وصف الجنة من نونية ابن القيم 6

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 6، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

عواقب تفضيل الدنيا على الآخرة وآثاره

تفضيل الدنيا على الآخرة يؤدي إلى الهم والغم والتعب المستمر، بينما يجلب الإيمان والاستعداد للآخرة السعادة والراحة. من يفضل الآخرة يجد طمأنينة في قلبه بينما يعاني من يفضل الدنيا من غليان وحزن وضيق.

الغربة والوحشة في طريق الإخلاص لله

المؤمنون المخلصون لله قد يجدون وحشة بسبب قلة من يسيرون على طريق الله، لكن هذه الوحشة محمودة وهي الغربة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم. الناس إما أن يكونوا عبيدًا لله أو للشيطان.

ختام الدرس والدعاء ومواصلة الحديث

يتم ختام الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه مع الإعلان عن نوايا لمواصلة الحديث في الدرس التالي حول الهوى وشهوات النفس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فيقول إمام القيم رحمه الله تعالى: صاحبوا الأماني وابتلوا بحصولهم، ورضوا بكل دنية وهوان، كدحا وكدا لا يفتر عنهم، ما فيه من غم ومن أحزان. أي أنهم في كد وفي كدح دائم ومستمر لا ينقطع، وفي تعب وفي شقاء، وفي سهر مستمر لا ينقطع، وفي هم وغم. هذه حقيقة من آثر الدنيا على الآخرة. وإن كذب على الناس، تظاهر يظهر أنه مسرورا وفرحا وبشوشا ويضحك، ربما غالب السعادة هو يضحك ويفعل هذا تظاهرا. ما هي الحقيقة؟ الحقيقة أن الذي آثر الدنيا على الآخرة وركن إليها واشتغل بملذاتها، صارت همه يصبح لأجله ويمسي لأجله. هذا في هم وفي غم وفي تعب وفي شقاء لا يعلمه إلا الله، لكنه يظهر أنه على فرح وعلى سرور وعلى راحة، وربما يلبس من أغلى الثياب، ويسكن أفضل الدور والقصور، ويركب أفخر السيارات. وهذه ليست هي الحقيقة، السعادة بالإيمان والطاعة، السعادة بالاستعداد ليوم الآخرة، ليست بالشكليات. كم من الناس من نظر إلى مظهرهم، قال: هذا أشقى الناس وهو أسعد الناس، لأن النظر إلى المظاهر، نظر الناس إلى المظاهر، من رأى مظهره جميلا وقد كسى نفسه باللباس الفاخر، ويركب المركوبات الفاخرة، قال: هذا أسعد الناس. وما يدري عن الحقيقة التي يعيش فيها. وآخر مسكين، معه ما يكفي والحمد لله، مستور الحال، وهو سعيد، ليس في كد وليس في كدح، وليس في هموم دائمة وغموم مستمرة. لماذا؟ لأنه لم يؤثر الدنيا على الآخرة، عرف حقيقة الدنيا، وعرف الغرض من هذه الدنيا، ولأجل ماذا خلقت. وعلم أن هذه الدنيا يأخذ الإنسان منها نصيبه، ولا تنسى نصيبك من الدنيا، والنصيب شيء يسير. وهو كثير النصيب الكثير الذي يجب أن يستعد الإنسان له، ويحصله نصيب الآخرة. لكن الآن صار العكس، قلبت الآية: ولا تنسى نصيبك من الآخرة. ساعة لربك وساعة لقلبك ويأتيها ساعة بساعة، مع أنه لا ينبغي، وإنما المسلم عليه أن يجعل جميع ساعاته لله جل وعلا، ما في ساعة للمعاصي، وساعة للعب، وساعة للغفلة عن ذكر الله جل وعلا. قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين. الحقيقة أنها أكثر الساعات لأجل الدنيا. اليوم 24 ساعة، كم منها للآخرة؟ إذا قوم الإنسان نفسه مع هذه الأربع وعشرين ساعة، كم جعل منها للآخرة؟ أغلب الناس وأكثر الناس، إلا من رحم الله، أكثر الساعات لأجل الدنيا. إن حافظ على صلاة الجماعة خمس صلوات، هذا يمكن أفضل الناس، وإلا فأكثر الساعات لأجل الدنيا، في الكد والجري والكدح والتعب، سفر من بلاد إلى أخرى، من أمريكا إلى بريطانيا، ومن بريطانيا إلى فرنسا، ومن فرنسا إلى... كده جري وراء الدنيا هذه الفانية. وأين الفرائض؟ وأين الحقوق؟ حقوق الأولاد، حقوق الزوجة، حقوق... أنت ممر بحقوق، ما هو تلهث وراء الدنيا وتجري وراء الدنيا؟ وكلامك كله في الدنيا؟ تسهر؟ تعب؟ هذه حقيقة هذا الصنف الذي آثر الدنيا على الآخرة. كما يقول إمام القيم رحمه الله تعالى: كدحا وكدا لا يفتر عنهم؛ لأنه مستمر معهم. وهذا عقاب، هذا عقاب عاجل من الله جل وعلا لهؤلاء، وعذاب الآخرة أشد وأبقى. لكن هذا من العقاب العاجل. والله يرثى لهم، والله يرثى. معهم الأموال نعم، معهم... معهم، لكن الله يرثى لأحوالهم. ليست لهم ساعات مع أهلهم يستأنسون بهم وبأولادهم، ليست لهم مجالات في تحصيل أو أوقات تحصيل العلم، في الجلوس في المساجد، لحظات... يعني حرموا من أشياء كثيرة، وصار كدهم وكدحهم لأجل الدنيا. هؤلاء مساكين، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، كما قال بعض السلف. وعندهم من الهموم والغموم والأحزان التي لا تنقطع، وهذا من العقاب العاجل. لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول -كما في حديث حريز بن عثمان عند ابن ماجة وغيره، صلى الله عليه وسلم، صححه الألباني رحمه الله تعالى-: من كانت الدنيا نيته، جعل الله جل وعلا فقره بين عينيه، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيته، جعل الله جل وعلا غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. الدنيا هي لتجري وراءه، لا كالذي يجري وراء الدنيا وفي كده وفي كدح. لكن الذي كانت الآخرة نيته، الدنيا هي لتجري وراءه، تجري وراءه وهو قد عقلها، وقد فهمها، وقد عرف حقيقتها، فيأخذ منها نصيبه ميسرا من عند الله جل وعلا. وفي اللحظة التي يغفل عنها، نسى الله، العافية والسلام، ربما يفتتن. لكن هو قد عرف حقيقة الدنيا، فهو يأخذ منها كالشجر التي نزلت ثمارها ليكتفها الشخص. فرق بين من جعل همه هم الآخرة، وبين من جعل همه هم الدنيا. وفي حديث عبد الله بن مسعود عند ابن ماجه أيضا، صلى الله عليه وسلم، قال: عبد الله بن مسعود سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من جعل الهموم هما واحدا، هم آخرته، كفاه الله هموم دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديته هلك. إذن الدنيا هموم كثيرة وأحزان، أن تختصر الطريق، تريد أن يكفيك الله جل وعلا هذه الهموم، اجعل همك هم الآخرة، فالله جل وعلا يكفيك هذه الهموم، تيسر أمورك. وكما قال ابن سلمة: ملأ صدره غنى، ويديه رزقا. هذا يتفرق. لعباد الله جل وعلا من تفرق لعباد الله جل وعلا، ملأ الله صدره غناء. والغناء كما قال ابن سلمة: ليس عن كثرة العرض، الغناء غناء القلب. إذا ما كنت ذا قلب قنوع، فأنت مالك الدنيا سوى. إذا وجدت القناعة في القلب، هذا هو الغناء الحقيقي. فإذا هذا كما ذكر ابن قيم رحمه الله تعالى، وصف وحال المؤثرين للدنيا على الآخرة. والله لو شاهدت هاتيك الصدور، رأيتها كمراجل النيران. يصف رحمه الله تعالى، يبين صدور المؤثرين للدنيا على الآخرة، شبهها كالقدور التي تغلي. القدور الآن التي فيها الماء وعلى النار تغلي ولها صوت، هذه المراجل التي هي على النيران، والقدور... وهذه هي الصدور المؤثرين للدنيا على الآخرة، صدورهم تغلي كهذا الغليان. الشحناء والبغضاء والحزن، إذا فاته شيء من المحبوبات، حصله الآخر وهو لم يحصله، صار في هم وغم وحزن. وبينهم التحاسد، وبينهم التنافس في الدنيا والأحقاد. صدور... صدور تغلي بهذه الأشياء، كغلي تلك المراجل على النار. والله لو شاهدت هاتك الصدور، رأيتها كمراجل النيران. ووقودها الشهوات والحسرات والآلام، لا تخبو مدى الأزمان. هذه وقود هذه الصدور، الماء الذي يغلي في القدور، وقوده النار. وأما هذه الصدور التي تغلي، وقودها الشهوات والحسرات، تغلي بسبب هذه، بسبب ما فيها وما حل فيها. هذه الصدور من الحسرات والآلام والضيق والهم والحزن وغير ذلك. تجده في الليل ساهرة، وفي النهار يهرول. قال: طلع الدولار، قال: نزل الدولار، طلع ضغطه، ونزل الدم، وطلع السكر... ما صاعد بين سكر وبين ضغط دم وبين... هذه؛ لأن الصدور هنا تغلي، سبب هذه الآلام والأحزان الغالب، معلقة بالدنيا، فصار... صارت على هذا الحال، وعلى هذا الغليان الذي في الصدور. لكن لا يراه الناس، لا يرى الشخص صدور هؤلاء المفتونين بالدنيا. وإلا لو فتحت هذه الصدور وكشفت، نراه كيف هذه الصدور، كما يقول ابن قيم رحمه الله تعالى: لو شهدت هذه الصدور، كيف تراها على حقيقتها، ما فيها من الحسرات والندم والحزن والأسى إلى آخر ذلك. قال: لا تخبو مدى الأزمان، يعني لا تنطفئ هذه النار. نار... نار الماء، نار الطعام يغلي فيها الماء، ساعات يتوقف، القدور التي فيها الماء تغلي عادة، ثم تتوقف. لكن الغليان الذي في الصدور لا ينطفئ، الغليان الذي في صدور المفتونين بالدنيا على الآخرة لا ينطفئ، فهو غليان مستمر لا يخبو، يعني لا ينطفئ. وفي مختار الصحاح: خبأت النار، أي انطفأت. فلا تخبو مدى الأزمان، يعني لا تنطفئ، نار مشتعلة دائما، وغليان مستمر. قال رحمه الله تعالى: أبدانهم أجداث، هذه النفوس اللائقة قبرت مع الأبدان. أبدان هؤلاء هي قبور نفوسهم، أرواح المؤثرين للدنيا على الآخرة، أي قبرت في أبدانهم، صارت قبورهم. صارت أبدانهم قبورا لأرواحهم، فأرواحهم قبرت في أبدانهم. أبدانهم أجداث، يعني قبور هاتيك النفوس اللائقة، قبرت مع الأبدان. فقبرت مع الأبدان، صارت الأرواح والنفوس مقبورة في الأبدان والأجداث، يعني القبور. ونفخ في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلوا، يعني من القبور. فصارت أرواحهم... صارت نفوسهم قد قبرت مع أبدانهم. أرواحهم في وحشة، وجسومهم في كدحها، لا في رضا الرحمن. أرواح هؤلاء في وحشة دائما، فهم في وحشة مستمرة، لا يجدون الأنس بالله جل وعلا، حرموا الأنس بالله جل وعلا والراحة النفسية؛ لأن هذا لا يتحصل إلا بطاعة الله جل وعلا، وبذكر الله جل وعلا، يجد الإنسان الأنس واللذة والراحة. أما إذا ركن إلى الدنيا وآثرها على الآخرة، فهذا لا يجد هذا الأنس الذي هو من الثواب العاجل. هذا من الثواب العاجل، اللذة التي يجدها المؤمن في الدنيا والراحة، هذا من الثواب من الله جل وعلا العاجل، ثواب حسي، ثواب حسي حاصل موجود في الدنيا قبل الآخرة. وثواب الآخرة أعظم وأعظم. فما يجد المؤمن من لذات وراحات وسعادة تغمر قلبه حين يدي طاعة الله جل وعلا، فهذا من الثواب العاجل. ومن بشرى المؤمن، من عاجل بشرى المؤمن، ومن عاجل بشرى المؤمن في هذه الدنيا؛ لأن المؤمن له بشرى عاجلة وبشرى آجلة، له بشرى عاجلة في الدنيا وبشرى آجلة في الآخرة. فمن البشرى العاجلة أن يجد هذه اللذات، ويجد ثناء الناس عليه، ولم يحرص على ثناء الناس، لم يحرص على ثناء الناس. إذا حرص على ثناء الناس خسر. لكن يجد... ويعمل الأعمال، ويجتهد ويسابق وينافس، يريد الثواب من الله جل وعلا، لا يريد ثناء الناس، ولا المدح، ولا... ومع هذا، ولم يرد ذلك، ومع هذا يجد ثناء الناس وشكر الناس له: جزاك الله خيرا، وكسر الله من أمثالك، وإلى آخره. هل أرادها ابتداء؟ لا. إذا أرادها ابتداء ما حصل. إذا أراد هذا ابتداء ما حصل له. لكن إذا لم يردها، حصل. للعكس، إذا قصده لم يحصله، فاته. وإذا لم يرصده، حصله؛ لإخلاصه. ودرجة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث مسلم، عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، أنه سئل رضي الله عنه: إنا نعمل العمل، ونجد ثناء الناس، يعني نعمل العمل لله عز وجل، نخلص فيه، لكن نجد ثناء الناس. فقال الله عنه وسلم: تلك عاجل بشرى المؤمن. تلك عاجل بشرى المؤمن، ما دام أنه يعمل الأعمال لله، أخلص فيها لله جل وعلا، لا يريد الدنيا، لا يريد المال، لا يريد الفخر والحسب والمنصب إلى آخر ذلك. فإذا وجد الثناء، وجد الذكر الحسن، فهذا من عاجل بشرى المؤمن. لكن هؤلاء المؤثرين للدنيا على الآخرة، حرموا كل هذا، حرموا كل هذا. فصاروا في وحشة والعياذ بالله. أهل الآخرة والمؤثرون للآخرة على الدنيا، قد تمر بهم وحشة، تمر بهم وحشة. لكن هذه الوحشة محمودة، وهي الغربة. غربة يجدون غربة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، في حديث أبي ربيعة العمر، صحيح: إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. أهل الطاعة والإيمان في غربة بين الناس، وربما هذه الغربة تورث وحشة. لكن لا يستوحش العاقل، لا يستوحش. ورحم الله الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، قال: لا تستوحش من قلة السالكين، ولا تقنط بكثرة الهالكين. لا تقنط بكثرة الهالكين. تقول: أكثر الناس على كذا، وأهل الطاعة قليل. لا... ولا تستوحش. هذه الوحشة تصبر عليها. يا غربة... داقها أنبياء الله، داقها أتباع الأنبياء. عاشوا في غربة، أصحاب الكهف تركوا أهلهم، تركوا ديارهم، وصاروا في الكهف تلك الفترة الطويلة. ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين، وازدادوا تسعة. الأنبياء منهم من شرد، ومنهم من طرد، ومنهم من هاجر. والصحابة تركوا مكة، وتركوا أهلهم وأموالهم وديارهم. الفقراء المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون. هكذا أتباع الأنبياء والصالحون، تمر بهم هذه الغربة، ولابد منها. لكن هذه محمودة. لا تستوحش من هذه الوحشة التي تجدها حين ترى أكثر الناس على غير الجادة، وعلى غير الصراط المستقيم. فأنت على خير. نفس الذي يقول: فطوبى للغرباء. وجاء في وصفهم خارج الصحيح: هم الذين يصلحون ما أفسد الناس. قال رحمه الله تعالى: هربوا من الرق الذي خلقوا له، فوقعوا في رق النفس والشيطان. هؤلاء الذين آثروا الدنيا على الآخرة، هربوا من الرق، ووقعوا في رق... كالمستجير بالرمضاء بالنار، كالمستجير من الرمضاء بالنار. كمن استجار من الحر لزعمه والشدة إلى النار، مع أنه فرق عظيم. هربوا من الرق الذي خلقوا له. خلقنا لأجل عبادة الله جل وعلا، فكلنا أرقاء، ما فينا أحد حر، ما فينا أحد حر أبدا لله جل وعلا. ما يوجد هناك حر لله أبدا. وإنما الناس كلهم أرقاء لله في الدنيا، هناك الحر وهناك الرقيق، العبد المملوك للبشر. أما لله جل وعلا فلا يوجد حر. الناس كلهم أرقاء لله جل وعلا، وخلقوا لأجل هذا الرق، خلقوا لأجل أن يكونوا أرقاء، وأن يكونوا عبيدا لله جل وعلا. وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. هذا الرق الذي خلقنا الله جل وعلا لأجله. فمن هرب من هذا الرق، ومن أراد أن يتحرر بزعمه من هذا الرق، فإنه سيكون رقيقا للشيطان. واختر لنفسك، اختر لنفسك يا عبد الله: هل تريد أن تكون عبدا لله، أو تكون عبدا للشيطان؟ لا ثالث... ما في اختيار إلا هذين فقط. إما أن تكون عبدا لله ورقيقا لله، وإما أن تكون عبدا للشيطان. من هذا الذي يقول: أريد أن أكون رقيقا للشيطان؟ ترضى أن تكون رقيقا للشيطان، بإبليس الذي لعنه الله وطرده من رحمته، بهذا الفاجر، بهذا الخبيث؟ لا. إذا كنت رقيقا لله، وكن عبدا لله، وطائعا لله. إذا هربت من هذا الرق، وقعت في الرق الآخر. أنا معهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني. هذا صراط مستقيم. لا تعبدوا الشيطان، ولكن اعبدوا الله. لكن إذا عبدت الشيطان، صرت رقيقا له، وعبدا له، تركت عبادة الله جل وعلا. ولابد صرت عبدا له، ولهوى نفسك، ولشهوات نفسك المنارة بالسوء. فكن عبدا لله جل وعلا، لا تكن عبدا للشيطان، ولا للهوى. أنت إما أن تجعل الله جل وعلا إلهك، وإما أن تجعل الشيطان وهوى نفسك إلهك. هناك طائفة يقال لها: عبدة الشيطان، يعبدون الشيطان. طائفة وفرقة، عبدة الشيطان يعبدون الشيطان، عباد الشيطان. ربما سموا أنفسهم عباد الشيطان، نسأل الله العافية والسلام. فكن عبدا لله، لا تكن عبدا لهواك. أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ وأضله الله على علم. اتخذ إلهه هواه، صار هواه إلها له، هو صار عبدا له، صار عبدا لهذا الهوى الذي دعاه إليه الشيطان، صار عبدا له. وفي الآية الأخرى: أرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ أفأنت تكون عليه وكيلة؟ فالهوى شر إله عبد في الأرض، كما قال بعض السلف. والكلام في الهوى تحذير من الهوى، نصوص به كثيرة. أريد أن أذكرها. وضاق المقام بذكرها. فإن شاء الله تعالى نواصل في ذيل الهوى وشهوات النفس في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.