التعليق على كتاب القواعد المثلى 18

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب فهم نصوص الصفات على ظاهرها

يؤكد الشيخ العثيمين على وجوب فهم نصوص الصفات في القرآن والسنة على ظاهرها دون تحريف، مستدلاً بآيات قرآنية تشير إلى وضوح القرآن. يشير إلى أن تحريف نصوص الصفات يؤدي إلى التشبيه والتأويل الباطل.

التحريف في تفسير الصفات وآثاره

يناقش مفهوم التحريف في تفسير الصفات الإلهية، ويستدل على أن صرف اللفظ عن ظاهره يحتاج إلى قرينة. يتناول أمثلة من القرآن ويبين أن تأويل الصفات دون دليل يعتبر تحكمًا ويؤدي إلى تناقضات.

الرد على تحريف معنى اليد الإلهية وتفسيرها

يناقش معنى اليد الإلهية في القرآن ويرد على محاولات تحريف معنى الآية الكريمة "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"، ويشرح تفسير الآية بإثبات وجود يدين حقيقيتين لله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الشيخ العثيمين رحمه الله: القاعدة الثانية أي من قواعد أدلة أسماء الصفات، قال: القاعدة الثانية: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها. ودليل ذلك: السمع والعقل. قال: أما السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، على وجه الشاهد قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فنزل هذا القرآن بلسان العرب، ليس فيه إشكال. قال: وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، قال: وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي، إلا أن يمنع منه دليل شرعي يمنع من أخذ هذا الظاهر الذي دلت عليه اللغة. قال: وقدم الله اليهود على تحريفهم، وبيّن أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال: ﴿فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أنهم فهموا هذا الكلام، لكن يحرفونه لأجل مصالح في أنفسهم، أو أشياء في أنفسهم. وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. وهنا قوله جل وعلا: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، أي: واضح بيّن، ليس فيه خفاء. فلهذا فالواجب هو إجراء هذه الصفات على ظاهرها، ولا يجوز أن تحرف. وهذا الأصل - الأصل - أن آيات الصفات، وآيات الأسماء معنى: تجري على ظاهرها، لا يقال: إن غيرها، أو أن مرادها، أو يقال: إن ظاهرها غير مراد، مثل ما تقول الأشاعرة والمتزلة: «إن ظاهرها غير مراد»، هذه كلمة خطأ. وما معنى «ظاهرها غير مراد»؟ معنى ذلك: أنهم يعتقدون أن ظاهرها التشبيه، فلهذا يقولون: «ظاهرها غير مراد». لكن يقال: «إن ظاهرها ليس تشبيه»، ليس ظاهر هذه الصفات، أو هذه الآيات تشبيه أبدا، بل الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلهذا فظاهرها مراد، ليس غير مراد. ولهذا هم يخالفون الشافعي في هذا، الشافعي يقول: «آمنا بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله»، على مراد الله، أنا أعلم ما ذكره الله، هذا الظاهر عندنا: أنه ما نأتي بمراد آخر، نقول: «الظاهر غير مراد»، لا، هذا باطل. فلهذا الأشاعرة حرفوا، قالوا: «استوى» بمعنى «استولى»، «استوى» قالوا بمعنى «استولى»، هذا التحريف، حتى كما قال إمام بن القيم: «إن لام الأشاعرة كلام اليهود»، الله عز وجل قال لليهود: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، «اللهم أحط عنا»، وقولوا: «حطة»، فقالوا: «حنطة»، بدلوا، وزادوا النون. ولا شاعر زادوا اللام، فقالوا: «استولى»، قالوا: لأن لو قلنا «استوى» فإن هذا فيه الاستواء، إنما يكون للمخلوقين، فيكون الله عز وجل يشبه المخلوقين، هذا كلام باطل؛ لأن الاستواء: استواء يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فلهذا أهل السنة معهم الظاهر، وهذا دليل بذاته، الظاهر دليل بذاته. وأما التحريف فهو ليس دليلا، وإنما يرجع إلى: أو يرجع إلى صرف اللفظ عن ظاهره، وعن معناه الذي يعرفه، إذا دلت قرينة على ذلك، إذا دلت قرينة على صرف اللفظ ممكن. لكن إذا لم تكن هناك قرينة تدل على صرف اللفظ، فهنا يبقى على الظاهر. مثلا الآن قول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، بل يداه ممسوطتان، فهنا لفظ اليدين: هل المراد به يدين حقيقيتين ثابتتين لله عز وجل، كصفات له سبحانه وتعالى، تليق بجلاله وعظمته؟ وصفات الله عز وجل قائمة بذاته، ليس كصفات المخلوقين، يفتقر بعضها إلى بعض. فلهذا هذه الآية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ما ظاهرها؟ ظاهرها: أن الله عز وجل أثبت له سبحانه وتعالى يدين، نحن نقول: تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. هؤلاء قالوا: لا، هؤلاء المبتدعة قالوا: لا؛ لأن اليدين تأتي في اللغة بمعاني، تأتي في اللغة بمعاني غير اليد الظاهرة، فلهذا نحن نحملها على غير اليد. قالوا: لأن اليد هي صفة في المخلوق، صفة في المخلوق. طيب من أين لكم أن الصفة إذا كانت في المخلوق ما تكون في الخالق؟ هذا تحكم. ولهذا كان بعض المعتزلة، أو بعض أبسط أهل السنة: حج بعض الجهمية والفلاسفة، فقالوا: أنتم لا تثبتون أسماء الله عز وجل وصفاته. طيب هل تثبتون صفة الوجود لله؟ هل هناك صفة تسمى صفة الوجود لله؟ لو قالوا: لا، معنى ذلك: أنهم لا يؤمنون بالله عز وجل، بل يعتقدون أنه غير موجود. فالجهمية قالوا: لا، قالوا: هذه الصفة حادثة، هذا الوجود صفة حادثة. طيب أنتم تعبدون من؟ معنى ذلك: رب غير موجود. وهذا مصداق قول شيخ الإسلام: «أن الجهمية يعبدون عدما». وأما الفلاسفة: فمعنى مذهبهم أردى من الجهمية، لكنهم لم يستطيعوا أن يقولوا: إنه - أننا ننفي الوجود - ما استطاعوا، قالوا: «لا موجود ولا معدوم»، أنا ما نقول: إنه موجود، ولا نقول: إنه معدوم، نقول: «لا موجود ولا معدوم»، جمعوا بين النقيضين. أنا: هل هناك شيء يقال له: «لا معدوم ولا موجود»؟ هذا بعيد جدا. ومثل الله عز وجل كما قال شيخ الإسلام: بالجمادات، يقولون: «الجمادات موجودة، لكنها لا حياة لها، فهي عدم»، وجودها عدم. فمثلوا الله عز وجل بالجمادات، فهم أرادوا أن يفروا من شيء وقعوا فيه ما هو أردى منه، أرادوا أن يفروا أن يشبهوا الله عز وجل بالمخلوق، ببني آدم، وبالإنسان، وشبهه بالجماد. وهذا غاية التناقض، هم أرادوا أن يضربوا مثلا - يعني أن يقولوا: إن هناك أشياء موجودة في الواقع، لكنها لا وجود لها أصلا - وذكروا الجماد، معناه: أن الله عز وجل مثل الجماد، تعالى الله عز وجل عن قولهم. فلهذا فهؤلاء أثبتوا لله عز وجل مثل هذه الصفات، فمثلا كما قلنا: صفة اليدين: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، قالوا: إن هذا الظاهر غير مراد؛ لأنه يقتضي التشبيه. طيب ما المراد الآن؟ صفة اليد، أو لفظ اليد في لغة العرب يطلق على خمسة وعشرين معنى، يطلق على خمسة وعشرين معنى. طيب ما المعنى في هذه الآية الآن؟ أنتم الآن قلتم: «الظاهر غير مراد»، طيب ما القرينة التي تصرف هذا الظاهر؟ ما القرينة التي تصرف هذا الظاهر؟ وإذا صرفت هذا الظاهر تصرفه إلى ماذا؟ فلابد من دليل يكون يصرف هذا الظاهر، لابد أن يكون هناك دليل يصرف هذا الظاهر، أو قرينة تدل على أن الظاهر غير مراد. مثل ما قلنا في قول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، فإن الأيد هو القوة، وليس المراد به الصفة. لكن هنا قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، بل إن الله عز وجل في هذه الآية رد على اليهود، اليهود قالوا: «يد الله مغلولة»، أنه ذكروا يدا واحدة، وأيضا مغلولة، قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. والعرب تقول: إن المخاطب إذا جاء بالتثنية في الخطاب فهو يريد الحقيقة. أنا لو كان مثلا أراد شيئا من المعاني الأخرى، لما جاء بالتثنية، وأقرّ اليهود على أنهم قالوا: «يد واحدة»، أقرّ اليهود على قولهم أنها يد واحدة، لكن الله عز وجل لم يقرّ اليهود. ولو كان المعنى شيئا آخر، لما فرق بين الواحدة والاثنتين، والثلاث، والمجموعة. لكن قال الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. ولهذا كما قلنا: العرب تقول: إنه لا يأتي المخاطب بالتثنية إلا إذا أراد الحقيقة إذا أراد الحقيقة. ولهذا احتاروا كيف يفسرون هذه الآية، فمنهم من قال: «نعمتاه»، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، قالوا: «بل نعمتاه»، طيب هل لله عز وجل نعمتين فقط حتى يقال: «نعمتاه»؟ هذا بعيد. قالوا: «قدرتاه»، معناه: هل لله عز وجل قدرتين؟ هذا لم يأت في النصوص. فكلما جاءوا بشيء تناقضوا فيه، ما عندهم قرينة يستدلون بها على المعنى الصحيح الذي أرادوه. طيب إذا قلنا: إذا صرفنا المعنى مثلا، قلنا: «نعمتاه»، من أين لكم النعمتاه؟ أن الله عز وجل لما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، أراد: «بل نعمتاه»، فهذا التخرص، وتقول على الله عز وجل بغير علم. أين القرينة التي تدل على أن المعنى هنا النعمة؟ بعيد جدا. الله عز وجل يرد على اليهود، يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فكيف يقال: إنه «نعمتاه»؟ هل له نعمتين فقط؟ فهذا بعيد جدا. وبعضهم يقول: «المراد به الرحمة»، الرحمة، حد يقول كذا: «رحمتان»، فتناقضوا في هذا الباب. وأيضا هنا النبي - ذكر المؤلف رحمه الله - أن هذا التحريف هو من شأن اليهود، التحريف، تحريف الكلمة عن موضعها من شأن اليهود، وهذه الأمة وقعت فيه. وهذا أيضا مستنبط من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة». قال: وأما العقل: فذكر هنا الكلام في السمع، قال: وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء، وتفرقت الأمة. أنا هذا الدليل العقلي على أن الأصل فهم الكلام على ظاهره. فإذا قال الله عز وجل كما قلنا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فنقول: إن الأصل هو الظاهر، فنثبت لله عز وجل يدين حقيقيتين مبسوطتين. فنظره، فنظره، فنظره.