الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح قاعدة فهم نصوص الصفات الإلهية ومعرفة معانيها وكيفيتها، واستدلال ذلك بالكتاب والسنة والعقل. بين الشيخ العثيمين رحمه الله أن معاني الصفات معلومة لكن كيفيتها مجهولة.
ناقش المقطع مذهب التفويض وبين بطلانه من خلال القرآن والسنة والعقل، وكشف عن اتفاق أصحاب هذا المذهب مع الأشاعرة في إنكار المعنى الظاهر للصفات. استدل بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
يلخص المقطع ما تم ذكره في القاعدة السابقة ويؤكد أن الله تعالى أعلم بالحقيقة المطلقة. يشير إلى أن ما تم سرده هو الخلاصة النهائية لفهم نصوص الصفات الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الشيخ العتيمين رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة، ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة. وقد دل على ذلك السمع والعقل، كما قلنا. سمع المراد به الكتاب والسنة، فهذه القاعدة هو ظاهر النصوص معلوم لنا باعتبار المعنى، ومجهول لدينا باعتبار الحقيقة والكيفية. أنا مثل ما قال لما مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول. وجاء في لفظ الاستواء: غير مجهول، والكيف غير معقول. فقوله: الاستواء معلوم، أي معناه معلوم وواضح. فالاستواء جاء في لغة العرب بمعنى العلو والارتفاع، وجاء كذلك بمعنى الصعود والاستقرار، فمعناه واضح في الآيات معلوم. فهي معلومة لنا باعتبار المعنى، ومجهولة لدينا باعتبار الحقيقة، لكن لا نعرف حقيقتها لأننا لم نراه. ولهذا لو قال إنسان مثلا: تعرف حيوان العيق؟ مثلا العيق هذا حيوان، أو مثلا النص أيضا حيوان يشبه الأرنب. قال له: النص أو العيق أو غيرها من هذه الحيوانات الغريبة التي غالبا تعيش في الغابات. فتجد مثلا لو قيل للإنسان: هل تعرف العيق؟ فيقول: مثل ماذا؟ فيقال له: مثلا فيه يدين، وفيه رجلين، وفيه أيضا وجه، وكذا، وصدر. لكن الآن إذا قيل له: فيه يدين، وفيه رجلين، وفيه صدر، وفيه رأس. هل معنى ذلك سيتخيل ويعرف حقيقة هذا الحيوان بهذا الوصف؟ ما سيعرف حقيقة هذا الحيوان بهذا الوصف. يدين ما يدري مثل أيش اليدين، مثل أيش الرجلين، مثل أيش الصدر، كيف هذا الرأس؟ هل هو يشبه؟ لكن لو قال مثلا: إنه يشبه الأرنب، لكن أرجله مثلا طوال وهكذا، فهذا جاء بشيء يشبهه، فعرف حقيقة هذا الشيء. لكن إذا لم يره، لم يذكر شيء يشبهه، وإنما وصفه فقط. وهنا نعرف المعنى، لكن لا نعرف الحقيقة. الحقيقة لا ندري ما هي، كيف هذا الشكل؟ فلهذا ولله عز وجل مثل الأعلى، فباعتبار سبحانه وتعالى صفات أو معنى الصفات فهي معلومة، لكن باعتبار الآخر وهي الكيفية فهي مجهولة لنا أيضا. حتى مثلا الجنة والنار، الملائكة، الجن، الصراط، والحوض، كل المغيبات لا ندري كيف هي أصلا، كيفيتها. الملائكة، نحن لا نعرف الملائكة، لها ذكر الله عز وجل أنها لها أجنحة، أنها تطير بهذه الأجنحة، لكن لا ندري كيف أشكالها. الجن الآن، بعض الناس يتخيل: أه، مثلا صور للجن، وذاك يقول: رأيت الجن، وهذا يقول: رأيت الجن، وكذا. وهذا غالبا أكثره، حتى وإن رأى، سيرى الجن في معنى في شكل متحول، لكن صورها الحقيقية لا نعرفها. صور الجن الحقيقية لا نعرفها. فلهذا فهي من الغيب. فهم كما ذكر في الأحاديث وغيرها: إنهم مثل بني آدم، لهم سمع، لهم بصر، لهم كذا، أشياء كثيرة هي مثل بني آدم. ومعنى يسمعون القرآن، فيهم أهل الإسلام، وفيهم أهل الكفر، لكن لا نعرف حقيقة هؤلاء لأننا لم نراه. قال: أما سمع، فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أيش وجه الشاهد في هذه الآيات؟ تعقلون، أولو الألباب، عنه أن القرآن هذا أنزل بلغة العرب، لم ينزل بلغة غيره. وأيضا جعله الله عز وجل تبيانا لكل شيء، وبينا وفصله. فالقول بأن آيات الصفات لا تعرف معناها، فمعنى ذلك أن جزءا كبيرا من القرآن لا يعرف. جزءا كبيرا من القرآن لا يعرف. أنا الآن نفوض، يقولون: يد، نقول: يد. يقولون: نقول: يد، لكن أيش اليد هذا ما ندري؟ أيش اليد؟ يقولون: استواء، يؤمنون بالاستواء، لكن أيش هذا الاستواء ما ندري؟ أيش الاستواء هذا؟ أنا ما يذكر المعاني التي ذكرها ربنا جل أو ذكرت في اللغة، لا يقولون: نحن ما ندري، هذا لعله شيء آخر. ولهذا لشاعره هو قول من أقوال لشاعره، لماذا؟ لأنهم يتفقون مع لشاعره في أن ظاهر الصفات يفيد التشبيه. هم يقولون أن ظاهر الصفات يفيد التشبيه، فلهذا نحن ما نشبه، ما نقول هذا معناه كذا. قالوا: إذا قلنا معناه كذا، معناه شبهنا. لكن نقول مثلا: صفة اليدين، لكننا ندري أيش هذا اليدين؟ إيش؟ لعلها معناه شيء آخر. فهم يتفقون كما قلنا مع الأشاعرة الذين يحرفون الصفات، يتفقون معهم في أيش؟ في أن ظاهر الصفات غير مراد. وهذا باطل. فلهذا فسمع، فالقرآن بيّن أنه أنزله الله عز وجل قرآنا عربيا. فإذا كان لا يعرف معناه، كيف يعقله الناس؟ كيف يعرفه للألباب؟ كيف يتفكر فيه الناس؟ وهو أشياء مجهولة، هذا كلام باطل. قال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه، يتذكر الإنسان بما فهمه. فإذا كان يقرأ شيئا لا يفهمه، كيف سيتدبر؟ قال: وكون القرآن عربيا ليعقله من يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم. وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية وغيرها. وبيان النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه، ليس فقط بيان الألفاظ، بل بيان اللفظ والمعنى معا. قال: وأما العقل، فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابا أو يتكلم رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام يقصد بهذا الكتاب، ويقصد بهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى. أنا صفات الله عز وجل هي أشد الأشياء التي تعرف، وأعظم الأشياء. فكيف يكون معناها غير مراد وغير معلوم؟ قال: ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء. لأن ذلك من السفه الذي تعباه حكمة الله. وقد قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. قال: وهذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات. وأما دلالتهم على جهلنا لها باعتبار الكيفية، فقد سبقت في القاعدة السالفة من قواعد الصفات. وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف. وقد اغتر به كثير من الخلف، وكثير من الفقهاء اغتروا بهذا المذهب، وظنوه مذهب السلف. حتى كان بعضهم يناضل عليه، كابن عقيل وابن الجوزي وغيره، يظنون أن هذا مذهب السلف. قال: ومن ثم قرر الأشاعرة أن هذا مذهب السلف، لكن قالوا: مذهب السلف أسلم. لكن مذهب السلف الخلف أعلم وأحكم وأسلم. أنهم يقرون أن هذا مذهب السلف التفويض. أن المتفقون لا شاعرة كلهم على أن مذهب السلف التفويض. لكن منهم من وقف عند مذهب السلف، أخذ مذهب السلف على التفويض. ومنهم من أول، ومنهم من أول هذه الصفات على قولهم عن أول، وإنما هي التحريف، فحرف هذه الصفات. وقال: أن هذا أو لا، لأن هذا المذهب هو أعلم وأحكم وأسلم. وأما المذهب السلف أسلم فقط، وليس أعلم ولا أحكم. ولهذا قال قائلهم: وكل نص أوهم التشبيه، أوله أو فوضه، ورم تنزيها. أنا يقول: كل نص، أي من الكتاب والسنة، أوهم التشبيه، يوهم التشبيه، إيش تفعل فيه؟ أنا يريدون الصفات، إيش تفعل فيه؟ قال: أوله، أنا أتأوله، لا تأخذه على ظاهره. أو فوضه، فوض معناه كيفية، ورم تنزيها، واجعل هذا تنزيها. وهذا باطل. قال: والسلف بريئون من هذا المذهب. وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالا أحيانا، وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب المعروف بالعقل والنقل، وطبع أيضا باسم درء تعارض العقل والنقل، قال: وأما التفويض، فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه. فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ إلى أن قال: لهذا هؤلاء أهل التفويض، سماهم أهل التجهيل في الحموية. سماهم أهل التجهيل، لأنهم يجهلون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأمة، يقولون أنهم يقرؤون أشياء لا يعرفون معانيها. قال: وحينئذ فيكون ما وصف الله عز وجل به نفسه في القرآن، أو كثير ما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه. بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه. قاله: معلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء. ولهذا لو كان التزموا بهذا لكانوا كفارا، لأنهم متأولون، وإلا قولهم هذا نقص في القرآن والأنبياء، وقدح فيهما. قال: إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيان للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله. ومع هذا فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، لا يعلم أحد معناه، فلا يؤقل ولا يتدبر. هذا كلام لا يدخل العقل. كيف يقال أن أعظم الأشياء التي ينبغي أن يعرفها المسلم عن ربه، يقال أن هذا غير مراد، وأنه لا نعرف معاني هذه الأشياء، وأنه لا نفهم معانيها؟ فكيف تتدبر؟ وكيف يعقل الإنسان مثل هذا وهو لا يعرف معناه؟ قالوا: لا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين. قال: هذا التقدير، فيقول كل من حين أنه مبتدع. الحق في نفس الأمر ما علمته برأي وعقلي. وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها. أن كل مبتدع سيدعي هذا. قالوا: ما لا يعلم أحد معناه، لا يجوز أن يستدل به. فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء. وهذا قاله بعض المتفلسفة، قال: الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء. الظهر قالها ابن سبعين، أو ابن الفارض، أنا أحد صوفية الكبار، أو الحلاج، قال: لأننا نحن نعلم ما نقول، ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلا أن يبينوا مرادهم. ولهذا أدخل أدخل هؤلاء شيخ الإسلام في أهل التجهيل. أهل التجهيل ذكرهم شيخ الإسلام على نوعين: الفلاسفة الذين جعلوا طريقتهم أنا الفلاسفة الإسماعيلية، الذين جعلوا طريقتهم أفضل من طريقة الأنبياء، وجهلوا الأنبياء. وكذلك المفوضة الذين أيضا فعلوا هذا. قال: لأننا نحن نعلم ما نقوله، ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلا أن يبينوا مرادهم. فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد التفويض، لأنه تجهيل للأنبياء، وتجهيل أيضا للصحابة وغيرهم. قال: انتهى كلام شيخ الإسلام، وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد. وما علي مزيد. رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم. فخلاصة هذه القاعدة أن المعاني أو أن هناك صفات الله عز وجل بالنسبة لنا باعتبار معناها فهي معلومة لنا، وباعتبار الكيفية فهي مجهولة لنا. فهذا هو خلاصة ما يذكر في هذه القاعدة. والله تعالى أعلم.