يا محمد .. عش ما شئت فإنك ميت

الخطبة بعنوان يا محمد .. عش ما شئت فإنك ميت، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 رمضان 1433هـ ألقاها

مقدمة وتوطئة في أهمية الآخرة

يبدأ الدرس بالحمد لله والثناء عليه، ثم ينتقل إلى ذكر وصايا جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، ويشدد على أهمية الاستعداد للموت والآخرة. يُبين أن كل نفس ذائقة الموت وأن الحياة الدنيا متاع الغرور.

التحذير من التعلق بالدنيا والعمل للآخرة

يُنبه الخطيب إلى حقيقة الموت وعدم قدرة الإنسان على إغناء أحبائه عنه، ويشدد على أهمية العمل الصالح للآخرة، حيث إن الإنسان سيُجازى على عمله، ويجب عليه أن يبادر بالعمل الصالح قبل حلول الموت.

فضل قيام الليل وليلة القدر والدعاء فيهما

يُشدد الخطيب على أهمية قيام الليل واعتباره شرفًا للمؤمن، ويبرز فضل قيام رمضان وليلة القدر في مغفرة الذنوب، ويطلب من الله أن يبلغه ليلة القدر وأن يعينه على قيامها وعبادة الله فيها حق العبادة.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، أَعَادَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْهَا. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَوُدَ الطَّيَالِسُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ النَّاسِ». اَللَّهُ أَكْبَرُ، يَا لَهَا مِنْ وَصَايَا عَظِيمَةٍ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَنْ؟ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ غَفَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا، فَهُوَ مَعْصُومٌ بِعِصْمَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا لَهُ، وَهُوَ أَخْشَى النَّاسِ وَأَتْقَى النَّاسِ وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِرَبِّهِ جَلّ وَعَلَا، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِاَللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَطْوَعُهُمْ لَهُ وَأَحْسَنُهُمْ عِبَادَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يُوصِيهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْوَصَايَا الْعِظَامِ وَبِهَذِهِ الْمَوْعِظَةِ الْجَلِيلَةِ. إِنَّهَا عَظَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَلِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، فَمَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا وَهُوَ حَقِيقٌ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذِهِ الْوَصَايَا الْعِظَامِ وَبِهَذِهِ الْوَصَايَا الْجَلِيلَةِ. «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ»، قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: تَعْزِيَةٌ لِكُلِّ نَفْسٍ، لِكُلِّ نَفْسٍ بِالْمَوْتِ، وَأَسْعَدُ النَّاسِ أَسْعَدُهُمْ قِيَامًا بِحَقِّ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلّ وَعَلَا إذَا جَاءَهُ الْمَوْتُ. قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ﴾، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ، هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ، قَدْ كَتَبَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَتَبَ عَلَيْهِمْ الْمَوْتَ، بَلْ وَكَتَبَ عَلَى سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ الْمَوْتَ، قَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ؟ أَفَإِنْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَيُخَلُّدُ دُونَهُ وَيُخَلَّدُ غَيْرُهُ؟ لَا وَاَللَّهِ، إِنَّهَا الْحَقِيقَةُ الْأَكِيدَةُ لِكُلِّ نَفْسٍ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوفَوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوفَوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ الدُّنْيَا، يَا مَنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ؟ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ هَذَا الْأَمْرَ إذَا نَزَلَ؟ لَا وَاَللَّهِ. قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، أَيْ إذَا بَلَغَتْ الرُّوحُ التَّرْقُوَةَ، يَصِيحُ الْأَحْبَابُ وَالْأَهْلُ وَالْخُلَّانُ: هَلْ مِنْ رَاقٍ فَيَرْقِيهِ؟ هَلْ مِنْ طَبِيبٍ حَاذِقٍ فَيُعَالِجُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ؟ هَلْ مِنْ رَاقٍ؟ لَا وَاَللَّهِ، ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ. هَلْ يَسْتَطِيعُ إنْسَانٌ أَنْ يُغْنِيَ عَنْ حَبِيبِهِ أَوْ عَنْ وَلَدِهِ أَوْ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ زَوْجِهِ؟ لَا وَاَللَّهِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ. قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومُ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾، يَنْظُرُ الْأَحْبَابُ، يَنْظُرُ الْأَوْلَادُ إلَى أَبِيهِمْ، وَيَنْظُرُ الْأَبُ إلَى وَلَدِهِ، وَيَنْظُرُ الْحَبِيبُ إلَى حَبِيبِهِ، وَالْقَرِيبُ إلَى قَرِيبِهِ، هَلْ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا؟ لَا وَاَللَّهِ، ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومُ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ، الْمَلَائِكَةُ قَدْ نَزَلَتْ بِالْمَيِّتِ لِتَنْزِعَ رُوحَهُ، وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ. ثُمَّ قَالَ جَلّ وَعَلَا: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أَيْ لَوْلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَرْجِعُوا هَذِهِ الرُّوحَ إلَى مَكَانِهَا إلَى مَقَرِّهَا مِنْ الْجَسَدِ؟ لَا، إِنَّهَا الْحَقِيقَةُ، إذَا خَرَجَتْ الرُّوحُ فَإِنَّهُ الْمَوْتُ الَّذِي لَا مَدْفَعَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. عِبَادَ اللَّهِ، هَذِهِ وَصِيَّةٌ مِنْ الْوَصَايَا، وَعِظَةٌ مِنْ الْعِظَاتِ، ثُمَّ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ دَرْسٌ لِلْأُمَّةِ أَجْمَعَ: «وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ»، هَذِهِ حَقِيقَةٌ، هَذِهِ حَقِيقَةُ الدُّنْيَا. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ»، هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ. كَمْ مِنْ إنْسَانٍ يَشْتَهِي مِنْ الدُّنْيَا مَا يَشْتَهِي وَيَطْمَعُ فِيهَا تِلْكَ الْمَطَامِعَ، فَيَنْزِلُ بِهِ الْمَوْتُ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، كَمَا فُعِلَ بِأَسْلَافِهِمْ مِنْ قَبْلُ. أَيُّهَا الْعَبْدُ، أَلَمْ تَكُنْ لَكَ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ وَآيَةٌ فِي أَسْلَافِكَ الَّذِينَ مَضَوْا؟ أَيْنَ آبِوَاتُكُمْ؟ أَيْنَ أَصْحَابُكُمْ وَأَقْرِبَاءُكُمْ الَّذِينَ قَطَعْتُمْ مُخَالَطَتَهُمْ؟ أَلَمْ تَكُنْ لَكَ فِيهِمْ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا مُوَلِّيَةٌ، لَيْسَتْ بِدَارِ بَقَاءٍ وَلَا بِدَارِ قَرَارٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ مَمَرٍ. قَالَ جِبْرِيلُ: «وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ»، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ ثَالِثَةٌ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، أَيُّهَا الْعَبْدُ، اعْلَمْ أَنَّكَ مَجْزِيٌّ بِعَمَلِكَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، أَيْ أَنَّكَ سَاعٍ إلَى رَبِّكَ سَعْيًا، وَعَامِلٌ إلَى رَبِّكَ عَمَلًا، فَمُلَاقٍ جَزَاءَ ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ مِنْ شَرٍّ. أَنْتَ فِي عَمَلٍ، أَنْتَ فِي عَمَلٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَانْظُرْ مَا هُوَ هَذَا الْعَمَلُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِهِ غَدًا إذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَلَا تُؤَخِّرْ وَلَا تَتَمَنَّ الْأَمَانَ وَتَقُولُ: غَدًا أَعْمَلُ، وَبَعْدَ غَدٍ أَعْمَلُ، لَا، بَلْ بَادِرْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ فَتَتَمَنَّى الرُّجُوعَ فَلَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلَمْ تَعُمُرْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الْعُمُرَ الْمَدِيدَ؟ أَلَمْ تَعِشْ فِيهَا سِنِينَ وَعُقُودًا وَعُقُودًا؟ فَمَاذَا صَنَعْتَ وَمَاذَا قَدَّمْتَ لِلنَّجَاةِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ. يَا اللَّهُ، مَا هَذِهِ الْأُمُورُ؟ إنَّهَا الْأَعْمَالُ، إنَّهَا الْأَعْمَالُ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. أَيُّهَا الْعَبْدُ، أَتَظُنُّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا غَافِلًا عَمَّا تَعْمَلُ؟ لَا وَاَللَّهِ، أَتَظُنُّ أَنَّ يَقْفُوَ عَلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا شَيْءٌ مِنْ عَمَلِكَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، خَفِيًّا كَانَ أَوْ جَلِيًّا؟ لَا وَاَللَّهِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ. قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، إنَّمَا هِيَ الْأَعْمَالُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «يَا عِبَادِي، إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ». أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إنَّهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. اَلْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُمْ، جَاءَ فِي هَذِهِ الْوَصَايَا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ»، شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ، إنْ أَرَدْتَ الشَّرَفَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنْ أَرَدْتَ الْمَنْزِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، فَهَذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُخْبِرُك بِهَذَا الشَّرَفِ. كَمْ جَاءَتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ فِي فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَفِي فَضْلِ مُنَاجَاةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الْأَخِيرَةِ فِي السَّاعَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ اللَّيْلِ، حِينَمَا يَدْنُو الرب وَيَنْزِلُ الرب جَلّ وَعَلَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْآخِرِ مِنْ اللَّيْلِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَجِيبَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ». يَا لَهَا مِنْ كَرَامَةٍ لَكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ يَوْمَ أَنْ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، هَلْ يَسْتَوِي مَنْ هُوَ قَائِمٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَرَاكِعًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَنْ هُوَ نَائِمٌ؟ بَلْ وَمَنْ هُوَ فِي مَعَاصٍ وَتَفْرِيطٍ؟ لَا وَاَللَّهِ، لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَفَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا طَائِفَةً مِنْ عِبَادِهِ بِأَنَّهُمْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أَيُّهَا النَّاسُ، وَمِنْ هَذِهِ الْوَصَايَا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ النَّاسِ»، اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ النَّاسِ، فَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلَا يَتَطَلَّعُ إلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، بَلْ هُوَ عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، ظَنًّا بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مُسْتَغْنٍ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مُحَقِّقٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ يَتَعَفَّفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنِ اسْتَغْنَى يُغْنِهِ اللَّهُ»، إنَّهَا الْحَقِيقَةُ، مَنِ اسْتَغْنَى عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ كَانَ فِي عِزٍّ، كَانَ فِي كَرَامَةٍ، كَانَ فِي سَعَادَةٍ، كَانَ بَعِيدًا عَنْ الذُّلِّ، بَعِيدًا عَنْ الذُّلِّ لِلْمَخْلُوقِ، لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مُسْتَغْنٍ عَمَّا فِي أَيْدِي اللَّهِ، مُسْتَغْنٍ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَهُوَ بِاَللَّهِ وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. عِبَادَ اللَّهِ، لَا نَنْسَ أَنَّنَا فِي هَذِهِ اللَّيَالِي وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تَمُرُّ بِنَا هَذِهِ اللَّيَالِي الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي فِي الْعَامِ، لَيَالِي الْعَشْرِ، قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي الْوَتْرِ مِنْهَا»، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوَتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». عِبَادَ اللَّهِ، لَا نَنْسَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». فَنَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَلِّغَنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَقُومُهَا وَيَعْبُدُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا فِيهَا حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ غُفِرَ لَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْمُبَارَكَاتِ، وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِأَحْسَنِ أَعْمَالِنَا، نَسْأَلُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا أَعْمَالَنَا الصَّالِحَةَ، وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئِهَا، إنَّهُ لَطِيفٌ رَحِيمٌ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

شاركنا على