التعليق على حلية طالب العلم 16

التعليق على حلية طالب العلم 16

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

التأمل وآدابه في كلام طالب العلم ومذاكرته

يشرح المقطع الخُلق الرابع عشر من حلية طالب العلم وهو التأمل، ويؤكد على وجوب التروي قبل النطق مستشهداً بحديث «فليقل خيراً أو ليصمت» ونصيحة الشافعي. كما يبيّن آداب التأمل في المذاكرة باختيار الألفاظ الجميلة مع التواضع، وفي فهم السؤال بدقة، ويختم بأن التأمل هو الأناة التي يحبها الله ورسوله.

الأناة والثبات في تلقي العلم وعدم العجلة

يؤكد المقطع على ضرورة التحلي بالأناة (التريث والرفق) في فهم المسائل قبل الإجابة، والثبات على طلب العلم بصبر ومثابرة على مر الأيام دون استعجال. كما يشدد على إكمال الدروس عند الشيوخ وعدم التنقل بينها بعجلة، مستشهداً بقول الإمام الزهري: «من طلب العلم جملة فاته جملة».

الصبر الطويل والمثابرة عقوداً لحمل رسالة العلم

يؤكد المقطع أن الثبات والمثابرة في طلب العلم هما مفتاح النضج العلمي والنبوغ، مستشهداً برحلات علماء قضوا عقوداً في التحصيل. ويحذر من الاكتفاء بالسنوات القليلة التي لا تؤهل لحمل رسالة العلم والدعوة، داعياً إلى الصبر على المشاق لتحقيق الغاية العظمى.

خاتمة المجلس بالدعاء والتوفيق

يختتم المتحدث المجلس بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، والصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين. ويقر بأن العلم كله لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم، ومع آداب ينبغي على طالبي العلم أن يتحلى بها. قال رحمه الله تعالى: الرابع عشر: التأمل. قال: التحلي بالتأمل، قال: «فإن من تأمل أدرك»، وقيل: «تأمل تدرك»، وقيل: «تأمل تدرك». قال: وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟ وما هي عائدته؟ وقوله هنا: «فتأمل عند التكلم» يدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وذكر الشافعي رحمه الله تعالى أنه ينبغي على الشخص إذا أراد أن يتكلم أن يتأمل في كلامه، فإن كان خيرا تكلم به، وإن كان ليس كذلك فلا يتكلم به. فإن خفي عليه: هل في كلامه مصلحة أو مفسدة؟ ما هو الأحوط يا إخوان؟ يتكلم أو لا يتكلم؟ يا أبا إبراهيم: لا يتكلم. «فليقل خيرا أو ليصمت». وماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر لما سئل: من نجاه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك، وابكِ على خطيئتك». قال: بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟ وليس هناك شيء يا إخوان أحوج إلى أن يسجن كاللسان، كاللسان. قال: وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق، دون تعنت أو تحذلق. والتحذلق: أي ماذا المقصود به؟ التكلف. وهكذا أيضا التصنع في إظهار المهارة في الحديث والكلام وغير ذلك. قال: وتأمل عند المذاكرة: كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد؟ عند المذاكرة مع زملائك، مع إخوانك، ينبغي أن تتخير من الألفاظ أجمل العبارات، لا تظهر فيها ترفعك عليهم وأنك أعلم منهم، وإنما حاول أن تظهر التواضع والاحترام ومحبة تحصيل الفائدة، تحصيل الفائدة. قال: وتأمل عند سؤال السائل: كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يتحمل وجهين؟ وهكذا. وهذا الأدب يا إخوان اختصار شديد، هو أن يكون الشخص متأنيا، يكون عنده أناة وتريث في الأمور، وعدم العجلة، وعدم العجلة. والأناة من الأخلاق التي يحبها ربنا عز وجل ويحبها النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، الحلم والأناة». والأناة والتأني قالوا: هو التثبت وترك العجلة، وترك العجلة. وذكر الإمام أبو هلال العسكري رحمه الله تعالى قال: قال: الأناة هي المبالغة في الرفق، في الرفق بالأمور والتسبب إليها، والتسبب إليها. وهذا يا إخوان من الآداب والأخلاق التي يحتاج إليها طالب العلم أيما حاجة. تريث، يتأنى، حتى عند السؤال: إذا سئل لا يستعجل في الجواب حتى يعي السؤال أولا، حتى يعي السؤال أولا. ففهم السؤال يعين على الإصابة في الجواب، يعين على الإصابة في الجواب. قال رحمه الله تعالى: الخامس عشر: الثبات والتثبت. قال: تحلّ بالثبات والتثبت، ولا سيما في الملمات والمهمات. ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ. فإن من ثبت نبت، فإن من ثبت نبت. وهنا يا إخوان أمر مهم جدا يرشد إليه رحمه الله تعالى، ألا وهو أن يثبت الشخص على طلب العلم، ولا يستعجل، ولا يستعجل. والعلم يا إخوان: إن أعطيته كلك لم يعطك إلا بعضه، فكيف إذا جعلت للعلم أوقات الفراغ؟ ماذا عساه أن يعطيك؟ ماذا عساه أن يعطيك؟ العلم يا إخوان لا يؤخذ جملة ودفعة واحدة، وإنما كما قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: قال: «من طلب العلم جملة فاته جملة، فاته جملة». ولكن يؤخذ على مر الأيام والليالي، على مر الأيام والليالي. فيحتاج طالب العلم إلى أن يثبت، ما يتنقل من مكان إلى آخر على وجه العجلة والسرعة، على وجه العجلة والسرعة. وهكذا أيضا يصبر، فقد يبتلى، قد يبتلى بأمراض: منذ أن جاء وهو زكام، حمى، صداع، وجع بطن، رواسب. ابتلاء من الله عز وجل، فاصبر على طلب العلم، على طلب العلم. وهكذا يثبت في التلقي، يثبت في التلقي. دخل في درس يوم، يومين، فتح درس آخر، ترك الدرس الأول وانتقل إلى درس آخر، جلس أسبوعا، فتح درس ثالث، ترك الدرس الثاني والتحق بالدرس الثالث. فمشتة العزمات ينفق عمره حيرانا، لا ظفر ولا توفيق، فيخرج لا استفاد من هذا الدرس، ولا استفاد من هذا الدرس. ومن باب الفائدة يا إخوان: البركة في العلم والفائدة في العلم تكمن أكثر ما يكون في إكمال الدرس. لاحظ الدرس الذي تبدأ من أوله إلى آخره، كم هي الفوائد التي تتحصل عليها، بخلاف ما لو دخلت في نصف الدرس، أو درس من أوله وخرجت في نصفه، في ثلثه، في ربعه، إلى غير ذلك. فماذا لا يشعر الطالب بلذة الدرس ولذة العلم؟ قال: وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، على الأشياخ. كانوا في الزمن الأول يجلسون، لربما المجالس الطويلة في طلب العلم وتحصيله، أو في مذاكرة العلم. قد يجلس بعد صلاة العشاء يتذاكر العلم مع زميله، فما يشعرون إلا والمؤذن قد أتى لكي يؤذن لصلاة الفجر. كيف انطوت هذه الساعات مع لذة العلم، مع لذة العلم. وذكر عبارة مهمة يا إخوان ينبغي أن يجعلها طالب العلم نبراسا له بين يديه وأمام عينيه، وأمام عينيه. فماذا قال؟ فقال رحمه الله تعالى: قال: «من ثبت نبت، من ثبت نبت». فكلما استمر الطالب في طلب العلم كلما نبت ونبغ. وهكذا أيضا حصل من العلم الشيء الكثير. بعض الطلاب يأتي سنة فيشتاق إلى بلاده وإلى أهله وأرضه، يقول: سنة، أنا جلست سنة. ماذا عسى هذه السنة أن تكفي؟ ماذا عسى هذه السنة أن تكفي؟ ذكر العلماء رحلة الإمام الطبراني رحمه الله تعالى، رحلة طويلة استمرت ما يزيد على خمسة وعشرين سنة، رحلة في طلب العلم جمع هذه المعاجم وغيرها. وذكر عن غيره أنه خرج في بداية شبابه لطلب العلم، فما رجع إلا وقد بدأ الشيب يهجم على لحيته ورأسه. كم سنين قطعها في طلب العلم؟ السنة قليل، والسنتين قليل، والثلاث قليل. وطالب العلم يعود نفسه الاستمرار: خمس سنوات لا بأس. وأذكر أن زملاءنا في دار الحديث بدماج، رحم الله مؤسسها وأصلح الله حالها وحال أهلها، كانوا من الإخوة الإندونيسيين، وهكذا من الإخوة الأعاجم الآخرين: فرنسيين، بريطانيين، أمريكيين، إلى غيرهم. يجلس أحدهم الخمس سنوات، والست، والسبع، بل بعضهم لربما يجلس إلى العشر سنوات. لكن يا إخوان، انظروا كيف يرجع إلى بلده؟ يرجع آآآ... ماذا؟ طالب علم متمكن، يقيم الله به دعوة في تلك البلاد التي هي أحوج ما تكون إلى العلم وإلى العلماء. يجلس الواحد سنة، سنتين، يرجع مؤذنا في مسجد، آآآ مؤذنا في مسجد، مدرس حلقة، لا بأس هذا خير، لكن الناس تنتظر ما هو أكثر من ذلك، وما هو أكبر من ذلك. إذن تذكروا دائما وأبدا: أن من ثبت نبت، أن من ثبت نبت. فأوصي نفسي وإياكم جميعا بالصبر على طلب العلم، الصبر على طلب العلم، ويعود الطالب نفسه على الصبر وتحمل المشاق من أجل تحصيل العلم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل الأول في آداب طالبي العلم، ويأتي معنا إن شاء الله عز وجل فصل آخر في كيفية الطلب والتلقي. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.