «رأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم». وهذا فيه أن طالب العلم يقدر العالم، ومن يقوم في المجلس أنه أعلم منه. لهذا كان السلف يقولون: «من حماقة الرجل أن يتكلم أو أن يفتي في مكان فيه من هو أعلم منه»، إلا أن كان مثلاً هناك شيئاً لم يعرفه، وكذلك عنده علم به، وهذا الشيء قد يكون لا علم له به، أو أنه لم يتفقد هذا الأمر، فلا بأس. وإلا فالأصل أن الإنسان لا يتكلم في مجلس فيه من هو أعلم منه، كما كان مسعر وغيره يقول: «من الحماقة أن يتكلم الرجل في مجلس فيه من هو أعلم منه». وأيضاً ذكر سفيان على هذا الكلام. وفي هذا الحديث ما ذكره هنا من فضل المؤمن، وفضل كذلك معاملته. شبهه النبي عليه الصلاة والسلام بالنخلة. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والحمد لله.