الدرس في وقفات مع الزيارات الشركية - الجزء الأول، وكانت بعد أذان العشاء من يوم الأحد 13 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بيّن المحور أن زيارة القبور في الإسلام مشروعة للاتعاظ والدعاء للموتى، بعد أن كانت منهياً عنها أول الإسلام سداً لذريعة الشرك، ثم أُذن فيها مع رسوخ التوحيد بشرط خلوها من الغلو كالبناء عليها أو السجود لها أو اتخاذها وسيلة للشرك.
استعرض المحور حديث ابن عباس الناهي عن الصلاة إلى القبور، وشرح العلماء أربع صور لهذا النهي: السجود على القبر، جعله قبلة، بناء المساجد عنده، والدعاء عنده، مؤكدين أنها من مظاهر الشرك المخالفة للتوحيد، مستدلين بأقوال ابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين.
ناقش المحور بطلان تخصيص القبور بالدعاء والتبرك بها حتى مع ادعاء الإخلاص، لكونه تعلقاً بالقلب بالميت وشبهاً بالشرك، ونقد تبريرات المتصوفة الفلسفية كقول الغزالي، وكشف المقاصد الدنيوية الجاهلية كتعظيم الأنساب وتحقيق المصالح وراء هذه الزيارات.
كشف المحور أن زيارة الأضرحة صارت ذريعة لكسب المنافع المادية عبر الأوقاف والنذور، والاستقواء بالأتباع، وتحولت إلى مواطن للاختلاط المحرم واللهو والغناء، حتى نبه علماء التصوف على هذا الفساد، داعياً العقلاء للتعاون على إزالة هذا المنكر لآثاره المدمرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنشكر لأخينا الفاضل الشيخ حسن بن علي، وحفظه الله تعالى، على هذه المشاركة النافعة المفيدة، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا وسائر المسلمين بها. سمعتم أيها الإخوة والحاضرون والمستمعون هذه الكلمات، وكذلك هذه النقاط المهمة المتعلقة بهذا الموضوع الهام، ألا وهو أمر الزيارات الشركية والبدعية التي يقيمها من يقيمها. منهم من يقيمها وعنده من حسن الرجاء وكذلك المقصد الحسن مع جهله، وكذلك ربما تقليده. ومنهم مع ما علم عنده من العناد والإصرار وغير ذلك. ولا يجوز بعد العلم بالحق والوقوف على الأدلة الواضحة والبراهين الجلية من أدلة الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وما قرره الأئمة، وما ظهر دليله وبرهانه بواقع حياة الناس في أزمنة مختلفة ومواضع شتى متفرقة، كلها شواهد حق وبراهين صدق، توجب على كل منصف أن يتق الله جل وعلا، ويتابع الحق الذي يجب سلوكه والوقوف عنده مع مثل هذه البدع والخرافات وهذه الأعمال الشركية. نسأل الله عز وجل لنا ولجميع المسلمين التوفيق والسداد. أيها الإخوة، قد مضى من كلمات إخواننا في الظهر والعصر، وهكذا كذلك كلمة الشيخ حسن، حميضه الله تعالى، التنبيه على مواضع مختلفة تؤكد لكل منصف أن هذه الزيارات زيارات بدعية، ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان. ولا يجوز بعد العلم بما ظهر بالدليل والبرهان أن مثل ذلك من الباطل، لا يجوز لمن اعتنق هذا الدين دين الإسلام، فرضي به دينا، وبالله جل وعلا إلها واحدا سبحانه وتعالى، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، لا يجوز له بعد ذلك أن يصر ويعاند ويبقى على هذا الباطل، سواء أن يناصره بلسانه أو يناصره ببنانه أو حتى بإقراره في قلبه، فضلا عن أن يكون من المشاركين بالأموال أو بحضوره بنفسه أو ببعض أهله أو غير ذلك مما هو أعظم. أعظم من هذا كلمة هذا المقام، كما اختارها واقترحها المنظمون والمرتبون لهذه الدورة، أن تكون وقفات مع هذه الزيارات الشركية القبورية. الوقفة الأولى من هذه الوقفات: وقفة، وإن كان سبق التنبيه عليها في كلمة إخواننا، لكنه من باب التذكير وإعادة كذلك التأكيد لهذا العلم والمعلوم. هذه الوقفة في أمر زيارة القبور. فزيارة القبور في ديننا دين الإسلام تنقسم إلى قسمين: زيارة مشروعة، وزيارة ممنوعة. أما الزيارة المشروعة فهي الزيارة للاتعاض من حال أهل القبور، فإن زيارة القبور تذكر الآخرة، وكذلك زيارتها للدعاء لأهلها، فأهلها محتاجون للدعاء. ولهذا تكاثرت الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم في بيان هذين المعنيين والمقصدين. وأما الزيارة الممنوعة فهي الزيارة التي يكون فيها الغلو فيها وعبادتها من دون الله عز وجل. بل أعظم من ذلك: كل زيارة يكون فيها منافاة للمقصد الشرعي الذي لأجله شرع زيارتها. ولأجل هذا كان زيارة القبور في أول الإسلام مما نهي عنه أهل الإسلام. ففي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». قال المناوي رحمه الله تعالى معلقا وشارحا لهذا الحديث بما معناه: قال: نهاهم عن زيارتها في أول الإسلام لكونهم حدثا عهد به، أي بالإسلام، وحدثا عهد خروج من الكفر، فحماية لحم التوحيد وسدا لذرائع الشرك كان النهي عن زيارة القبور في أول الإسلام. وكما قال بعض أهل العلم: لأن مبدأ عبادة الأصنام من زيارة القبور. مبدأ عبادة الأصنام من زيارة القبور. وقد أخبرنا ربنا جل وعلا في قصة نوح عليه الصلاة والسلام، وكيف أن قوم نوح عبدوا من عبدوا من الصالحين بفتنة صغرهم وقبورهم، كما جاء معناه في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس معلقا رضي الله عنه أرضاه. فعبادة القبور كان من سنن الجاهلية، وقد سمعنا في كلمة إخواننا في العصر، وكذلك أخينا الأستاذ الفاضل أبي هاشم، وقبلها كلمة أخينا الأستاذ الفاضل أبي عبد الله، من ذلك الشيء الكثير. فهذه علة في منع الزيارة في أول الإسلام، لأن الناس كانوا حدثا عهد بهذا الدين دين الإسلام، وهم حدثا عهد في خروجهم من الجاهلية، فحماية لحم التوحيد، وهكذا كذلك سدا لذراع الشرك، نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمر هذا الدين عن زيارة القبور. ثم لما رأى أن الإسلام قد رسخ في قلوبهم، وأنهم قد أخذوا من العلم والعمل ما جعلهم من أهل التوحيد، واحتموا بذلك عن الشرك وذراعه، أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم من زيارة القبور، فقال: «فزوروها». وفي رواية: «فإنها تذكركم الآخرة». أشار المناوي في قوله «فزوروها» معلقا وناقلا عن غيره ما معناه: أن يكون زيارتها بشرط عدم السجود عليها أو إليها، وعدم الغلو فيها، وغير ذلك مما هو من ذرائع الشرك ومظاهره التي نهي عنها أهل الإسلام. فلهذا، عباد الله، كان تنبيه دعاة الإسلام وعلماؤها وأئمتها في أزمنة مختلفة وفي مواضع شتى، منبهين وموجهين ومعلمين من تحت أيديهم من مجتمعات، أن مما لا يجوز فعله هو ما يفعله الكثير من الناس بجهلهم من الوقوع فيما نهي عنه الناس من الزيارات الممنوعة. فإن زيارة القبور كما تقدم على قسمين اثنين: زيارة مشروعة، وهي ما ضبطت بالضوابط الشرعية، تزار للاتعاض والاعتبار، وللدعاء لأهلها. لا تزار لأجل أن يرجى منها، فضلا أن تدعى ويستشفع بها من دون الله ومع الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك من أفعال المشركين. ولا تزار بمظهر من مظاهر الغلو، وكذلك الشرك، التي لا يجوز أن يكون الأمر كذلك معها. ولهذا كذلك كثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بعض تلك المظاهر التي كان النهي عنها حماية لحم التوحيد وسدا لذرائع الشرك. وقد سمعنا بعض هذه الأحاديث في الكلمات المتقدمة. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إلى هذه القبور. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى عليها أو يصلى إليها. وجاء معناه كذلك في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه نهى أن يبنى على هذه القبور وأن تجصص. وجاء في زيادة خارج الصحيح حسنها بعض أهل العلم: وأن يكتب عليها. ومعناها الصحيح، وإن كان في إسنادها شيء من الضعف، لما في ذلك من تعظيمها والغلو فيها وفتح ذرائع الشرك بها وإليها. وجاء من حديث بسعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن كذلك نهى عن الصلاة إلى القبور، وعن كذلك السجود عليها. وفي حديث بن عباس فيما رواه الطبراني في الكبير، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، وكذا الحديث الذي قبله: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى عن الصلاة عليها، أي على القبور. وقد ذكر العلماء أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور وعليها، والسجود إليها وعليها، يتناول أربعة معاني: المعنى الأول: أن يسجد على عين القبر، ولا يخفى ما في ذلك من معاني ومظاهر الشرك، وما هو منافي من أمر توحيد الله عز وجل وإخلاص الدين له. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وفي أحد تفسيري الآية أو تفاسير الآية: أن لا يسجد لغير الله سبحانه وتعالى، فإن السجود لغير الله من أعظم معاني الشرك. ومن معاني أنه عن السجود والصلاة إلى تلك القبور وعليها: أن يكون القبر في قبلة المصلي، سواء كان قبلة حقيقة كما يفعله بعض غلاة القبورية من الرافضة والمتصوفة، فربما استدبروا الكعبة واستقبلوا تلك القبور، فسجدوا وصلوا إليها. وفي هذا أشياء كثيرة ذكرها العلماء قديما وحديثا مما يدلك ويبرهن لك ما وقع فيه أولئك من الشرك الغليظ الذي ينافي حقيقة الإسلام الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. ومن معنى ذلك: أن تتخذ في جهة القبلة، أن يجعل التوجه إلى القبلة إلى جهة القبر، ولو لم يكن لأجل السجود إليها، ولكن كان معه معنى من المعاني الأخرى، سواء حسن التعبد بالسجود إلى الله عند هذا القبر أو غير ذلك، فهو مظهر كذلك من مظاهر الشرك، قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر، وقد يكون من معاني الشرك الأصغر، وكلاهما ليس بالأمر اليسير بل هو عسير، فالشرك الأصغر أعظم من أكبر الكبائر. فما يفعله بعض الناس من جعل القبور في قبلة المساجد، حتى لا تكاد تجد مسجدا من مساجد المتصوفة، وهذا كان أمرا شائعا إلى فترة قريبة في أكثر المعمورة من قرى بلادنا، فلا تكاد تجد مسجدا إلا وهو إما بجانب قبر أو بجانب مقبرة أو في قبلته مقبرة أو قبور أو غير ذلك. إن لم يكن القبر داخل المسجد فهو حوالي المسجد، إما أمامه، إما عن يمينه أو عن شماله، أو غير ذلك مما يدلك على هذا المظهر الذي هو من مظاهر المشركين. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور أو عليها. المعنى الثالث من معاني الصلاة إليها أو عليها، أي القبور، والسجود كذلك عندها وعليها: أن يحرص على الصلاة عند هذه القبور، سواء أكان ذلك بإدخال القبر إلى المسجد، أو كان ذلك بوضع المسجد حول القبر، أو كذلك بجانب تلك القبور. وإن كان الأمر يختلف عند بعض أهل العلم فيما إذا كان القبر خارج المسجد، فالصلاة صحيحة مع ما لا يخفى من هذا المقصد السيء والأثر كذلك الخطير على أهل هذا المسجد، كونهم حرصوا على بناء هذا المسجد بجانب ذلك القبر. فكيف إذا كان القبر في قبلة المسجد؟ ولهذا كان شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى يرى أن القبر الذي يكون في قبلة المسجد لا يجوز أن يكتفى بجدار المسجد فاصلا بينه وبين القبر، فلا يرى شرعية الصلاة في ذلك المسجد حتى يفصل بجدار آخر فاصل بين جدار المسجد وذلك القبر، حماية لحم التوحيد وسدا لذرائع الشرك، حتى لا تتعلق القلوب بتلك القبور، ولو كان ذلكم التعلق قديما. لأن بعض تلك المساجد ربما صار أهلها، الحمد لله، من أهل التوحيد، وليس بقلوبهم تعلق بتلك القبور، وإنما كان ذلك في زمن سابق وقديم. ولكن حماية لحم التوحيد وسدا لذرائع الشرك، أفتى شيخنا رحمه الله ومن وافقه من أهل العلم بمثل هذه الفتوى: أنه لا يجوز الصلاة في مسجد في قبلته قبر، ولو كان القبر خارج المسجد، ما دام ليس بين المسجد والقبر جدار آخر يفصل، فلا يكتفى بجدار المسجد، لا يكتفى بجدار المسجد. فما ظنكم بمن جعلوا الأبواب إلى تلك القبور، كحال بعض المساجد في مدينتنا، جعلوا بابا في قبلة المسجد إلى بعض تلك القبور، وربما صارت بعض المساجد في قبلتها المقابر، في قبلتها المقابر، فالنوافذ تشرف على المقابر مباشرة، يصلي المصلي وهو يسجد لله وفي قبلته القبور. وربما بعض تلك القبور قد بنيت بتلك البنايات، وزغرفت بتلك الزخارف، وسترت بتلك الستور، فكان معه فتنة بعض الجهال. وأعظم من ذلك أن يكون قد بقي في بعض قلوب أولئك من تلك التعلقات الشركية ما يجعله يحرص أن يصلي في الجهة التي تسامت ذلكم القبر الذي يعظمه. وهذا موجود في بعض المساجد في مواضع من بلاد حضرموت وغيرها من بلاد المسلمين. فلا يجوز الصلاة في مثل هذه المساجد لأنها صلاة إلى جهة القبور، ويدخل في معنى الأحاديث السابقة وغيرها كثير مما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما تقدم: لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، كما ذكر الإمام بن القيم رحمه الله وغيره من الأئمة قبله وبعده. الصورة الرابعة من صور الصلاة إلى القبور وعليها: أن تكون تلك الصلاة هي الدعاء، دعاء المسألة أو دعاء العبادة، وليست الصلاة تنحصر بالصلاة ذات الركوع والسجود. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا أو مقابر»، ثم ذكر البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، وأن الشياطين لا تقدر عليها. والشاهد من هذا في هذا معنى لطيف دقيق مهم: فيه أنه لا يشرع قراءة القرآن في المواضع التي فيها قبور. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر أو قبورا»، أي تخلوها من قراءة القرآن كأنها مقابر. فما يفعله بعض الناس من قراءة القرآن في المقابر أو عند قبر ما، بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه أن التعبد لله عز وجل بالعبادات عند تلك القبور هو يدخل في معنى هذه الأحاديث. فمن حرص على التسبيح والتهليل عند تلك القبور كما يفعله بعض المتصوفة، يختلي لربه فيما يزعم، ويخلو به عند حجرة الولي الفلاني، وعند عتبة القبة الفلانية، وعند كذلك المزار الفلاني، كل ذلك من مظاهر المضاهاة لهذه الأحاديث الكثيرة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حتى الدعاء، والدعاء مما شرع لأهل القبور، إذا صار الدعاء ليس لأهل القبور وإنما هو دعاء للنفس عند القبور، صار مظهرا من مظاهر الشرك، ومعنى من معاني البدع والضلالات. كون الإنسان لا يحرص على الدعاء إلا عند ذلكم القبر، أو يزداد حرصه ويعظم رجاءه أن يكون دعاءه مستجابا عند ذلكم القبر، ولو كان يدعو الله سبحانه وتعالى، فإنه معنى من المعاني المحظورة، لأنه يدخل في معنى الأحاديث المتقدمة. فإذا أراد أن يدعو الله عز وجل، فليدعو الله سبحانه وتعالى على الوجه المأذون فيه المشروع، وليس من المأذون فيه ولا من المشروع أن يخص هذا الموضع بالدعاء، ولو بالدعاء لنفسه أو لأهله، ولو لم يكن عنده تعلق بهذا الميت كما يزعم، وهو كاذب في هذا الزعم. لماذا؟ لأنه لو لم يكن في قلبه ذرة تعلق، لم يجعل هذا المكان من الأماكن المفضلة والمرجوة باستجابة الدعاء دون غيرها. ولذلك ترى بعض أولئك المتصوفة وقد نزلت عليهم السكينة، وظهر عليهم معنى الإخبات والإنكسار عند تلك القبور، ما لتجده إذا كانوا في بيوت الله سبحانه وتعالى. ومن دخل معتبرا ومتعظا في بعض تلك التوابيت وتلك القبور في تريم مثلا، سيجد ما يبرهن له هذا المعنى جليا: أناس يبكون عند القبر، وإذا حدثت بعض الحاضرين وقلت لهم: ماذا يفعلون؟ قالوا: يبكون من خشية الله، ويدعون الله سبحانه وتعالى وحده مخلصين له الدين. لو صدق وصدقوا، هل كان هذا مشروعا؟ لم يكن هذا مشروعا أبدا، بل هذا معنى من المعاني التي نهي عنها. مع أن الكثير من هؤلاء في الحقيقة رجاءهم بهؤلاء الموتى أعظم من رجائهم بالله. كم يجلسون في بيوت الله، فما ترى منهم باكيا، ولا ترى منهم خاشعا ومخبتا، بينما تراهم حول تلك القبور والقباب مخبتين خاشعين باكين متباكين، وقد نزلت عليهم من معاني السكينة والوقار ما لا يكون مثله، ربما حتى عند بيت الله الحرام. وهذا يؤكد لنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، من أن هذا المعنى كذلك من المعاني المحظورة، ومما يدخل في معاني الزيارة الممنوعة. فكيف إذا علمنا أن هذه الزيارات يقع فيها ما هو أعظم من هذا، من دعاء الأموات وسؤالها وطلب الشفاء منها وبها، وغير ذلك مما هو من مظاهر الشرك الصريح؟ الوقفة الثانية: وقفة فيما نص عليه الكثير من رؤوس المتصوفة في أمر زيارة هذه القبور، وسر التعلق بها، وكونها عبارة عن مسلك من مسالك أهل الجاهلية والكفر والشرك. فقد ذكر الغزالي، أبو حامد، رحمه الله تعالى، ورجى العلماء له أن يكون قد حسن توبته في آخر حياته، قد ذكر في مواضع من كتبه في الإحياء وفي غيره، وله في هذا مؤلفات. فقد ذكر في مواضع من كتبه معنى فلسفيا في زيارة المريد، كما يقول، لقبر الولي. فذكر من ذلكم المعنى أنه يحصل لهذا الزائر من معاني الفيض والتعلق والكسب من هذا المزور ما يكون به حصول التأثير عليه. وذكر في هذا معنى يلين اثنين: أما المعنى الأول: فهو عين ما فعله المشركون الأولون، أن يستشفع بهؤلاء الأموات عند الله سبحانه وتعالى. وهذا عين ما قال الله عز وجل عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهذا هو عين فعل المشركين. ثم ذهب يذكر المعنى الثاني: وهو حصول التعلق بين هذا الزائر والمزور، وحصول تناقل الفيض بينهما. وأنه إذا كان يحصل مثله ويتقع معاني المكاشفة بين الأحياء، فإذا جاء الزائر عند المزور الحي، هكذا زعم، نظر إليه وتعلق به من دون أن ينطق بكلمة، حصل بينهما من معاني الود والتعلق ما يكون سبب في إحسان بعضهما لبعض. قال: فالميت من باب أولى. قال: الميت من باب أولى. زعم أن الميت يفيض على هذا الحي بما يكون به نفعه. ثم ذهب يذكر معاني فلسفية في هذا النفع: إما نفعا أخلاقيا، أو نفعا كذلك في باب الاقتداء، أو غير ذلك من معاني النفع، أو حتى فتح بعض ما يحتاج لفتح. وهو أشبه ما يكون بما ذكر عن بعض الفلاسفة من زيارتهم لقبور رؤسائهم، كما ذكر في كلمة بعض إخواننا في الظهر، وهكذا معناه كذلك جاء في العصر في هذا المعنى. فإن معنى زيارة القبور عند المشركين الأولين له معاني كثيرة، ومن تلك المعاني ما هو عند بعض الفلاسفة، فكانوا يظنون أن زيارتهم لرؤوسهم وزعمائهم يكون سببا في فيض العلوم إليهم، كما فعلوا في زيارة قبر أرسطو، أي بعض طلابه. وهذا المعنى توسع عند المتصوفة حتى صار على هذه المظاهر الشركية التي نراها بكل معنى من معانيها فيما يراه الناس في واقع حياتهم، وهو يختلف من بلد إلى آخر ومن زمان إلى زمان. وقد نص بعض المتأخرين إلى بعض عبارات أبي حامد الغزالي. وأبو حامد الغزالي، كما قال عنه تلميذه ابن العربي رحمه الله تعالى: «شيخنا ابتلع علم الكلام فما استطاع أن يتقيأه». كان يأخذ من علوم أهل الكلام وأهل الفلسفة أشياء كثيرة، حتى دخلت عليه أنواع من الضلالات في أبواب شتى من أبواب هذا الدين، سواء ما يتعلق بالعقائد أو العبادات أو غير ذلك. ولا أدل على ذلك ما نثره في كتابه المسمى بالإحياء، الذي تضافرت كلمات العلماء في التحذير من هذا الكتاب. ومع ذلك تجد بعض المعاصرين، فضلا عن من سبقهم، يصر على تعظيم هذا الكتاب، حتى قال بعضهم: «من لم يقرأ الإحياء فليس هو من الأحياء». من لم يقرأ الإحياء فليس هو من الأحياء. هكذا زعموا، مع أن فيه من الضلال ما الله به عليم. فإذا كان كذلك، علمنا أن هؤلاء في الحقيقة قد سلكوا مسلك الجاهليين في هذه الزيارات التي يزورون فيها، مع تلك المقاصد التي يقصدونها، على أن لهم مقاصد أخرى. وهذه الوقفة الثالثة مع هذه الزيارات: أن هذه الزيارات لم تكن لغرض ديني محض كما يزعمون، بل اكتنفتها أمور جاهلية متنوعة. فصار من مقاصد هذه الزيارات: الحفاظ على شرف عوائل وطوائف في المجتمع، وربما كان أولئك ممن لا صلة له بدين الله عز وجل. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من لم يسرع به عمله لم ينفع نسبه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة. وهكذا ربنا جل وعلا يقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾. أما هذه المعاني عند هؤلاء فهي على تصور آخر: فمن كان من أهل البيت، ولو كان تاركا للصلاة، ولو كان قائلا بالكفر، ولو كان متعاملا بالسحر والشعوذة، أو كان على غير ذلك من معاني الفجور والفساد والكفر والزندقة، ما دام من أهل البيت فهو المعظم والمرجو والمقصود. فإن من معاني تلك الزيارات تعظيم أبيات معينة. ولهذا تجد قبائل وطوائف وأبيات تحرص وتنافح وتكافح في أمر إحياء هذه الزيارات، لما لها من مصالح خاصة ترجوها في هذه الزيارات. وهكذا كذلك من تلك المعاني والمقاصد والمقاصد لهذه الزيارات: أنها كذلك سبب للعبث بفئات كثيرة في المجتمع، حتى يكون أولئك كالأتباع، يستمد منهم القوة ويستعين بهم على حوائجه الكثيرة، أولئك الذين كانت لهم المكنة في تلك الزيارات، سواء ممن يسمى بآل المنصب على قبائلهم المختلفة من آل البيت أو غيرهم. فصار لآل البيت أنصار وأتباع وحواشي، وبذلك استطاع أن يدخل هؤلاء طوائف في معنى من معاني التعظيم، فكانت لهم تلك المصالح المشتركة. فكم من أموال يجنونها من تلك الأوقاف والنذور وتلك الصدقات والتوبات، كتوبات النصارى وغير ذلك من المعاني الأخرى. ولا أدل على ذلك تلك القضايا التي لا يزال بعضها إلى يومنا هذا في عدد من محاكم بلادنا، بين بعض تلك المناصب، تنافسا على بعض تلك القبور التي تزار وتعبد من دون الله سبحانه وتعالى. فصراع بين منصف فلان ومنصف فلان على قبر الهاشم في عدن، ولا يزال أثر هذا الصراع موجودا إلى يومنا هذا. وهكذا في بعض المناصب في مواضع شتى من بلادنا اليمنية، وهكذا في غيرها من بلاد الدنيا الواسعة. ويدل كذلك أن لهذه الزيارات مقاصد، ومن مقاصدها هذا المعنى: وهو تحصيل المنافع المادية من الأوقاف والنذور والأموال والصدقات والتوبات وغير ذلك، مع ما سبق من الاستكثار بالأتباع والاستنصار بهم والاستعانة بهم على قضاء حوائجهم الخاصة والعامة. ومن تلك المقاصد كذلك: أن هذه الزيارات صارت لبعض الناس عونا لقضاء بعض شهواتهم الدنيئة ورغباتهم ومطامعهم السيئة. ففي هذه الزيارات من خروج النساء واختلاطهم بالرجال، وهكذا كذلك المردان، واستعمال آلات اللهو والطرب من المزامير والطبول، وقصائد الغزل، وربما المجون. ولا يخفى عليكم أن بعض الموالد التي تقرأ، فضلا عن غيرها، فيها من الأشعار التي فيها من الغزل، وفيها من المعاني الفاسدة ما يتعجب الإنسان كيف مثل هذا يقرأ في مناسبات دينية أو في بعض بيوت الله سبحانه وتعالى. وهذا يدلك أن في أوساط هؤلاء ناسا فاجرين فاسدين، يصلون إلى بعض أغراضهم ومقاصدهم السيئة الدنيئة بواسطة هذه الاجتماعات. ولا أدل على ذلك مما يقع في بعض تلك المزارات من فساد، حتى دعا ذلك الكثير من أهل العلم، حتى ممن ينتسب إلى المتصوفة، أن يكتب الكتابات محذرا من ذلكم الفساد الذي يراه. فكم قد كتب من المتصوفة، فضلا عن غيرهم، كتابات كثيرة محذرين وناصحين فيما يرونه ويسمعونه ويشاهدونه من فساد يقع في تلك الزيارات والمزارات. وبه نعلم أن هذا المعنى معنى آخر ومقصد من مقاصد بعض الناس في هذه الزيارات. وهذا يؤكد لنا ما سبق، أيها الأحبة، من أن شواهد الحق وبراهين الصدق اجتمعت بمعاني كثيرة تدلنا وتؤكد لنا أن مثل هذا عند كل منصف مما يجب أن يمنع. فيجب على العقلاء من الرعاة والرعية أن يتعاونوا على إزالة مثل هذا الباطل من المجتمع، لما له من الآثار السيئة الكثيرة التي يكون بها إفساد الأديان والأخلاق، وغير ذلك مما له الأثر السيئة في عاجل هذه المجتمعات وآجل أمرها. نكتفي هذه الليلة بهذا القدر لانتهاء الوقت، وإن شاء الله بعد صلاة العشاء تكون الكلمة لأخينا الأستاذ الفاضل أبي عبد الرحمن فهد العدني، حفظه الله تعالى. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا.