التعليق على كتاب القواعد المثلى 20

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية السياق في فهم النصوص الدينية

يشرح أهمية السياق في فهم معاني الكلمات والتراكيب اللغوية في القرآن، ويبين أن المعاني تتغير حسب السياق. يشير إلى أن فهم السياق يمنع الفهم الخاطئ للنصوص ويغلق باب المجاز الذي استخدمه أهل البدع في تفسير الصفات الإلهية.

فهم الظاهر من النصوص الدينية بشكل صحيح

يناقش أهمية فهم النصوص الدينية بشكل صحيح، ويبرز أن الظاهر من النصوص يجب أن يُفهم على ما يليق بالله عز وجل دون تشبيه بالمخلوقات. يشير إلى أن السلف الصالح أبقوا دلالة الصفات على ما هو معروف من لغة العرب.

انتقاد منهج الأشاعرة وتأويل الصفات الإلهية

يناقش ضعف منهج الأشاعرة في تأويل صفات الله، ويبين عدم وجود تأويل للصفات الإلهية عند السلف الصالح. يشير إلى أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم من طريقة الخلف في التعامل مع النصوص الشرعية.

بيان بطلان آراء المخالفين للسلف الصالح

يشرح أن آراء المخالفين للسلف باطلة إما بسبب الجهل بالحق أو كتمه، ويبين أن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. يشير إلى أن هذه المسألة سبق ذكرها في الدرس السابق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، آله وصحبه، ومن والاه، ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الرابعة: ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام. فالكلمة الواحدة لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر. وتركيب الكلام يفيده معنى على وجه، ومعنى آخر على وجه آخر. فلفظ "القرية" مثلا يراد به القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا﴾، ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾. معنى "مهلكوها" أي مهلكوا أهلها. وفي الآية الثانية: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾، معنى "مهلكوها" أي مهلكوا مساكنهم مع القوم. الآن المؤلف يريد مسألة مهمة في هذه القاعدة، ويريد أن يثبت رحمه الله أن لغة العرب لها أساليب، وكذلك القرآن، القرآن أيضا فيه أساليب من أساليب اللغة استخدمها أو جاءت في القرآن. ولا يعني ذلك أن القرآن فيه مجاز، وليس المقصود أن القرآن فيه مجاز، بل أراد المؤلف رحمه الله يبين أنه لا مجاز في القرآن، بل كله حقيقة. وإنما يفهم الكلام بالسياق، يفهم الكلام بالسياق. الآن مثلا كلمة "أمة"، كلمة "أمة" جاءت في القرآن بعدة معاني، وهذه من الألفاظ المشتركة. معنى اللفظ واحد، لكن معانيه تختلف، ليس تختلف معنى الكلمة نفسه، وإنما لأجل السياق. السياق يدل على معنى الكلمة. مثلا قول الله عز وجل: ﴿وادكر بعد أمة﴾، "أمة" هنا جاءت بمعنى الزمن. وقوله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا في قرية من رسول إلا قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون﴾، "أمة" هنا جاءت بمعنى الملة. وكذلك أيضا جاءت بمعنى الطائفة، وجاءت أيضا بمعاني أخرى. هذه الآن الكلمة واحدة، لكن في كل سياق تجد أن معناها آخر. في كل سياق تجد أن معناها آخر غير السياق الذي سيقت له. جاءت بمعنى الطائفة، وجاءت بمعنى الزمن، وجاءت بمعنى الملة، وجاءت بمعاني أخرى. لكن كيف عرفنا؟ عرفنا بالسياق. ليس هناك ما يدل أن هذا مثلا يراد به كذا. عرفنا هذا بسياق الآيات. وهذا يدل على أنه ليس هناك شيء يسمى مجاز، وإنما سياق الكلام وسباقه، سياق الكلام وسباقه ولحاقه هو الذي يعرف به المعنى. فلهذا أراد رحمه الله تعالى أن يبين هنا أن لغة العرب لها أساليب كثيرة، قد تأتي الكلمة ويراد بها شيء، وقد تأتي في معنى آخر ويراد بها شيء آخر. وليس هذا من المجاز كما يذكره بعض من يرى المجاز، بل هذه أساليب استخدمها القرآن، وكذلك كان العرب يستخدمونها. وفيه أيضا حجة الله عز وجل على خلقه، وأن هذا القرآن جاء بحجة قوية، وإسلوب عربي مبين. أسلوب العربي مبين يعرف بسياق كلام، وهذا حجة على حجة، وآية للنبي عليه الصلاة والسلام. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وأرسل الله أو بعث الله عز وجل معه ما آمن عليه أو ما آمن على مثله البشر، وإن الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي». عن النبي يقول: «أن الأنبياء عندهم معجزات، كل نبي آتى له بمعجزة تكون الناس يقتنعون بها». قال: «والذي أتيتهم عن المعجزة العاية الكبرى التي أتيها النبي صلى الله عليه وسلم أي القرآن، وحيا أوحاه الله عز وجل إلي». فهذا الباب كثير من علماء السلف أرادوا أن يغلقوا هذا الباب، باب المجاز، لأن أهل البدع دخلوا من هذا الباب أن يقولون أن ألفاظ الصفات ليس لها حقيقة، وحقيقتها غير مرادة، ومعناها غير مراد، وإنما هذا مجاز. فلهذا أراد العلماء أن يغلقوا هذا الباب، وأنه أصلا ليس هناك شيء يسمى مجاز في اللغة. وأما كما قلنا مجاز اللغة الذي ألفه أبو عبيدة معمر المثنى، إنما أراد به مجاز اللغة، أي ما تجوز به اللغة، وليس المراد به صرف اللفظ عن ظاهره لمعنى آخر، وإنما هو ما تجوز به اللغة أو ما تجوزت به اللغة. فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله. فهنا ذكر المؤلف لفظ "القرية"، فقد يراد بالقرية المباني، مثل ما جاء في سورة يوسف: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾، وقد يراد به القوم، مثل ما ذكر هنا: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا﴾، وقد يراد أيضا المساكن والقوم. فلهذا لما قال: ﴿إلا نحن مهلكوها﴾، وقال أيضا: ﴿أو معذبوها﴾، هل هو يعذب الله عز وجل البناء والأحجار؟ لا، يعذب هؤلاء المجرمين، يعذب هؤلاء المجرمين الذين ظلموا وكفروا. فقال: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا﴾، مثل ما قال أيضا، قال إخوة يوسف: ﴿وأسأل القرية التي كنا فيها﴾، هل مراد أن يسأل الحجارة؟ لا، المراد أهل القرية. فلهذا فالسياق يعرف، أو فالمعنى يعرف بالسياق، يعرف بالسياق. فالمقصود من قوله جل وعلا: ﴿وإن من قرية﴾، أي وإن من قوم يسكنون قرية إلا نحن مهلكوهم قبل يوم القيامة أو معذبوهم عذابا شديدا، أي لأنهم لم يؤمنوا بالله وبرسله. ومن الثاني قوله: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾، هنا ذكر "أهل هذه القرية". "مهلكوا أهل هذه القرية"، أنا مبيدين هذه القرية من أصلها. هذا قاله الملائكة لما جاءوا إلى إبراهيم: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾، أنا كلها القرية نبيدها مع مبانيها. لهذا رفعت هذه القرى كما قال الله عز وجل: ﴿فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجل منضود﴾. معناه أغلق عليها، معناه رفعها. وما جاء في بعض الآثار: "رفعها جبريل حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم أطبقها في الأرض". ثم أيضا أطبق الله عز وجل عليهم الحجارة، معناه امتسحت من الأرض هذه القرى. فلهذا فقول الله عز وجل: ﴿إن مهلكوا أهل هذه القرية﴾، أي مبانيها ومساكنها. لأنه لو كان المراد القوم، معناه لذكر الله عز وجل أنه فقال "أهلي قومه". هذه القرية سيكون السياق غير صحيح. فذكر "الأهل" ويريد بهم المباني التي في هذه القرية، والمساكن التي يسكنونها. ولا شك أنه إذا خربت المساكن أيضا هلك الناس. والله عز وجل لم يقتل قوم لوط، وإنما خرب عليهم مبانيهم. فجاء فوقهم. فخلاصة الأمر أن الذي يحدد سياق الكلام هو يحدد الكلام ومعنى الكلام. سياقه قالوا: "تقول صنعت هذا بيدي، فلا تكون ليدك اليد في قول تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾، لأن اليد في المثال ضيفة إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية ضيفة إلى الخالق فتكون لائقة به". فلا أحد سليم الفطرة، صريح العقل، يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس. وهذا لا شك فيه. ولهذا لا يتوهم التشبيه في صفات الله أبدا، ليس له مدخل. وإنما له مدخل في عقول المنحرفة من أهل البدع. وأما في العقول السليمة لا مدخل له. كيف يشبه المخلوق بالخالق؟ بل والله عز وجل قد بين هذا فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾. أنا مع بيان الله عز وجل، ومع وجود العقل أيضا، أنه العقل يحكم بأنه المخلوق ليس كالخالق. المخلوقات فيما بينها تتباين في الصفات، فكيف يكون المخلوق كالخالق؟ فهذا بعيد. فلهذا ذكر المؤلف هنا صفة اليد. إذا قال: "صنعت هذا بيدي"، فهل معنى مثل قول عز وجل: ﴿لما خلقت بيدي﴾؟ لا، بعيد جدا. هذه صفة المخلوق، وهذه صفة الخالق جل وعلا. فقال المؤلف رحمه الله: "فلا أحد سليم الفطرة، أنا يفهم لغة العرب، وصريح العقل، ليس مجنون، يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس". قال: "ونقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك". فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى، مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به. أنا هذا تطابق في الكلمات، وفي عدد الكلمات، لكن بينهم اختلاف واضح في المعنى، وفي الدلالة. فإذا قلنا: "ما عندك إلا زيد"، أي لا يوجد أحد غيره، ليس هناك أحد غير زيد. وإذا قلنا: "ما زيد إلا عندك"، أي ليس في مكان آخر موجود عندك، لكن لا يمنع من وجود غيره. مثلا تقول مثلا: "ما خالد إلا في المسجد"، فهذا لا يدل على أنه موجود أحد غير خالد في المسجد، هناك موجود، لكن هم موجودون في المسجد. لكن العبارة الأخرى: "ما زيد أو ما خالد إلا عندك أو زيد إلا عندك أو ما عندك إلا زيد"، معناه ما في حد غيره. فاختلفت، مع أن الكلمات متطابقة، لكن لما قلبت المعنى اختلف. وهذا يدل على أن هذا التغيير في المبنى يدل على أيضا تغيير في المعنى. التغيير في المبنى يدل على التغيير في المعنى. والآن إيش هدف الشيخ من هذا؟ يريد أن يدلل أن اللغة لها أساليب مختلفة في تغيير الكلام، في اختلاف الكلام. ليس أن هناك أسلوب واحد حتى يقال: "لا هذا لا يصح، وهذا لا يليق بالله، وهذا كذا". فأيضا كذلك إذا قيل مثلا: "إن يد الله فوق أيديهم"، هذه "يد" وهذه "يد". فهل معنى نقول: وهل يخطر على بال الإنسان أن يد الله مثل أيدي المخلوقين؟ هذا بعيد جدا، ولا يقتضيه السياق أصلا حتى يقال أنه يوهم التشبيه. هؤلاء متجرعون أهل البدع، تجروا على كتاب الله، فيقولون أن هذا يوهم التشبيه. هل الله عز وجل تعبدنا بالقرآن فيه تشبيه؟ أو أنه فيه هام للتشبيه؟ فهل معنى الله عز وجل يريد أن يلبس علينا؟ حاشا ربنا سبحانه وتعالى. لكن هؤلاء قل تفهم اللغة، فحملوا هذا على التشبيه. قالوا: "هذا يفيد التشبيه، وما دام أنه يفيد التشبيه فيستحيل هذا التشبيه". فنقول: "أن المراد أو المعنى غير مراد". ولهذا تجروا فقالوا: "من أخذ بظاهر نصوص الصفات كفر". طيب إلا إيش نفعل؟ نأخذ مثلكم نؤول. أنا هذا كلام غريب جدا. الأخذ بالظاهر كفر، والأخذ بغير الظاهر ليس بكفر. انظر إلى عقول هؤلاء. أردت بهم إلى مثل هذا الهراء والكلام الباطل. قال رحمه الله: "إذا تقرر هذا، فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني". أنا هذا ظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني. وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقا يليق بالله، وأبقوا دلالتها على ذلك على ما هو معروف من لغة العرب. وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. والذين لا يصدق لقب "أهل السنة والجماعة" إلا عليهم. هؤلاء هم السلف، وهم أهل السنة الذين أبقوا هذه النصوص على ما يليق بالله جل وعلا. وأما من أدخل غيرهم ممن نهج على غير منهجهم، هذا مخطئ. الذي اشتهر عند الناس أن "أهل السنة" ثلاث طوائف: الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث. هكذا يقولون: "أهل السنة ثلاث طوائف". هذا المتعدب من الأشاعرة والماتريدية، المتعدب منهم، وبعض أيضا حتى من من ينتسب إلى السنة وعلى قيد السنة. يقول معناه على المعنى العام أن "أهل السنة" مقابل "الشيعة". إذا كان هذا المعنى ممكن يتجاوز عنه. إذا كان مقابل الشيعة، لكن أن نعتقد أن هؤلاء على طريقة السنة، هذا بعيد جدا. ليسوا هم على طريقة السنة. لكن بعضهم عمّا بالأمر يقول: "أهل السنة" هؤلاء الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث. قلنا: "هذا المتعدب". وإلا كثير من الأشاعرة يقولون: "أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية، والحشوية يريدون به الحنابلة وأهل الحديث". فالمهم هذا كلام ادعاء، وإلا أهل السنة الذين نهجوا السنة وعرفوا وعظموا الله عز وجل بأسماء وصفاته، وعرفوا أيضا تعظيم كتاب الله عز وجل، ما حرفوا من عند أنفسهم. فهذا القسم الأول من جعل الظاهر المتبادر منها معنى حقا يليق بالله عز وجل. نقول: "يد" "يد" تليق بالله سبحانه وتعالى، لكن لا نكيف هذه اليد. نقول: "كيت وكيت". لأن هؤلاء لما نظروا إلى المخلوق قالوا: "اليد هي كذا وكذا، وهي جزء من الإنسان، وهي جزء أيضا يحتاج بعضه إلى بعض". هذا في الإنسان. أنتو الآن تصفون مخلوقا، والله عز وجل "ليس كمثله شيء". قالوا: "قد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبدالبر". فقال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز". إلا أنهم لا يكيفون شيء من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. بل قد ذكر الإجماع أيضا من هو أكبر من ابن عبدالبر. ذكر هذا الإجماع الإمام الطبري. سواء كان في صحيح السنة أو في بعض كتبه. وذكر هذا الإجماع أيضا الإمام أبو عمر الطلمنكي، وهو شيخ ابن عبدالبر. أبو عمر الطلمنكي. وقد ذكر الإمام بن القيم جماعة. ذكر الإمام بن القيم جماعة في الكافية الشافية. ذكر جماعة ممن ذكروا إجماع السلف على إثبات الصفات. قال القاضي أبو يعلى في كتاب "بطال التاويل": "أبو يعلى هذا الفراء الحنبلي". هناك أبو يعلى صاحب كتاب "المسند"، "مسند بيعلى" هذا كوفي. أحمد بن علي بن متنة. لكن هذا متأخر، وهذا الذي يسمونه "القاضي"، "قاضي الحنابلة" أبو يعلى ابن الفراء. قال: "لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها". لكن على ما روي عن الإمام أحمد، وسائر الأئمة. وإن كان أبو يعلى في "بطال التاويل" وقع في شيء من الخطأ، وهو التفويض. قال: "نقل ذلك عن ابن عبدالبر والقاضي شيخ الإسلام". في المدفة والحموية. والشيخ الإسلام نقل نصوص كثيرة عن الأئمة، سواء كان في الإجماع أو في التقرير، تقرير هذا المذهب، تقرير مذهب السلف في إثبات الصفات لله عز وجل، وأنها صفات لا تشبه صفات المخلوقين. قالوا: "هذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم". وذلك لوجهين. الأول: أنه تطبيق التام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيه، ما من أسماء الله وصفاته. كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وانصاف. لأن تطبيق لما دل عليه الكتاب والسنة. الثاني: وهذا ما أراد ذكره المؤلف رحمه الله، أن هذا من أساليب العرب، فلا ينبغي أن يقابل مجاز في القرآن، وأن هذا الصفات مجاز، وأن معناها غير مراد. كل هذا ليس صحيح. الثاني: أن يقال: "لنحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيره". وغيره باطل. وهذا الذي يتبجح به الأشعري، فيقولون: "أن طريقة السلف أسلم". إن تريد "أسلم"، طريقة السلف "أسلم" لك، لكن إن تريد الطريقة الأعلم والأحكم والأسلم أيضا هي طريقة الخلف. طريقتهم أنا سبحان الله، معناه خالفوا النصوص لأجل الأهواء، فضلوا طريقتهم على طريقة السلف. مع أن الله عز وجل يقول: ﴿ما يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾. المؤمنون هم السلف. والثاني باطل، لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، تكلموا بالباطل تصريحا أو ظاهرا. ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحا ولا ظاهرا بالحق الذي يجب اعتقاده. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ولو كان خيرا ما تقدمه أحد﴾. قال الحافظ: "لو كان خيرا لسبقون إليه". لأنه لو كان هناك هذا خير في تأويل الصفات وتحريفها، لكان السلف هم أولى الناس بذلك، لأنهم أعرف بدين الله من غيرهم. وأيضا قد يقال مثلا: "أن المقتضى موجود". مثلا أنهم ممكن أنهم يبينون معانيها، سواء كان هناك أهل بدع أو غيره، بخلاف العكس. معنى أن العلماء ما تكلموا لأجل إيش مثلا أولوا هذه الصفات، بل أثبتوها كما جاءت. أثبتوها كما جاءت. فلو كان هناك شيء آخر غير هذا الحق، لبينوه، ولا ذكروه لأجل أن لا يسكتوا على الباطل. لأن المتبادر إلى الذهن هو إيش؟ هو الباطل. الصفات هذا المتبادر للذهن. فلو كان هذا باطل، لما سكتوا عليه. فسكوتهم الآن هذا ليس أسلم على ظاهر مذهب الأشعري أو الماتريدية. أن هذا ليس أسلم. لماذا؟ لأن سكوتهم هو سكوت على باطل. أنا عندهم الآن يعتبر باطل هذا، لأنه يوهم التشبيه. فلهذا فسكوت السلف على مثل هذا، فسكوت على باطل. فلهذا يدلك على أن قول هؤلاء باطل. معنى لو كان مثلا هذا حق، وهو التأويل. معنى هل يتوقع من السلف أنه ما في أحد منهم تكلم ولو مرة واحدة، يقول: "هذا ظاهره ليس كذا، وإنما معناه كذا". يأتي بمعاني مثل معانيهم التي يذكرونها. مثلا "الاستواء" يقول: "لا معناه استولى". مثل هذه المعاني التي يأتون بها. ولهذا الشيخ الإسلام كما قلنا تحداهم، أعطاهم ثلاثة أيام، علماء أشعري جميعا، أعطاهم ثلاثة أيام أنهم يبحثون، يأتون برجل واحد من السلف، تأول آية من كتاب الله، من القرون الثلاثة، آية معناها صريحة في صفات الله، جاء رجل من السلف وتأولها. ما سيجدون أبدا. قال رحمه الله: "وهذا يستلزم أن يكون إما جاهلين بالحق، وإما عالمين به لكن كتموا". عالمين أن هذا الحق، لكن كتموا الحق. وكلاهما باطل. ولهذا جاء من عظيم ومن حسن كلام السلف ما ذكره عبدالعزيز الكناني في "الحيدة". لما قال: "قال له الأمير جعفر البشر وناظره". وقال له: "يا بشر، هذا الذي تدعو إليه وتتكلم به، أحمد بن أبي دؤاد، هذا الذي تدعو إليه، هل كان السلف يعلمونه؟ قال: نعم يعلمونه". قال: "إذا كانوا يعلمونه، فلما لم يتكلموا فيه وسكتوا عنه؟ إذا كان قد سكتوا عنه، ألا يسعك ما وسعهم؟ ألا يسعك ما وسعهم؟ قال: بلى". ثم قال: "لا". فقال عبدالعزيز الكناني: "لا وسع الله على من لم يسعه". كلام ما وسع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. لا وسع الله على من لم يسعه فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. قال: "فكان الواثق يردد هذه الكلمة: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه". ما دام وسعهم السكوت، لماذا أنت تتكلم؟ فليسعك ما وسعهم. فلهذا فهم في موقف ضعيف في كل الأحوال. ولهذا تجد المناظرات غالبا يهزمون فيها، وخاصة إذا كان من رجل طوي في الحجة. لما محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يأتون الجهمية كلهم، ابن أبي دؤاد والمرئيس وغيرهم، يناظرون لما محمد وهو يقول لهم: "هاتوا لي آية، هاتوا لي حديث، هاتوا لي حجة تدل على أن هذا القرآن مخلوق". هاتوا شيء. والآن أرجع. فإذا عجزوا، جاء لهم بالآيات التي تدل على أن القرآن كلام الله. الله عز وجل قال لهم: ﴿فرق بين الخلق والأمر ألا له الخلق والأمر﴾. ولما ذكر القرآن قالوا: "وكذلك وحينا إليك روحا من أمرنا". ليس من قولنا، ليس من خلقنا، وإنما قال: "من أمرنا". فهو من الأمر، وليس من الخلق. وحاجهم بمثل هذه الحجج العظيمة، لكن لم يستطيعوا أن يأتوا بشيء، إلا فقط أشياء عقلية، وفشلوا فيها أيضا. ولهذا لم يستطيعوا بالحجة أن يغلبوا الإمام أحمد. ولهذا لما رأى الواثق حجة الإمام أحمد، كأنه ضعف في قوله. معنى ضعف، كان يعذب ويقتل، لكن لما رأى ضعف حجة هؤلاء، كأنه سكت قليلا وهدأ. معنى الفتنة هدأت قبل أن يموت الواثق. ثم في الآخر ابتلاه الله عز وجل بالفالج وكذا، وبالمرض، وترك مثل هذه الأشياء، وتندم. ورآه المتوكل يتندم على ما فعل. ومثل هذه القصة ذكرها الألكاء وغيره، يتندم على ما فعل، وأنه أجبر الناس على هذا القول. ولهذا المتوكل اعتبر بهذا الفعل الذي فعله الواثق. فلما مسك الحكم ترك هذه المسألة جانبا، بل أنه قرب أهل سنة، وأبعد هؤلاء الجهمية. وطال هذا. وهذا يستلزم. ولما ناظر شيخ الإسلام بعض الأشاعرة عنده محمود بن سبكتكين، ومحمود يعتبر من الأشاعرة، هو الذي نصر مذهبهم. لكن لما ناظر بعضهم عنده، ناظر شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، فأثبت شيخ الإسلام أن هؤلاء يعبدون عدما. يعبدون عدما. حتى قال في آخر المناظرة محمود بن سبكتكين: "أن هؤلاء أضاعوا ربهم". أنا قال: "هؤلاء ضيعوا ربهم". فأنا ما عرفوا حتى أين ربهم. فتجد أن هؤلاء فشلوا في إقناع الناس، لكن يقنعونهم بالتهويل. يقنعونهم بالتهويل. كيف نقول: "أن الله له يد". هذا هذا لا يجوز، هذا مستحيل. هذا كيف نشبه الله؟ مثل هذا الكلام ما يقنعون الناس إلا بمثل هذا الكلام. حتى أن بعض ممن ضعف في السنة تردد واستجاب لهم في مثل هذه الأمور. فهذا الذي ضعف علمه، وإلا فحجتهم واهية. وكما قال بعض السلف: "ما ذكر الخطاب عن بعض السلف أنه كان يقول: حجج تهافت كالزجاج، وكل كاسر مكسور". أن هذه الحجج وهذه الأشياء التي يتم بها تتهافت مثل الزجاج، تكسر بسرعة. أوها من خيوط العنكبوت كما يقول. قال: "وهذا استجم أن يكون إما جاهلين بالحق، وإما عالمين به لكن كتموه". وكلاهما باطل. وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. فتعين أن يكون الحق فيما قال هو السلف دون غيره. ومسألة اللازم هذا قد ذكرناها من قبل. وهي يريد الشيخ أن يبين أن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. إذا بطل اللازم بطل الملزوم. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا. بسم الله الرحمن الرحيم. نعقد الدرس الثاني إن شاء الله.