الدرس في كتاب الأيمان والنذور 2، ألقاها
كفارة اليمين تجب عند الحنث وتكون بإطعام أو كسوة أو عتق أو صيام، ويخير الإنسان بين هذه الأمور. يُشرح في هذا الفصل أنواع كفارة اليمين وشروط وجوبها.
يشترط لوجوب الكفارة انعقاد اليمين وعدم الإكراه والحنث فيها، كما يتطرق إلى أثر الاستثناء بقول "إن شاء الله" على الحنث والكفارة. يُوضح هذا الفصل الشروط بالتفصيل.
أنهى الشيخ الدرس مؤكداً على النقاط الرئيسية التي تمت مناقشتها، وختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر هذا الفصل ختاماً للدرس بأكمله.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أخذنا بدرس الماضي في قيل ميسر أقسام اليمين، فما هي أقسام اليمين؟ نعم، ثلاثة أقسام: يمين لغو، ويمين منعقدة، واليمين الغموس. ما هي اليمين اللغو؟ نعم، التي لم يقصد فيها الحالف عقد اليمين. صورتها مثل جريان الحلف على لسانه، كلا والله، بلا والله، من غير قصد اليمين. أو صورة ثانية: أن يحلف يظن صدقه فيما حلف عليه، ويتبين خلاف ذلك، فهذا يعتبر من لغو اليمين. اليمين المنعقدة: أن يعقد اليمين، ويقصد اليمين، ويشترط في هذه اليمين أن تكون على شيء يقدر عليه، يعني شيء ممكن. وأيضا أن تكون بالله أو صفة من صفاته، شيء زائد عن هذا. حتى تكون اليمين منعقدة، أن يكون على أمر مستقبل، لا يكون على أمر ماضي. واليمين الغموس: الحلف الذي يحلف كاذبا، أن يحلف الإنسان على شيء كاذب من أمور الماضية، يقطع بها مال أمرهم مسلم، هذا في الغالب. وإلا قد يكون أيضا من غير قطع مال، فيكون كذلك واقعا في اليمين الغموس. قال: المسألة الثالثة، كفارة اليمين وشروط وجوبها. قال: أولا، كفارة اليمين شرع الله عز وجل لعباده كفارة اليمين التي يكون بها تحلة اليمين والخروج منها، وذلك رحمة بهم. قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ يعني ما تتحللون به من هذه اليمين. وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأتها وليكفر عن يمينه». وهذه الكفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه ولم يفي بموجبها. فالله عز وجل شرع كفارة اليمين للخروج من هذه اليمين التي ربما يحلف بها الإنسان ويوقع نفسه في الحرج، فيمنع نفسه من شيء يريد أن يفعله. فكيف يخرج من هذه اليمين؟ بالكفارة، يكفر كفارة اليمين التي فرضها الله سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأتها وليكفر عن يمينه». يعني يأتي هذا الخير الذي حلف على تركه، الذي حلف على تركه فليفعله، ثم يكفر عن يمينه. هنا قال: «فليأتها وليكفر»، يعني يبدأ بالحنث، يحنث بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله، ثم يكفر. وجاء في رواية: «فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير»، يبدأ أولا بالكفارة ثم يقع في الحنث. وفي هذه الرواية: يحنث أولا ثم يكفر. معنى الحنث: أنه يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله، بمعنى يخالف ما حلف عليه ولا يفي بهذه اليمين. فإذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها، مثلا قال: «والله ما أكلم فلانا»، ثم رأى أن الخير أن يكلمه، ماذا يفعل؟ نقول: كفر، كلمه ثم كفر. أو كفر ثم كلمه، كلا الأمرين جائز. والله لا أدخل بيت فلان، ثم رأى أن الخير أن يدخله، فيدخله ثم يكفر. لكن لا يجوز له أن يكفر قبل أن يحلف، لأن سبب اليمين لم يأتي بعد. بخلاف التكفير قبل الحنث، فإن السبب موجود وهو اليمين، فيجوز أن يقدم الكفارة ثم يقع في الحنث. أما قبل اليمين فلا يجوز، ولا تنفع الكفارة قبل اليمين لعدم وجود سببها. إذا الإنسان مخير، إذا حلف وراد أن يحنث في يمينه، هو مخير بين أن يكفر أولا ثم يحنث أو أن يقع في الحنث ثم يكفر. وهل أفضل أن يكفر ويقع في الحنث أو يستمر في يمينه؟ الجواب: يكفر. الجواب أن يكفر أفضل، ويقع في الحنث إذا كان الخير هو بمخالفة ما حلف عليه. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان قد يأثم في استمراره باليمين، قد يأثم في استمراره باليمين على ترك ما هو أفضل وما هو خير له. وهكذا أيضا فيما يتعلق بمعاملته لأهله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يلجأ أحدكم في يمينه آثم له عند الله من أن يأتي كفارته التي فرض الله عليه». والحديث في صحيح الإمام مسلم. «لأن يلجأ أحدكم في يمينه» أن يستمر في يمينه آثم له من أن يأتي كفارته التي فرض الله. «لأن يلجأ أحدكم في يمينه» في أهله، شيء يتعلق بأهله، حلف أنه مثلا ما يخرجهم من البيت أو أنه ما يأتي لهم بشيء، بكذا وكذا، شيء يتعلق بهم في المعاشرة والإحسان. فاستمراره على هذه اليمين آثم له، يقع في الإثم. وخير له أن يكفر كفارة يمين ويقع في الحنث ويحسن معاملته لأهله. قالوا: كفارة اليمين فيها تخيير وترتيب. فيخير من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة، أو عتق رقبة مؤمنة وسليمة من العيوب. فمن لم يجد شيئا من هذه الثلاثة المذكورة، صام ثلاثة أيام. لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَنِثْتُمْ﴾. قال: فجمعت كفارة اليمين بين التخيير والترتيب. تخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتيب بين هذه الثلاثة وبين الصيام. هذه كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. هذه أشياء الثلاثة الإنسان فيها على التخيير. وأو هنا للتخيير، إن شاء هذا وإن شاء هذا وإن شاء هذا. وبدأ الله جل وعلا بهذا التخيير بالأسهل فالأشد. أسهل هذه الأشياء الإطعام وأخفها، ثم الكسوة أعلى منها، ثم العتق وهو أعلى. ومع ذلك أم خير فيها. فإن لم يجد هذه الثلاثة انتقل إلى الترتيب وما بعد هذه الثلاثة وهو الصيام. قال: فيخير من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، يعني من بر أو رز أو تمر أو نحو ذلك من الطعام الذي يأكله الناس. قال: بهذا قال عمر رضي الله عنه، وعلي، وعائشة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والنخعي، والضحاك، ومكحول، وأبو قلابة، كما ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله. وجاء عن ابن عباس أنه يطعم مدا من بر، يعني ربع صاع، مدا من بر مع إدامه، مع إدامه، أي ما يؤكل مع هذا البر، يعني كخبز مثلا، بر مع فاصوليا مثلا، أو لحم أو سمك أو نحوه من الإدام. وروي هذا القول كذلك عن جماعة من السلف، كابن عمر، وابن المسيب، ومجاهد، وغيرهم. وقال معه الصحابة رضي الله عنهم، كقول علي رضي الله عنه، قال: يغديهم أو يعشيهم، بمعنى أنه يصنع طعاما جاهزا. وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة، خبزا ولحما، خبزا ولحما. فإن لم يجد خبزا وسمنا، فإن لم يجد خبزا ولبنا. وكون الطعام طعاما جاهزا هذا أفضل. لأن الطعام الغير جاهز يحتاج إلى طبخ ومواد من زيت وبصل وغير ذلك من الأمور التي يستعان بها في الطبخ. لأن كونه طعام جاهز هذا لا يكلف هذا المسكين شيء من المونة. فالأفضل أن يكون طعاما جاهزا، سواء وجبة غداء، وجبة عشاء، فطور، خبز مع إيدام، مكرونة، رز، عصيد، ما يتيسر من وسط الطعام الذي يأكله الإنسان. قال: أو كسوة عشرة مساكين، لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة. له أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم. وأقل ما يجزئ في الكسوة ما يجزئ في الصلاة مما يتعلق بالرجال أو بالنساء. وهذا القول قول الإمام مالك والإمام أحمد، أن الكسوة تكون مما يجزئ في الصلاة. فمثلا الرجل يجزئه قميص وصروال، أو إزار ورداء، أو شميز ونحو ذلك مما يستر عورته ويجزئه في الصلاة. وهذا القول لعله أقرب الأقوال وأصحها فيما يجزئ في الكسوة. بعض العلماء قال: لا يكفي عمامة. فالحقيقة أن العمامة ليست كسوة. لو أن إنسانا ما عنده ثياب وألبسته عمامة، هل كسيته؟ لا، ما كسيته. بخلاف لو ألبسته قميصا، ألبسته إزارا ورداء، هنا يصح أنك كسيته. فيكون هذا القول هو الأصح. أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب. والكسوة كما ذكرنا أنها أعلى من الإطعام. الآن الكسوة يعني أقل شيء نحو تسعة آلاف وعشرة آلاف، لو تكسو واحد كساء، يعني إزار وشميز مثلا، قد تكون بين السبع آلاف إلى عشرة آلاف. فلا شك أنها ستكون أعلى وأغلى وأكثر ثمنا بخلاف الإطعام، فهو دونه في الكلفة. قال: أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب. كذلك أيضا هو مخير بين الإطعام عشر مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وهنا قيدها بالإيمان، أو رقبة مؤمنة. وهذا قول جمهور العلماء، أن الرقبة لا بد أن تكون مؤمنة. مع أن أطلقت في آية كفارة اليمين: «أو عتق رقبة»، لكنها قيدت في كفارة القتل بالإيمان، «تحرير رقبة مؤمنة». والحكم واحد، عتق رقبة في كفارة اليمين وفي كفارة القتل، مع اختلاف السبب. فإذا اتفق الحكم، فإنه يحمل المطلق على المقيد في قول أكثر أهل الأصول، وهو الصحيح. فعلى هذا تقيد الرقبة هنا بالإيمان. سليمة من العيوب، أي التي تضر في هذه الرقبة حتى تكون سالمة منها ويحصل بها المقصود. قال: فمن لم يجد شيئا من هذه الثلاث المذكورة، صام ثلاثة أيام. إذا لم يستطيع طعام عشر مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، حينئذ ينتقل، إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام. هل يشترط في هذا الصيام أن يكون متتابعا؟ في هذا قولان لأهل العلم. من أهل العلم ذهبوا إلى اشتراط التتابع، وهو قول الإمام أحمد، وأبي حنيفة. واستدلوا بقراءة ابن مسعود: «ثلاثة أيام متتابعات». فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وذهب الإمام مالك والشافعي إلى عدم اشتراط التتابع، لأن الآية أطلقت الصيام ولم تقيده بالتتابع. وهذا أصح. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. فيصح أن تكون متتابعة، ويصح أن تكون متفرقة. وأما القراءة، قراءة ابن مسعود، فهي شاذة. قال: ثانيا، شروط وجوب كفارة اليمين. قال: لا تجب الكفارة في اليمين إذا نقضها الحالف ولم يفي بموجبها إلا بشروط ثلاثة، وهي: الشرط الأول، أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل، كما مضى بيان ذلك. ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو بإسم من أسمائه أو صفة من صفاته. لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فدل ذلك على أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة. فإذا حلف بغير الله، كان حلف هذا محرما وشركا بالله جل وعلا، فلا تنعقد به اليمين. وإنما تنعقد إذا حلف بالله أو بصفة من صفات الله جل وعلا. قال: أما من سبق اليمين على لسانه بلا قصد، فلا تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه لعدم القصد وعدم العمد. فإذا جرى اليمين على لسانه خطأ، فإن لا تنعقد يمينه، كما مر معنا لعدم قصد عقد اليمين. قال: الشرط الثاني، أن يحلف مختارا. فمن حلف مكرها لم تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه فيها. لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكره عليه». فإذا حلف مكرها، قبل أمسك وهدد، وقيل: الله احلف، احلف، أنك ما تدخل البيت فلان، أو أنك ما تكلم فلان، فحلف تحت التهديد، هل تنعقد هذه اليمين؟ الجواب: لا، لا تنعقد. لماذا؟ لأنه لم يحلف قاصدا لليمين، وعاقدا لها، وإنما حلف مكرها، حلف مكرها غير مختار، فلا تنعقد هذه اليمين. قال: شرط الثالث، أن يحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله، ذاكرا ليمينه، مختارا. أما إذا حنث في يمينه ناسيا أو مكرها، فلا كفارة عليه، للحديث المتقدم. الشرط الثالث لوجوب الكفارة: أن يحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله. لو قال مثلا: «والله لا أكلم زيدا اليوم»، لا أكلم زيدا اليوم، مرت ساعة أو ساعتان ثم كلمه، هنا وقع في الحنث، فعليه الكفارة. لكن لو ما كلمه حتى انتهى اليوم، جاء في اليوم الثاني فكلمه، هل عليه كفارة؟ الجواب: لا. الجواب: لا، لأن هذا الحلف انتهى، هو علقه في يوم، أنه ما يكلمه في هذا اليوم، مضى هذا اليوم وانتهى زمانه، ولم يكلمه، ليس عليه شيء. إذا لا تجب عليه الكفارة إلا إذا حنث في يمينه، بأنه لم يفي في يمينه، ففعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله. لو قال: «والله سأذهب اليوم لزيارة إخواني»، مضى اليوم ولم يذهب، هنا حنث، فعليه الكفارة، عليه كفارة. إذا تجب الكفارة إذا حنث في يمينه، بأن فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله. لكن يشترط أن يكون هذا الحنث على جهة الاختيار، أن يفعله مختارا، ذاكرا، أن يفعله مختارا، ذاكرا. فلو نسي، لو قال: «والله لا ألبس هذا الثوب اليوم»، ثم نسي، أخذ هذا الثوب يظنه ثوبا آخر فلبسه، فتبين أنه الثوب الذي حلف أنه لا يلبسه، هل يحنث؟ الجواب: لا، لأنه فعل ذلك على جهة النسيان. والله عز وجل يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. إذن لا يحنث. أو وقع منه الحنث على جهة الإكراه، قال: «والله لا أدخل بيت فلان»، جاء اثنان حملاه وأدخلاه البيت بالقوة، هل يحنث؟ الجواب: لا، لأن هذا حصل منه من غير اختيار، وإنما مقرعا. إذن لابد من توفر هذه الثلاثة الشروط حتى يلزم الإنسان بالكفارة: أن تنعقد يمينه. وشرط الثاني: أن يكون مختارا غير مكرها. وشرط الثالث: أن يحنث في يمينه. قال: الاستثناء في اليمين، من حلف فقال في يمينه: «إن شاء الله»، فلا حنث عليه، ولا كفارة إذا نقض يمينه. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث». والحديث رواه الترمذي وأحمد من حديث ابن عمر، وصححه الألباني رحمه الله. من حلف فقال: «إن شاء الله»، لم يحنث، يعني لو خالف هذه اليمين ولم يفي بها، لم يقع في الحنث إذا استثناء. لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان إن شاء الله»، ثم دخل، ما عليه شيء، لأنه استثناء. والله لا أكلم فلان إن شاء الله، فكلمه، ليس عليه شيء. ولهذا إذا حلف الإنسان، إذا مثلا غضب فحلف، فليستثن، فليستثن حتى لا يوقع نفسه في الحرج. فإذا استثنى وقال: «إن شاء الله»، فليس عليه شيء. وجمهور أهل العلم على أن هذا الاستثناء لابد أن يكون متصلا، سواء كان حقيقة أو حكما. حقيقة: «والله لا أكلم فلان إن شاء الله»، هذا متصل حقيقة. أو حكما، إذا كان هناك فاصل عرض له عارض، ففصل بين اليمين وبين الاستثناء، فيكون له حكم الاتصال. لو قال: «والله لا أكلم فلان»، ثم عطس، ثم قال: «إن شاء الله»، فهذا متصل حكما. أو قال: «والله لا أكلم فلان»، ثم قال له صاحبه: إن فلان رجل طيب ورجل خير، لو تكلمه خير، قال: «إن شاء الله»، يصح الاستثناء. طيب هذا هو القول الصحيح. بعض أهل العلم قال: يصح الاستثناء ولو بعد أربعة شهور، ولو بعد أربعة شهور. وهذا قول سعيد بن جبير رحمه الله. وبعضهم قال: له الاستثناء ما دام في المجلس، ما دام في المجلس الذي حلف فيه، فله أن يستثني قبل أن يقوم. وهذا قول الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين. يعني لو قال: «والله ما أكلم فلان»، ثم جاء سيتكلم ويتحدث مع أصحابه، قبل أن يقوم، قال: «ما أكلم فلان إن شاء الله»، قال: يصح الاستثناء. وذكر عن ابن عباس أنه قال: يصح الاستثناء أبدا، من غير حد، متى ما استثنى صح استثناء. الصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، أنه يصح الاستثناء إذا كان متصلا. وهل يشترط أن ينوي الاستثناء؟ الجواب: لا، ما يشترط أن ينوي الاستثناء. ولو لم ينو، فحلف وبدا له أن يستثني، فاستثنى، صح الاستثناء. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين، حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن سليمان بن داود قال: «والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن إنسانا يجاهد في سبيل الله». قال عليه الصلاة والسلام: «فطاف بهن فلم تلد منهن إلا واحدة، نصف إنسان». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان ذلك دركا لحاجته». يعني لو أنه استثنى، مع أنه ما نوى الاستثناء، بدا أنه ما استثنى، لكن لو استثنى لم يقع في الحنث، ولا صح استثناءه. طيب نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.