التعليق على حلية طالب العلم 17

التعليق على حلية طالب العلم 17

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية التدرج وإتقان الأصول في طلب العلم

يؤكد المقطع على وجوب البدء بإتقان الأصول قبل الفروع مستشهداً بقول ابن تيمية: "من لم يتقن الأصول حرم الوصول"، ويحذر من طلب العلم جملة واحدة كما قال الزهري: "من رام العلم جملة فاته جملة"، مبيناً أن المنهج الصحيح هو التلقي التدريجي مع الليالي والأيام.

ضرورة التلقي عن الشيوخ المتقنين وخطر التحصيل الذاتي

يحذر من محاولة استيعاب العلم دفعة واحدة ويشبه ذلك بابتلاع اللقم دون مضغ، موضحاً أن طلب العلم يكون بالتدرج والأخذ عن شيخ متقن أمين يعلم العلم والسمت والأدب، وأن الاعتماد على التحصيل الذاتي وحده يكثر فيه الخطأ ويضيع الوقت.

الخاتمة والدعاء والترجمة

يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم، وقد انتهينا من الفصل الأول في آداب طالبي العلم. ثم ذكر رحمه الله تعالى الفصل الثاني، قال رحمه الله تعالى: «الفصل الثاني: كيفية الطلب والتلقي». كيفية الطلب والتلقي. وهذا الفصل يا إخوان هو عبارة عن خبرات العلماء، عبارة عن ماذا؟ خبرات العلماء السابقين الذين طلبوا العلم واشتغلوا به، وهكذا عاشوا حياة الطلب، وعرفوا الطريقة الصحيحة لطلب العلم، وما هي المنهجية الصحيحة التي ينبغي أن يسير عليها طالب العلم. فيبدأ بالأصول، ثم يبني بعد ذلكم، ثم يبني بعد ذلكم. قال رحمه الله تعالى: «قال: كيفية الطلب ومراتبه». كيفية الطلب، أي طلب العلم، ومراتبه. قال: «من لم يتقن الأصول حرم الوصول». وهذه يا إخوان عبارات فيها من الحكمة الشيء الكثير، هي تعتبر من الدرر التي ينبغي أن يحفظها طالب العلم، وأن يعتني بها عناية فائقة: «من لم يتقن الأصول حرم الوصول، حرم الوصول». وهذه العبارة جاءت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتمامها: «ومن ترك الدليل ظل السبيل». «من لم يتقن الأصول حرم الوصول، ومن ترك الدليل ظل السبيل، ظل السبيل». وهكذا أيضاً هذه الكلمة نقلت عن الإمام ابن جماعة، كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى في الحاشية إلى كتاب «تذكرة السامع والمتكلم». وهذا يا إخوان من الكتب المفيدة القيمة في باب آداب طالبي العلم، للإمام بدر الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني، الكناني الحموي. قالوا فيه: ابن جماعة هذا، قالوا فيه: شيخ الإسلام وقاضي القضاء في الشام ومصر، كان خطيباً للمسجد الأقصى، كان خطيباً للمسجد الأقصى، وهكذا أيضاً للأزهر وغيره، وتوفي في عام سبعمائة وثلاث وثلاثين من الهجرة. وهذه الكلمة يا إخوان لها دلالات عظيمة جداً، وهي أن طالب العلم ينبغي عليه أن يبدأ بأصول العلوم، أن يبدأ بأصول العلوم. وفي كل علم من العلوم أصول، ينبغي أن يعتني وأن يهتم بها. فإذا درس هذه الأصول، إذا درس هذه الأصول، فما بعدها سيكون تابعاً لها، سيكون تابعاً لها كفرع الشجرة حين أن يتبع أصلها، حين أن يتبع أصلها. قال رحمه الله تعالى: «قال: وَمَنْ وَمَنْ رَامَ وَالْعِلْمَ جُمْلَهُ ذَهَبَ ذَهَبَ وَمَنْهُ جُمْلَهُ جُمْلَهُ». من رام، أي طلب وأراد العلم جملة، يعني دفعة واحدة، فما هي النتيجة؟ النتيجة فاته وذهب عنه جملة، وذهب عنه جملة. وهذه العبارة يا إخوان من كلام من سبق معنا مراراً: «من طلب العلم جملة فاته جملة». نعم، الإمام أبو بكر محمد ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى. وهذه يا إخوان تعتبر قاعدة لطالبي العلم في المنهجية وفي سيره في طلب العلم. والزهري متوفى في عام ألف، أو في عام مئة وأربع وعشرين من الهجرة. وهذه الكلمة قالها الزهري لتلميذ من تلاميذه، قال وهو يونس بن يزيد رحمه الله تعالى، قال له: «يا يونس، العلم أودية، العلم أودية. قال: إن نزلت أو قطعت واديا، أو دخلت واديا قطعت، أو قطعك دون أن تصله. ولكن خذه مع الليالي والأيام. فمن رام العلم جملة فاته جملة، فاته جملة». وقد ذكر هذا الإمام ابن عبد البر وغيره، كما في كتاب «جامع بيان العلم وفضله». وكتاب الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى «جامع بيان العلم وفضله» من الكتب النافعة التي كذلكم أيضاً ينبغي على طالبي العلم أن يحرص عليها وأن يستفيد منها. ويعني الزهري بقوله: «من رام العلم جملة فاته جملة»، أي أن الذي يريد أن يأخذ العلم دفعة واحدة، ادرس هنا وهنا وهنا وهنا، يظن أنه سيجمع أكثر مما جمع غيره، ومشتة العزمات ينفق عمره حيرانا، لا ظفر ولا توفيق. وإنما يا إخوان على مر الأيام والليالي، حديثاً حديثاً وآية آية وباباً باباً، وهكذا. كما قال بعض الأطباء بعبارة فيها حرص الإنسان على عافية جسده: «صغر اللقمة وامضغ جيداً اللقمة، صغرها وامضغ جيداً، هذا فيه عافية بدنك. أما الذي يكبر اللقمة وما يمضغ، لماذا لا يمضغ؟ آه، عند من؟ لماذا لا يمضغ؟ نعم يا باب عبد الله، نعم، يريد الأكل أكثر، يظن أنه سيسبق من يأكل معه، فما هي إلا أيام وإذا به ماذا يشتكي؟ بطنه». وهكذا طالب العلم: هنا وهنا وهنا، إذا سمع درساً فتح التحق به، وآخر التحق به، وآخر التحق به فوق مستواه وفوق طاقته، ما هي النتيجة؟ كصاحب اللقم الكبيرة الذي لا يمضغ، تجده بعدها يمل ويخرج من الدروس من غير ما فائدة، من غير ما فائدة. قال رحمه الله تعالى: «وقيل أيضاً: ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم، مضلة الفهم». الذي يكثر على نفسه فيسمع كثيراً أو يقرأ كثيراً فوق مستواه. ليس معنا هذا يا إخوان تركوا الاجتهاد وتركوا الحرص على طلب العلم، لكن المقصود من هذا التحذير من أن يحمل الإنسان نفسه فوق ما تطيق، والشيء الذي لا يقدر عليه: «إنك إن حملتني ما لم أطق ساءك، ساءك ما لا لقيت مني من خلق. إنك إن حملتني ما لا أطق ساءك ما لا لقيت مني من خلق». فماذا؟ الإنسان بل الإنسان على نفسه بصيرة، على نفسه بصيرة. قال: «وعليه»، أي على ما سبق، «قال: فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن». علق الشيخ العثيمين ها هنا، قال: «لا يكفي ضبط الأصل والمختصر على يد الشيخ، بل أيضاً يحتاج أن يشرحه لك الشيخ». قال: «فلو زاد وشرحه على يد هذا الشيخ لكان أنفع، لكان أنفع». وقوله: «على شيخ متقن»، أيضاً نبه الشيخ العثيمين وغيره أنه يحتاج مع إتقان الشيخ المعلم أيضاً إلى أن يكون أميناً: «إن خير من استأجرت القوي وماذا؟ الأمين». القوي الأمين. وهنا كذلك أيضاً متقن، عالم، أيضاً يكون في نفس الوقت أميناً. قال: «لا بالتحصيل الذات وحده، وآخذا الطلب بالتدرج». يعني هنا يقول: يحتاج أن يأخذ العلم عن شيخ، ولا يعتمد على ذاته، يذهب يقرأ في الكتب ويطلع على الكتب. فهنا يا إخوان لربما لا يستفيد تلكم الفائدة المرجوة. والعبارة المشهورة: «من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه». أذهي، نعم، ليست على إطلاقها لكن فيها حق يا إخوان، فيها حق. طالب العلم إذا اعتمد على نفسه وما قرأ وتعلم على يد غيره، قد يسمع العبارة فلا يفهمها، ويقرأ الجملة فلا يعيها، فلا يعيها. لكن يا إخوان، المدرس والشيخ الذي تتعلم على يديه، كما سبق معنا مراراً وتكراراً، أنك لا تأخذ عنه العلم فقط، وإنما تأخذ عنه السمت، وتأخذ عنه الأدب، وتأخذ عنه الخلق الحسن، وغيرها. وسبق معنا أن الإمام مالك رحمه الله تعالى كانت أمه تعده وتهيئه لمجلس شيخه ربيعة بن عبد الرحمن، الذي يقال له ربيعة الرأي، فكانت تلقن الإمام مالك فتقول له: «اذهب إلى ربيعة، وكان شيخ أهل المدينة ربيعة، قالت: فخذ من أدبه قبل علمه، قبل علمه». قال: «وآخذا الطلب بالتدرج». يتدرج طالب العلم في طريقه في طلب العلم. قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةٍ﴾، لماذا لا ينزل الله عليه القرآن دفع واحدة؟ قال الله تعالى مبيناً الحكمة في ذلك: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، وهذه نزلت في أهل الكتاب. ونختم بهذه الفائدة التي ذكرها العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، مبيناً أهمية التلقي والأخذ عن المشائخ وعن العلماء وعن المعلمين. ذكر رحمه الله تعالى قال: «لا تأخذ»، يعني هنا مفسراً لعبارة المصنف: «لا بالتحصيل الذاتي». قال: «يعني لا تأخذ العلم بالتحصيل الذاتي أن تقرأ الكتب فقط دون أن يكون لك شيخ معتمد أو معتمد». ولهذا قيل: «من كان دليله كتابه كان خطأه أكثر من صوابه». كتب يا إخوان، بعد أن يؤسس الإنسان له قواعد وأصول، ممكن ينطلق بعدها في البحث والمطالعة، يقرأ في المطولات والموسوعات والمجلدات. قال رحمه الله تعالى: «قال: أما من أخذ عن عالم، عن شيخ، قال: فإنه يستفيد فائدتين عظيمتين. الفائدة الأولى: قصر المدة، الذي ستجمعه أنت لوحدك في سنوات، ممكن المدرس يلخصه لك في أيام أو في أشهر، أو في أشهر. الفائدة الثانية: قلة التكلف، يوفر عليك تعب ويوفر عليك جهد. أنت مسألة قد تحتاج أن تبحثها فتجمع المراجع والمصادر والكتب، تبقى ساعات طويلة، وقد تخرج منها وأنت مشتت: قولوا من أصوب ما ذكره ابن قدامة في المغني، أو ما رجحه النووي في المجموع، أو ما ذكره غيرهم في كذا وكذا. لكن الشيخ والمعلم قد يلخص لك المسألة التي تعب هو فيها قبلك ساعات يبحث فيها، فيأتي ويضعها بين يديك صافية صافية خالصة، لربما في دقيقة أو في خمس دقائق، في خمس دقائق. فقلت التكلفة، التكلف». ثم قال: «وفيه فائدة ثالثة، قال: هي أن ذلك أحرى بالصواب، لأن هذا الشيخ عالم متعلم مرجع، فيعطيك الشيء ناضجاً. ما معنى ناضجاً؟ فيعطيك الشيء ناضجاً. نعم يا أبا الفاروق، ناضج، ناضج. تعرف البطاطس، تعرف البطاطس، ما الفرق بينه وبين الشبس؟ أخشى أن يكون المثال يصعب. أين أبو حذيفة الأندونيسي؟ نعم يا أبا حذيفة، ما معنى ناضج؟ أعيد المثال: تعرف البطاطس، بطاطس، طيب، ما الفرق بينه وبين الشبس؟ جاهز، نعم، الشبس جاهز، صالح لماذا للأكل، بينما الأول يحتاج إلى جهد منك». وهكذا يا إخوان يعطيك الشيء ناضجاً، يعني جاهزاً وصالحاً للاستعمال والاستفادة، والاستفادة. فهذا الباب يا إخوان باب مهم جداً: كيفية الطلب والتلقي، وسيأتي معنا أمور لا بد من مراعاتها، من مراعاتها، من مراعاتها في كل فن تطلبه. ذكر مجموعة من هذه الأمور، وذكر كلاما نفيساً في التدرج في العلوم في جميع الفنون، سواء في اللغة، في النحو، في البلاغة، في الفقه، في التوحيد، في العقيدة، في الأصول، المصطلح. فهذا المبحث يعتبر من أنفس المباحث في هذه الحلية. طيب، نكتفي بهذا. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.