الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 8، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الدنيا لا تساوي شيئا عند الله تعالى، والميزان الحقيقي هو التقوى وليس الدنيا. فمن عنده تقوى فهو من الكرام بغض النظر عن ما لديه من أموال.
النبي يحذر من التعلق بالدنيا والتوسع فيها على حساب الطاعة والعبادة. الزهد الشرعي يعني عدم التوسع في الدنيا بما يضر بالدين.
الدنيا ليست وفية لأحد وتجلب الهموم، لذا يجب استغلال الشباب في طاعة الله. الحياة دار ابتلاء واختبار.
ابن القيم رغب في الآخرة وذكر الجنة وما أعده الله لأهل التقوى. سيتم التطرق إلى هذا الفصل في دروس لاحقة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول الناظم الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى رحمة واسعة: «لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسقي منها الرب ذا الكفران»، أي أن هذه الدنيا بزخرفها، جمالها، ودورها، وقصورها لا تساوي عند الله جل وعلا جناح بعوضة. والمعنى: لا تساوي شيئا، صفر على الشمال كما يقال، ولا حتى جناح البعوضة، هذا الجناح القاصر طيرا لا تساوي شيئا حقيرة. لو كانت تساوي شيئا لم أعطاها الله جل وعلا إلا للمؤمنين فقط، ولم يعطها إلا لمن عبده، ولمن صلى له، ولمن ركع، ولم يعطها من كفر به جل وعلا، ومن أشرك به. لكن لا تساوي شيئا حقيرة، فالله جل وعلا يعطيها من شاء، من أحب، ومن لم يحب. لكن ما كان ذا قيمة له قيمة عند الله جل وعلا، وله منزلة هذا لا يعطاه كل أحد، وإنه يعطى ذلك أهل الإيمان وأهل التقوى. وكما ذكرنا قول النبي عليه الصلاة والسلام، حديث سعد الساعدي عند الترمذي: «لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء»، حتى الشربة هذه ما سقاها الله جل وعلا الكافر، لو كانت تساوي شيئا. لكن لا تساوي شيئا. وبعض الناس يظن أنه إذا حرم من أمور من هذه الدنيا أن هذا ميزان على عدم الرضا من الله جل وعلا، لا، ليس هذا الميزان، وأن الله جل وعلا لا يحبه. لا الدنيا ليست ميزانا، من كانت عنده الدنيا ليس هذا ميزانا يدل على كرامة الله له، ولا على الرضا من الله له. وهكذا من حرم هذه الدنيا، ليست ميزانا. الميزان التقوى، من كان عنده تقوى وعنده بعد ذلك أموال، هذا من الكرام. ما جاءت الأموال وما جاءت هذه الخيرات إلا بسبب التقوى. أما من عنده دنيا وما عنده تقوى، فهذا دليل على الحرمان، دليل على الحرمان ودليل على الخسران. الطبيب الآن يمنعك من تناول بعض الملذات، وبعض المأكولات، وبعض المشروبات. هل معنى ذلك أنه غير ناصح لك؟ هل معنى ذلك أنه يبغضك؟ منعك من أمور تضرك، منعك من أمور تضرك. لا تأكل كذا، ولا تشرب كذا، ولا تجلس هنا، ولا تفعل كذا، هذا لمصلحتك، لأنه يعلم أن هذه الأشياء تضرك. والله جل وعلا هو الطبيب سبحانه وتعالى، كما جاء في بعض الأحاديث. فالله جل وعلا الذي خلق الخلق، وهو الذي يعلم ما يصلحهم، ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير. فأنت عليك أن تقنع بما جعلك الله جل وعلا عليه. إن أعطاك شيئا من هذه الدنيا وسخرتها في طاعة الله، فاعلم أن هذا من كرامة الله لك. إن أعطاك شيئا من الدنيا ولم تسخرها في طاعة الله جل وعلا، وكانت سببا في إعراضك، وسببا في تقصيرك وتفريطك، فاعلم أن هذا من الخسران ومن الحرمان. فراجع نفسك. الدنيا لا تساوي شيئا. ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، كما جاء في مسلم عن أبي هريرة. ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. كم تستغرق ركعتين؟ شيء يسير من الوقت، ومع هذا خير من الدنيا وما فيها. اركع ركعتين، ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. وفي حديث أبي هريرة في البخاري: «إن موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». موضع السوط هذا، الصوت وموضعه، ما مقدار هذا الموضع في الجنة؟ مقدار الصوت، ولا شيء، وهو خير من الدنيا وما فيها. الدنيا لا تساوي شيئا. ورحم الله سعيد بن المسيب رحمة واسعة، حين جاءه الرسول من الأمير يريد أن يخطب بنت سعيد لابن الأمير. فجاء هذا إلى سعيد بن المسيب رحمه الله وقال له: «يا سعيد، قد جاءتك الدنيا». ماذا قال؟ قال: «الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فماذا عسى أن يقتص لي من ذلك الجناح؟». جاءتك الدنيا، وكم من هذا الجناح يقتص لي؟ عرف حقيقة الدنيا، ولم يغر به، وعمر رضي الله تعالى عنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد كان متجعا، قد أثر الحصير على ظهره الشريف عليه الصلاة والسلام، بكى عمر بكى عمر الخطاب رضي الله تعالى عنه. قال له عليه الصلاة والسلام: «ما يبكيك يا عمر؟» قال: «يا رسول الله، هذا كسرى وقيصر يتنعمون بما هم عليه من النعيم، وأنت رسول الله». لأنه قد رأى الحصير قد أثر على ظهره، ونظر إلى خزانة بيت مال المسلمين، قد جلت خزانته، فإذا فيها شيء من الشعير، هذا الطعام، هذا المستودع الطعام، شيء من الطعام، شيء يسير جدا. وظهره قد أثر عليه الحصير، تأثر عمر وبكى، تذكر ما عليه أهل الكفر من التنعم بهذه الدنيا، وهم كفار. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» هذه جنة الكافر، الدنيا جنة الكافر، وليس كل أحد، ليس كل كافر يعني يكون له النصيب من الدنيا، بعض الناس كما يقول المثل: «لا دنيا ولا دين»، يمثلون بذلك، كما يقولون بفقير النصارى، فقير النصارى يعني لا دنيا ولا دين، هو كافر ولا دين. ما هو كل أحد، بعض الكفار ما أعطاهم الله جل وعلا شيئا من الدنيا، لأن هذه العاجلة يعطيها الله جل وعلا من شاء، ومن الناس من يحرمهم، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: «لمن شاء أو لمن يشاء»، لمن نشاء. فالدنيا يعطيها الله جل وعلا من شاء، ومن لم يشأ. من كان يريد الدنيا، سورة النجم: «من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد»، من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، لمن نريد ما نشاء لمن نريد، وهو كل أحد، لمن أراد الله عز وجل. فإذا الحذر الحذر من الاقترار بهذه الدنيا، فإنها لا تساوي شيئا. والإنسان يزهد فيها، لكن الزهد الشرعي لا يفهم أحد حين يسمع أهل السنة يزهدون في الدنيا ويبينون حقارتها، يريدون من الناس أن يطلقوها ثلاثا كما يقال، خلاص لا يعملون ولا شيء. لكن المراد أن لا تتوسع فيها المذموم، توسع في هذه الدنيا. فالزهد وترك ما لا ينفع، هذه الفضولات كما يقال، لا تتوسع، يكفيك أن تأخذ منها نصيبك، لا تتوسع فيها. توسع هذه يضرك، بقدر التوسع في الدنيا يكون التفريط والتقصير، كل ما توسعت كل ما قصرت، وكل ما قللت واستكفيت كل ما سددت وقاربت. وهذا مجرب واضح، الذي دلت عليه التجربة، والواضح كما يقال خير شاهد. انظروا من توسع في الدنيا أثر على طاعته، أثر على عبادته. ومن اقتصد بحمد الله أقرب كان إلى الطاعة وإلى الاستقامة. وهذا مثال واضح، شاهد لكل أحد. قال رحمه الله تعالى: «ولكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح القاصر الطيران. ولقد تولت بعد أن أصحابها فاستعدوا منها حل بالدبران». الدنيا لا تدوم، تتولى، من كانت عنده دنيا تولت عنه، إما صار فقيرا بعد غنى، وإما توفي ومات وترك هذه الدنيا. ماذا انتفع بهذه الأموال؟ غرته الدنيا وجعلته يجمع ويجمع ويجمع من حطامها، ثم غدرت به وتولت عنه، وقالت له: «هذا فراق بيني وبينك». وقد كان يظن أنه على سعادة وعلى فرح، انتقلت تلك السعادة إلى شقاء، وذلك الفرح إلى حزن وإلى هم وغم. فالسعد منها حل بالدبران، يعني السعد منزله من منازل النجوم يتفاءلون بها، والدبران منزلة من منازل النجوم يتشاءمون بها. وليس هذا من الإقرار من ابن القيم رحمه الله تعالى لتشاؤم أو تفاؤل بالنجوم، لا، لكن هذا من التصوير ومن البلاغة، لأن الناس على هذا الواقع، فمنهم من يتشاءم، ومنهم من يتفاءل، فخاطبهم بما هو عندهم. فما كانوا يأملون وما كانوا يتفاءلون به ويظنون أنه سيكون لهم كذا وكذا منه، وسيكون لهم مكانة، هذا كله انعكس عليهم، صار شؤما عليهم، هم ظنوه خيرا لهم، ولكن صار شؤما عليهم. قالوا: «طائركم معكم»، أئن ذكرتم هم تشاءموا وتطيروا بالرسل. والله جل وعلا قال لهم على ألسنة رسله: «طائركم معكم»، أي بسبب كفركم وشرككم. فالشؤم يكون بسبب المعاصي، إنسان يأتيه الشؤم ويأتيه الهم ويأتيه الغم بسبب الذنوب والمعاصي. ويكون على سعادة وعلى خير وعلى فرح، بالطاعة وبالاستقامة على شرع الله جل وعلا. فإذا لا تقتر بدوام هذه الدنيا، فإنها سريعة التقلب والتلون. يؤتى بأنعم أهل الأرض، أنعم أهل الأرض، هذا ما في أحد أنعم منه، لكنه من الكفار، كما أقول من أهل النار، فيغمس غمسة واحدة في النار، فيقال له: «هل مر بك نعيم قط؟» يقول: «لا، ما مر بي نعيم». أين النعيم؟ وأين القصور التي كان يتنعم بها؟ وأين وأين؟ كل هذا يقول: «ما مر بي نعيم قط». بمجرد غمسة واحدة، غمسة واحدة في النار تنسيه كل الملذات والشهوات التي ناضل لأجلها وجاهد لأجلها وعمل لأجلها ووالى لأجلها وقاطع لأجلها وسهر لأجلها، تنسيه كل هذه الملذات. وآخر أبأس أهل الدنيا، لكن من أهل الجنة، من أهل الطاعة، من أهل الاستقامة، فيغمس غمسة واحدة في الجنة، فيقال له: «هل مر بك بؤس قط؟» فيقول: «لا، ما مر بي بؤس». كل هذه الهموم التي مرت به في الدنيا، والغموم والمشاكل والفتن وإلى آخر ذلك، لكن بسبب طاعته واستقامته وتجرده لله جل وعلا، وإنصافه، وتمسكه بالكتاب والسنة، كل هذا كان من ثمراته أن يغمس هذه الغمسة في الجنة، تنسيه كل الشقاء وكل البؤس. فهذا هو الميزان الحقيقي لأهل الجنة، يظهر فيما بعد. كل النعيم الذي يظنه الإنسان نعيما في الدنيا، هو على حساب تفريطه في جنب الله، يصير عذابا وجحيما. نسى الله، العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: «لا يرتجى منها الوفاء لصبها»، أين الوفاء من غادر خوان؟ هذه الدنيا ليست وفية لأحبابها ولعشاقها ولصبها ممن تعلق بها وعشقها، ليس عندها وفاء لأحد، فهي غدارة وهي خائنة. فكيف أنت ترجو الوفاء وترجو الخير ممن هو غادر وخائن؟ فالدنيا غدارة، تبهت منها، تغرك لكي تسير معها، تزين لك هذه الدنيا وأنت تتبعها، فإذا بها قد غدرت بك وقد خانك. من هذا الذي لم تغدر به الدنيا ولا مرة، ووفت لأحد؟ حتى يقول إنسان: «لا، ربما تفي في بعض الأحيان تفي بوعودها». أبدا ما وفت لأحد أبدا. الوفاء ليس من أخلاقها وليس من شيمتها. وكما قال سلمان الفارسي: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله أو عالما أو متعلما ملعون ما فيها». قال: «طبعت على كدر، فكيف ينالها الصفو؟» هذه الدنيا طبعت على كدر، جبلت على هذا، هذه طبيعتها، وهذه خلقتها، طبعت على كدر، طبعت على هموم وغموم وأحزان، طبعت على فتن ومشاكل، هذه طبيعة هذه الدنيا. من هذا الذي ليس عنده مشاكل؟ ما يسلم أحد من الفتن، ولا يسلم أحد من مشاكل. فتنة الرجل في ماله وأهله وولده، دنيا دار فتن والمشاكل، هذه طبيعتها أصلا دار ابتلاء ودار اختبار ودار تمحيص، تميز الصادق من الكاذب، تميز المحق من المبطل، يتميز العادل من الظالم، دار ابتلاء ودار اختبار، هذه حقيقة الدنيا. طبعت لهذا. وكما قال: «جبلت على كدر، حكم المنية في البرية جاري. ما هذه الدنيا بدار قرار، جبلت على كدر، وأنت تريدها صفو من الأقدار والأكدار، فاقضوا مآربكم عجالا، إنما أعماركم سفر من الأسفار». هكذا هي الدنيا، تعجل أنت واقض مآربك منها، شمر في طاعة الله جل وعلا، سابق وسارع في مرضات الله سبحانه وتعالى، بعجالة، أمر الآخرة وتعجل فيه، فتعجل العمل فيها، لا تسوف، تقول: «لا، لا بأس، لا تسارع». تبيت الله جل وعلا بادر بالتوبة، سارع بالتوبة، لا تعجل ولا تسوف أبدا، فتقضي مآربك منها عاجلا، لأنك في سفر، وعمرك هذا في الدنيا، في الدنيا إنما سفر من الأسفار. قال رحمه الله تعالى: «يا عاشق الدنيا، تأهب للذي قد ناله العشاق كل زمان». تأهب هذا، وعيت، إذا رضيت بالدنيا وآثرت الدنيا على الآخرة وركنت إليها، فتأهب واستعد لما استعدت لك به هذه الدنيا، فقد صرعت عشاقها في كل زمان وفي كل أوان، صرعتهم. يقول يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى، كما في جامع العلوم والحكم: «الدنيا خمر الشيطان، الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا نادما مع الخاسرين». انتبه، الدنيا مثل الخمر، هذا خمر الشيطان، الدنيا خمر الشيطان، انتبه تشرب، من سكر منها من هذه الدنيا خسر خسرانا عظيما، ولم يفق من سكرته إلا وهو في معسكر الخاسرين والنادمين. صرعته مع من صرع من قبله، فانتبه واحذر، تأهب للذي استعد، إذا كنت منها للدنيا فاستعد لهذا الذي سيأتيك وحتما سيأتيك، وهو صرع هذه الدنيا لك، ستصرعك، لأن كل عاشق عاشقها قد ناله ذلك الصرع، صرعته. أو ما سمعت؟ بل رأيت مصارع العشاق من شيب ومن شبان، لا تميز، تصرع الكبير والصغير والشاب والشيخ، لا تميز، إما بالحرمان منها حين تنقلب وتغلب ظهر المجن لأصحابها، أو إما بالموت، الساعة سيموت، سواء كان صغيرا أو كان شابا أو كان شيخا. تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر؟ فكم من صغار يرتجى طول عمرهم، وقد أدخلت أرواحهم أو قد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر. وكم من صحيح مات من غير علة، وكم من سقيم عاش حينا من الدهر. فالإنسان لا يدري، لا يقول: «أنا شباب الآن، تمتع مدام أنني شباب، وبعد ذلك يأتي الشيخوخة». لا، الشباب شمر في طاعة الله، أحد السبع الذين يظلهم الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله: «شاب نشأ في طاعة الله». والشباب اليوم مثل الله، العافية والسلامة، يقولون: «نحن شباب، تركونا نقضي شبابنا ونستغل وقت الشباب». لا، نحن شباب، عندنا قوة، تستغل الشباب في ماذا؟ في المعاصي، في الشهوات والملذات، في التفريط في طاعة الله جل وعلا، تستغل الشباب في طاعة الله، غدا ستكون شيخا. اليوم تستطيع أن تذهب وتأتي إلى الحج وإلى العمرة وإلى جهات في سبيل الله، لعلاء كلمة الله، وتفعل وتفعل، استغل هذا الشباب في طاعة الله سبحانه وتعالى، وليس في هذه الدنيا، وفي ملذاتها، في فسحة وفي سياحة وفي لهو ولعب. قد ذكر عن المسيح عليه السلام، كما ذكر بعض العلماء: «أنه رأى الدنيا على هيئة عجوز شمطاء، على هيئة عجوز شمطاء، لكن عليها من الحسن الشيء الكثير، عليها من الحلي والجواهر». وهي عجوز شمطاء، فقال لها: «كم تزوجت؟» قالت: «كثير، لا أحصي كم تزوجت». فقال لها: «هل كلهم ماتوا عنك؟» قالت: «لا، كلهم صرعتهم»، كلهم صرعتهم، يعني من تزوجت قتلتهم، ما تركت يعني بموت مات، لا هي التي قتلتهم، يعني أن الدنيا هذه صرعت كل من تعلق بها، وكل من عشقها، فقد صرعت هؤلاء العشاق. فلذلك المسلم أن يعرف حقيقة الدنيا، وأن يتنبه لما فيها، ولا يغتر بحطامها الفاني الزائل. ولما زهد ابن القيم رحمه الله تعالى في هذه الدنيا، وضّح حقيقتها، رغب في الآخرة وفي الدار الباقية. ولذلك ذكر فصلا بعد ذلك في الجنة، وما أعده الله جل وعلا لأهل التقوى والإيمان في جنته سبحانه وتعالى. وهذا الفصل الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في دروسنا اللاحقة. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.