كتاب الأيمان والنذور 3

الدرس في كتاب الأيمان والنذور 3، ألقاها

أحكام اليمين والحنث

يناقش أحكام نقض اليمين والحنث فيها، حيث يبين أن الأصل هو الوفاء باليمين، ولكن قد يباح نقضها لمصلحة أو لضرورة. يصنف نقض اليمين إلى واجب أو حرام أو مباح بحسب المحلوف عليه.

مشروعية النذر وحكمه

يتناول مشروعية النذر وأحكامه، حيث يبين أن النذر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، لكن ابتداء النذر مكروه لحديث ابن عمر رضي الله عنه. يوضح آراء العلماء في كراهة أو استحباب النذر.

أقسام النذر وشروطه

يناقش شروط وأقسام النذر، حيث يبين أن النذر لا يصح إلا من شخص بالغ عاقل مختار، وينقسم إلى صحيح وغير صحيح. يوضح أحكام النذر إذا كان طاعة أو معصية.

تقسيم النذر إلى معصية ومطلق ومقيد

يشرح أنواع النذر المختلفة، حيث يبدأ بتوضيح نذر المعصية الذي لا يجوز الوفاء به، ثم ينتقل إلى النذر المطلق والمقيد وأحكام كل منهما.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله-: نقض اليمين والحنث فيها، قال: الأصل أن يفي الحالف باليمين، يعني إذا حلف على فعل شيء أو على ترك شيء أن يفي بيمينه، فلا يفعل هذا الشيء، ويترك الشيء الذي حلف على تركه، ولا يقع في الحنث، يعني مخالفة ما حلف عليه، لكن قد ينقضه لمصلحة أو لضرورة، وقد شرع له كفارة ذلك كما سبق. ويمكن تقسيم نقض اليمين والحنث فيها بحسب المحلوف عليه على النحو التالي: أولا: أن يكون نقض اليمين واجبا، وذلك إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف أن لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم، كأن يحلف ليشربن خمرا، فهنا يجب عليه نقض يمينه، وتلزمه الكفارة؛ لأنه حلف على معصية. هنا نقض اليمين يكون واجبا إذا حلف على ترك واجب، قال: «والله ما أصلي هذا اليوم في المسجد»، الصلاة في المسجد في جماعة واجبة، فهنا يلزمه يجب عليه أن ينقض هذه اليمين، يكفر كفارة يمين، ويذهب إلى المسجد؛ لأنه حلف على ترك واجب. أو قال: «والله لا أقوم ببر والدي في هذا اليوم»، هذا واجب، حلف على ترك واجب، فيجب عليه نقض هذه اليمين، أو إذا حلف على فعل محرم، قال: «والله لأشربن خمرا»، شرب الخمر حرام، وهو لأن يحلف على أنه يشرب خمرا، وجب عليه نقض هذه اليمين بأن يكفر كفارة يمين، ولا يفعل هذا المحرم، أو «والله لأشربن دخانا» أو نحو ذلك من أمور المحرمة. ثانيا: أن يكون نقض اليمين حراما، أن يكون نقض اليمين حراما كما لو حلف على فعل واجب أو ترك محرم، وجب عليه الوفاء، ويحرم عليه نقض اليمين؛ لأن حلفه في هذه الحالة تأكيد لما كلف الله به عباده. لو حلف على فعل واجب، قال: «والله لأصلي أن اليوم في المسجد»، هنا لا يجوز له نقض هذه اليمين، نقضها الآن محرم؛ لأن صلاته في المسجد واجبة، فهو الآن يؤكد هذا الواجب بهذه اليمين، فيجب عليه الوفاء بهذه اليمين، ويحرم عليه نقضها. وهكذا أيضا إذا حلف على ترك محرم، «والله ما أشرب الخمر»، «والله لا أزني»، «والله لا أسمع الغناء»، هنا يجب عليه الوفاء بهذه اليمين، ويحرم عليه نقضها؛ لأن هذه اليمين تأكيد لترك هذا المحرم الذي نهى عنه الشرع، فلا يجوز له نقض هذه اليمين. ثالثا: أن يكون نقض اليمين مباحا، وذلك إذا حلف على فعل مباح أو تركه، إذا قال: «والله لأمشين حافيا»، هذا مباح، فهنا مخير، إن شاء نقض هذا اليمين، وإن شاء لم ينقضها، أو «والله لأمشين الليلة أو اليوم ولا أركب»، الركوب مباح، أو نحو ذلك من المباحات، فحينئذ يكون نقض اليمين مباحا، يباح له نقضه، ولا يجب عليه، ولا يحرم. قال: مسألة الرابعة، صور لبعض الأيمان الجائزة والممنوعة، قال: إن اليمين الجائزة هي التي يحلف فيها باسم الله أو بصفة من صفاته، كأن يقول: «والله» أو «وجه الله» أو «وعظمته وكبرياه»، يعني أن يحلف بالله، أو بغيرها من أسماء الله، أو يحلف بصفة من صفات الله، «وعزة الله»، «وقدرة الله»، «وعظمة الله»، «وكبرياء الله». وكان من حلف النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده»، «والذي نفسي بيده»، فالحلف بالله جل وعلا أو بصفة من صفاته هذا جائز. قال: لحديث من عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، والحديث في الصحيحين. ولحديث من عمر، قال: «كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم: لا ومقلب القلوب»، وهو في البخاري. الآن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع عمر رضي الله عنه يحلف بأبيه نهى عن ذلك، وقال: «من كان حالفا فليحلف بالله»، يعني بذات الله جل وعلا أو اسم من أسمائه، اسم من أسماء الله، «والله»، «والرحمن»، «والعزيز»، «والحكيم»، «والجبار» إلى آخر ذلك من أسماء الله سبحانه وتعالى، إما أن تحلف بالله، وإما أن تسكت، ولا تحلف. وحديث من عمر: «كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم: لا ومقلب القلوب»، هذه صفة من صفات الله، حلف بصفة من صفات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء»، فهو يقول: «لا ومقلب القلوب»، فهذا يدعى جواز الحلف بصفة من صفات الله. قال: وكذلك لو قال: «أقسم بالله لأفعلن كذا»، فهو يمين، إن وها لقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، فقوله: «أقسم بالله» هذه حكما اليمين، وقوله: «إن وها» لأنها ليست حلف بالله صريحا مثل «والله» و«بالله» و«تالله»، وإنما يأتي بلفظ القسم، وإن كانت هي ظاهرة في اليمين. قال: «أقسم بالله لأفعلن كذا»، فهل لا بد فيها من نية أو يكفي اللفظ في حصول هذه اليمين؟ الظاهر -وال، أنه بمجرد اللفظ؛ لأن لفظها ظاهر في اليمين، «أقسم بالله» هذا حلف بالله، «أقسم بالله» بالله جل وعلا، فيكون حكما اليمين، وتنعقد بها اليمين. قالوا: من الأيمان الممنوعة: الحلف بغير الله تعالى، كقوله: «وحياتك»، «والأمانة»، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، الحلف بغير الله جل وعلا محرم، كالحلف بالحياة، تقول لشخص: «وحياتك»، أو الحلف بالأمانة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بالأمانة فليس منا»، أو الحلف بالنعمة، أو الحلف بالشرف، أو الحلف برأس الأم، أي حلف بغير الله جل وعلا أو صفة من صفاته، فهو محرم، بل هو من الشرك بالله جل وعلا، من الشرك بالله الحلف بغير الله. كما في حديث من عمر في الرواية الصحيحة، قال: «وقال فيه قولا عظيما»، «قال فيه قولا عظيما»، ومن حلف بغير الله معظما للمحلوف به، فهذا شرك أكبر، هذا شرك أكبر. إذا حلف بغير الله معظماً للمحلوف كتعظيمه لله أو أشد، فهذا من الشرك الأكبر، كمن يحلف بالعيدروس أو بالجيلاني أو بفلان وفلان ممن يسمونهم بالأولياء، يحلف به معظماً له، ربما يهون عليه الحلف بالله، لكن لا يتجرأ أن يحلف بهذا الولي وهو كاذب، ربما يكذب في حليفه بالله، لكن لا يكذب في حليفه بالولي. وهذا كان كثيرا، ربما ما زال عند بعض من عنده لوثة صوفية ولوثة قبورية، ربما إذا قيل: «أحلف بالله»، يحلف ولا يبالي، لكن لو قيل: «أحلف بالعيدروس»، يتلكى ويخاف ويعظم الحلف به، هذا يدعى على ماذا؟ على تعظيمه لهذا المخلوق، أشهد من تعظيمه لله سبحانه وتعالى. وإن حلف بغير الله من غير تعظيم، فهذا شرك أصغر، إن حلف بغير الله من غير تعظيم، فهذا شرك أصغر. قال: ثانيا: الحلف بأنه يهودي أو نصراني أو أنه بريء من الله أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فعل كذا، فعله، لحديث بريدة عن أبيه رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما»، الحديث رواه أبو داود والنسائي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. هذا الحلف كذلك محرم، من حلف بأنه يهودي أو نصراني، يقول: «أنا يهودي أو نصراني»، أو «بريء من الإسلام» إن فعلت كذا وكذا، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام»، قال: «فإن كان كاذبا» -يعني فيما حلف به- وفيما ادعاه أنه بريء من الإسلام- «فهو كما قال»، «وإن كان صادقا» -يعني أنه بريء من الإسلام- «فلن يرجع إلى الإسلام سالما»، يعني سيقع فيما يقدح إسلامه. ومن حلف من مثل هذا الحلف: أنه يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام إن فعل كذا وكذا، اختلف أهل العلم في حكم هذه اليمين، وجمهور العلماء على أنه من قال: «إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام»، أنها لا تنعقد يمينه، لا تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله من هذه اليمين، ولا كفارة عليه، ويستحب له أن يقول: «لا إله إلا الله»، واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من حلف بالله والعزة فليقول: لا إله إلا الله»، قالوا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم من حلف بهذه الآلهة -بالله والعزة- أن يقول: «لا إله إلا الله»، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الحالف بالكفارة، إنما أمره بالتوبة والنطق بشهادة التوحيد. وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الكفارة، ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الكفارة، وهذا قول بعض الصحابة وبعض التابعين، كما نقل الإمام الترمذي رحمه الله، لكن نقل عن أكثر أهل العلم أنه أتى عظيما، ولا كفارة عليه، أنه أتى عظيما، ولا كفارة عليه، هكذا يقول الإمام الترمذي رحمه الله. وهذا الظاهر -والله أعلم- لهذا الحديث: «من حلف بالله والعزة فليقول: لا إله إلا الله»، فهو فعل شيئا محرما، فيجب عليه أن يتوب، ويستغفر، ويقول: «لا إله إلا الله» حتى تكون كفارة لما قاله وتلفظ به. قال: ثالثا: الحلف بالآباء والطواغيت أو الطاغوت، لحديث عبد الرحمن بن السمرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم»، والحديث في مسلم. الحلف بالآباء كذلك محرم، لا يجوز الحلف بالآباء، ولا بالأمهات، ولا بالأجداد، ولا بالقبيلة، كل هذا من الحلف بغير الله، لا يجوز، أو الحلف بالطواغيت، يعني بالآلهة، والطواغيت الذين يعظمونهم، كذلك لا يجوز الحلف بهم. ومن فعل ذلك، فعليه أن يستغفر الله، وأن يقول: «لا إله إلا الله». قال الملف: الباب الثاني: النذور، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف النذر ومشروعيته وحكمه، قال: أولا: تعريف النذر، النذر لغة: الإيجاب، تقول: «نذرت كذا» إذا أوجبته على نفسك. وشرعا: إلزام مكلف مختار نفسه شيئا لله تعالى، فأخذ المعنى الشرعي من المعنى اللغوي؛ لما كان النذر في اللغة بمعنى الإلزام والإيجاب على النفس، كان النذر في الشرع إلزام مكلف مختار نفسه بشيء لله تعالى. ومعنى ذلك: أن الشرع لم يلزمه به، لكن هو ألزم نفسه بهذا الشيء. وهذا الباب -باب النذر- كما قال الإمام الخطابي رحمه الله: من أبواب الغريبة؛ لأن سيأتي معنى أن عقد النذر مكروه، ومن أهل العلم يذهب إلى التحريم، والوفاء به واجب، إذا كان نذر طاعة. ابتداء النذر وعقده يكره، والوفاء يكون واجبا، قال: مشروعية النذر وحكمه، قال: النذر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، كما سيأتي ذكره من الأدلة على ذلك. وأما حكم النذر ابتداء، فإنه مكروه، غير مستحب، لحديث ابن عمر رضي الله عنه: ما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من الشحيح»، يعني من البخيل. وقوله: «إنه لا يرد شيئا»، يعني لا يرد شيء من القدر، ومما يقضيه الله سبحانه وتعالى، «وإنما يستخرج به من الشحيح» الذي لا يريد أن يفعل طاعة وعبادة إلا بحصول شيء، بحصول شيء من منفعة، فيجعل في مقابل ذلك فعل الطاعة. قال: «ولأن النذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل الشرع، فيحرج نفسه، ويثقلها بذلك»، أو «يثقلها بذلك». ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بلا نذر، يعني يفعله مطلقا من غير أن ينذر، حتى يفعل الطاعة بالنذر، بل ينبغي أن يفعل الطاعة من غير النذر. فكما ذكر -رحمه الله-: عقد النذر مكروه، هذا قول جمهور أهل العلم، جمهور أهل العلم على كراهة عقد النذر، الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب ذهب إلى الاستحباب، ذهب إلى استحباب النذر. وذكر الإمام القرطبي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم كلاما نافعا في التفصيل في حكم النذر، نقله الحافظ بن حجر رحمه الله في الفتح، قال -رحمه الله-: «يحمل ما ورد من الأحاديث في النهي على نذر المجازاة»، كقوله: «إن شفى الله مريضي فعلي صدقة»، يعني النذر المعلق بشرط، «إن شفى الله مريضي فعلي صدقة»، «إن جاء فلان من السفر سالما فعلي أن أذبح شاة»، «إن نجحت مثلا في دراستي فعلي أن أصلي لله كذا وكذا ركعة». قال: «يحمل النذر المنهي عنه على هذا النذر -نذر المجازاة-»، قال: «ووجهه أنه لما وقف فعل القربة المذكور على حصول الغرض المذكور، ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله، بل سلك فيها مسلك المعاوضة»، يعني جعل هذه العبادة عوضا عن حصول ذلك الأمر، فكأنه يقول: «إن لم يحصل هذا فلن أفعل العبادة»، «إن لم يشف مريضي فلن أتصدق»، «وإن لم أنجح في دراستي فلن أصلي»، فجعل العبادة التي نذر بها عوضا، عوضا على حصول ذلك المطلوب. قال: «ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه»، وهذه حالة البخيل، قال: «وقد ينظم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض»، يعني أنه إذا نذر سيتحقق له هذا الأمر. قال: «أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر»، يعني يعتقد أنه إذا نذر فإن الله سبحانه وتعالى سيشفي له مريضه، أنه إذا نذر سيشفي الله له مريضه، وإن لم ينذر فإنه قد لا يشفي مريضه. قال: «أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر»، وإليه الإشارة في الحديث بقوله: «فإنه لا يرد شيئا»، قال: «والحالة الأولى تقارب الكفر، والثاني خطأ صريح»، قال الحافظ معلقا على كلامه: «بل تقرب من الكفر»، ثم نقل القرطبي عن العلماء حملة النهي الوارد في الخبر على الكراهة. قال: «والذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك»، قال الحافظ: «وهو تفصيل حسن»، يعني أن الكراهة في حق من لم يعتقد هذا الاعتقاد، أي أنه إن لم ينذر لم يشفي الله مريضه، أو لم يحقق الله له مراده، أو أنه إن فعل ذلك فسوف يحصل له المطلوب النذر. فإن نذر أو عقد النذر، وليس هذا في اعتقاده، فهذا مكروه، وإن كان هذا في معتقده، فهذا هو المحرم، فإن عقد النذر في هذه الحالة محرم، إذا اعتقد أنه لن يحصل له هذا المطلوب إلا بالنذر، أو أن النذر إذا نذر سبب لتحقق هذا الأمر، فهذا قد يصل إلى حد التحريم. وعلى كل، فإذا نذر وكان النذر طاعة، وجب الوفاء به، كما سيأتي، لكن أصل النذر ابتداء وعقده يكره. قال: إلا أنه إذا نذر فعل طاعة، وجب عليه الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، وتعليق علم الله سبحانه وتعالى على نذر الناذر يدل على أنه عبادة، على أنه عبادة وطاعة. وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، وهذا مدح من الله جل وعلا، وثناء على عباده المؤمنين الذين يوفون بنذورهم، فالمدح هنا على الوفاء بالنذر، أنهم إذا نذروا وألزموا أنفسهم وفوا بهذا النذر. قال: ولحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه»، فهذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من نذر نذر طاعة، فعليه الوفاء بهذا النذر، «فليطعه»، يعني فليفعل ما نذر؛ لأنه طاعة لله سبحانه وتعالى. فدل ذلك على أن الوفاء بالنذر إذا كان طاعة فإنه عبادة، وأمر مطلوب تحصيله، قال: فقد مدح الله عز وجل الموفين بالنذر، وأثنى عليهم، وأمر صلى الله عليه وسلم بالوفاء به، فدل ذلك على أن النهي المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو للكراهة لا للتحريم. وأن المنهي عنه والمكروه هو ابتداء النذر والدخول فيه، وأما الوفاء به وإنجازه لمن لزمه فواجب وطاعة لله سبحانه، لكن كما ذكرنا على التفصيل السابق، فقد يصل لحد التحريم إذا كان في عقيدة النذر هذا المعتقد الفاسد من أنه لا يفعل النذر أو الطاعة إلا بمقابل بحصول المطلوب الذي يريد، فهذا لا شك أنه سوء أدب مع الله جل وعلا. كأنه يقول: «والله لا أصلي، لا أصلي حتى تفعل كذا أو حتى يحصل كذا»، «إن لم يحصل لا أصلي»، أو «لا أتصدق»، لا شك أن هذا سوء أدب مع الله جل وعلا، لو قيل في التحريم في مثل هذه الحالة، فإنه لا يبعد القول بالتحريم. قال: والنذر نوع من أنواع العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله، ويكون النذر المكروه النذر المطلق، «لله علي أن أصلي أو أتصدق أو أصوم»، فيكون هذا مكروه، والمعلق قد يكون مكروها وقد يكون محرما. قال: والنذر نوع من أنواع العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لقبر أو ولي ونحوه، فقد أشرك بالله تعالى شركا أكبر -والعياذ بالله-؛ لأن النذر عبادة كما في الآيات السابقة، فإذا كان عبادة، فلا يجوز صرفه لغير الله؛ لأن العبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله جل وعلا. ومن صرفها لغير الله، فقد وقع في الشرك، قال: المسألة الثانية: شروط النذر والفاضه، قال: أولا: شروط النذر، لا يصح النذر إلا من شخص بالغ عاقل مختار، فلا يصح النذر من الصبي، ولا من المجنون، والمعتوه، ولا من المكره، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، الحديث، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ»، الحديث قد تقدم مرارا، معنى ذلك: أن الصبي الذي هو دون البلوغ، والمجنون الذي لا عقل له، والمكره الذي لا اختيار له في الفعل، غير مكلف، لا يؤخذ بما يحصل منه. «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ»، وفي الحديث الآخر: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والإكراه والنسيان»، والله عز وجل يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ويقول عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فعلى هذه الأدلة إذا نذر الصبي، فإنه لا يصح نذره؛ لأنه غير مكلف، ولا يعقد هذا النذر، ويلزمه، وهكذا المجنون لو نذر، كذلك لا يصح نذره، وهكذا المكره لو أكره إنسان، هدد، وقيل له: «انذر بكذا وكذا»، مثلا عنده قطيع من الغنم، فهدد تحت تهديد السلاح، فقيل له: «انذر أن تذبح عشرين رأسا» مثلا، فنذر مكره، هل يلزمه الوفاء بهذا النذر؟ الجواب: لا، ما يلزمه؛ لأنه نذر مكره، ليس على سبيل الاختيار. قال: ثانيا: ألفاظ النذر، صيغ النذر وألفاظه: أن يقول: «لله علي أن أفعل كذا»، أو «علي نذر كذا»، ونحو ذلك من الألفاظ التي يصرح فيها بذكر النذر، ولو لم يصرح بذكر النذر، لكن في اللفظ ما يدل على معنى النذر، إنه كذلك يكون في حكم النذر. لو قال: «الله علي عهد أن نفعل كذا وكذا»، فهو يكون في معنى النذر، فيكون بذلك قد نذر، فينعقد هذا النذر. قال: المسألة الثالثة: أقسام النذر، أولا: النذر الصحيح وغير الصحيح، قال: ينقسم النذر باعتبار صحته وعدم صحته إلى صحيح وغير صحيح، أو جائز وممنوع، أو منعقد وغير منعقد، فيكون النذر صحيحا منعقدا واجب الوفاء إذا كان طاعة وقربة يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى. إذا كان النذر طاعة وقربة، فهو نذر صحيح، «لله علي أن أصلي»، «لله علي أن أصوم»، «لله علي أن أتصدق بكذا وكذا»، «لله علي أن أذبح شاة فلانية» إلى آخر ذلك. قال: ويكون غير صحيح، ولا منعقد، واجب الوفاء إذا كان معصية لله تعالى، كالنذر للقبور والأولياء أو الأنبياء، أو نذر نذر أن يقتل أو أن يشرب الخمر، ونحو ذلك من المعاصي، فإن هذا النذر لا ينعقد، ويحرم الوفاء به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نذر في معصية الله». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه»، فإذا نذر نذر معصية، كالنذر للقبور، إذا قال: «الله علي أن أتصدق بكذا وكذا من المال القبر الفلاني أو المشهد الفلاني»، هذا نذر معصية، لا ينعقد، ولا يجب الوفاء به. أو النذر للأولياء أو الأنبياء، هذا كله أيضا لا يجوز؛ لأنه النذر طاعة، فلا يجوز صرفه لغير الله، ولو كان الأنبياء، فضلا عمن دونهم من الأولياء أو الصالحين. أو نذر أن يقتل، قال: «لله علي أن أقتل فلانا»، هذا نذر معصية، ما يقول: «أنا نذرت، لابد أفي بالنذر، أقتع رأس فلان»، قل: «هذا نذر معصية، لا ينعقد هذا النذر»، لا ينعقد هذا النذر. أو نذر أن يشرب الخمر، «لله علي أن أشرب الخمر»، هنا أيضا نذر معصية، لا يجوز الوفاء به. قال: ثانيا: النذر المطلق والمقيد، قال: وهو الذي يلتزمه الشخص ابتداء دون تعليقه على شرط، وقد يقع شكرا لله على النعمة أو لغير سبب، كأن يقول الشخص: «لله علي أن يصلي كذا أو أصوم كذا»، فيجب الوفاء به، هذا يسمى النذر المطلق الذي لا يعلق على حصول شيء. قد يقع شكرا لله على النعمة، يعني مثلا رزق هذا الإنسان بمولود، فقال: «لله علي أن أتصدق بكذا وكذا»، هذا نذر مطلق، وإن كان هو نذر شكرا لهذه النعمة. أو لغير سبب، ليس هناك سبب، فأراد أن يتقرب إلى الله جل وعلا، ويرى أن عنده شيء من الخمول والكسل في باب الصلاة، فيلزم نفسه بالنذر، يقول: «لله علي أن أصلي لله في هذا اليوم عشرين ركعة غير الفريضة» مثلا، هذا نذر مطلق، ليس له سبب، يعني من حصول نعمة أو دفع نقمة، وإنما أراد إلزام نفسه لفعل هذه العبادة. النوع الثاني: النذر المقيد، وهو ما كان معلقا على شرط وحصول شيء، كأن يقول: «إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي فعلي كذا»، وهذا يلزم الوفاء به عند تحقق شرطه وحصول مطلوبه. هذا النذر المقيد، وهو نذر المجازاة، «إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا وكذا»، «إن جاء فلان من السفر سالما فلله علي أن أصلي كذا وكذا» إلى آخر ذلك، هذا النذر المقيد، وهو الذي تشتد فيه الكراهة. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على