الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحاضر النوع الثالث من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات، مستدلاً بآيات سورة مريم وسورة الفاتحة التي تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة. ويرد على من ينكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام مؤكداً مشروعيته.
يبين المقطع أن أنواع التوحيد الثلاثة وردت مجتمعة في سورتي الفاتحة والناس، وأن هذا التقسيم لغرض التقريب لا يشبه التثليت النصراني. ثم يركز على تعريف توحيد الأسماء والصفات بالإيمان بما وصف الله به نفسه إثباتاً بلا تكييف.
يشرح سبب تسمية أسماء الله بالحسنى لثلاثة أسباب: إضافتها لله الأعظم، تضمنها أكمل المعاني، وتنزهها عن النقص. كما يبين أنها أعلام دالة على المسمى وأوصاف دالة على الصفات.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد وقرر تأجيل بقية المباحث إلى الدرس المقبل. واختتم الجلسة بالشكر للحضور.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الحادي والخمسون: ما هو توحيد الأسماء والصفات؟ بعدما انتهى من بيان توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ذكر هنا النوع الثالث من أنواع التوحيد، وهو توحيد الأسماء والصفات. ويشوش ويضع أعداء التوحيد شبهة، حيث يقولون: من أين لكم هذا التقسيم؟ تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام. عباد القبور ينكرون هذا التقسيم لأنه يخالف طريقتهم ويخالف عملهم وفعلهم، ولذلك ينكرون هذا على أهل السنة. والجواب: أن أهل العلم بالنظر في أدلة الكتاب والسنة، وبالتتبع والاستقراء لأدلة الكتاب والسنة، وجدوا أن التوحيد لا يخرج عن إحدى هذه الأقسام الثلاثة. وهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل عليها، بل بعض الآيات والسور جمعت هذه الأقسام الثلاثة. فمن الآيات قول الله سبحانه وتعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، هذا فيه توحيد فعل الله عز وجل، وهو الخلق والتدبير والتصريف -أو التصرف- ونحو ذلك. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فالرب بمعنى الخالق سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾، هذا فيه توحيد الألوهية، الأمر بعبادة الله، وهو فعل العبد وطلب العبد. وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، أي كفؤاً ونداً ومساوياً، فهذا فيه معنى توحيد الأسماء والصفات. وكذلك سورة الفاتحة، لمن تدبرها وتمعّنها، لوجد أنها اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذا فيه توحيد الربوبية: رب العالمين. ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا فيه توحيد الأسماء والصفات، إذ أثبت لنفسه سبحانه وتعالى هذين الاسمين: الرحمن والرحيم، المتضمنتين لصفتي الرحمة. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، هذا أيضاً فيه توحيد الربوبية، وهو مالك لذلك اليوم وحده سبحانه وتعالى. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هذا فيه توحيد الألوهية، إذ أن العبد يقر بأن الله هو المتفرد بالعبادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهكذا ذكر بعض العلماء لطيفة: أن أنواع التوحيد الثلاثة ذكرت مجتمعة في أول سورة في القرآن، وهي سورة الفاتحة، وفي آخر سورة من القرآن، وهي سورة الناس. فقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، هذا فيه توحيد الربوبية. ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، فيه توحيد كذلك الربوبية. ﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾، هذا فيه توحيد ماذا؟ الألوهية. ﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ إلى آخر السورة. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فالرب هنا اسم من أسماء الله، اسم من أسماء الله. نعم، فذكر أيضاً في هذه السورة، فاشتملت هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة. وقس على هذا في آيات كثيرة. فإنما ذكر أهل العلم هذا التقسيم من أجل تقريب العلم، ومن أجل كذلك ضبط العلم، من أجل ضبط العلم. فليس معنى هذا التقسيم الثلاثي كما يغلو عباد القبور ويقولون: شابهتم النصارى في عقيدة التثليت. سبحان الله، إيش هذا الظلم؟ وهذه المشابهة التي فيها من الفارق العظيم الشاسع. فالنصارى جعلوا إلهاً آخر، أما أهل السنة فإلههم واحد، لكن جعلوا التوحيد: توحيد ربوبية، بمعنى فعل الله عز وجل، وتوحيد ألوهية، بمعنى فعل العبد، وتوحيد الأسماء والصفات، وهو هذا الذي نحن بصدده، والذي سيبين معناه المؤلف رحمه الله تعالى. قال: "الجواب: قال: الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلا، وإمرارها وإمرارها كما جاءت، بلا كيف، كما جمع الله تعالى بين إثباتها ونفي التكييف عنها في كتابه في غير موضع"، إلى آخر ما ذكر. فكما ذكر، الإيمان بالأسماء والصفات هنا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الإيمان بالأسماء، والقسم الثاني: الإيمان بالصفات. ومعنى الإيمان بالأسماء: إثبات ما أثبت الله لنفسه من تلك الأسماء، أو ما أثبته له رسوله. فأسماء الله الحسنى لا تثبت إلا بنص من كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا أولاً. ثانياً: من الإيمان بأسماء الله: اعتقاد أنها حسنى. ولذلك يقرن هذا الوصف بأسماء الله، فيقال: أسماء الله الحسنى. ومعنى "أسماء الله الحسنى": أي البالغة في الحسن، التي بلغت في الحسن الغاية، فلا حسنى وراء حسنها. وحسن هذه الأسماء يرجع إلى ثلاثة أسباب. لماذا وصفت هذه الأسماء بأنها حسنى، أي بالغة في الحسن؟ هذا يرجع إلى ثلاثة أسباب: السبب الأول: أنها دالة على أعظم وأشرف وأقدس مسمى، وهو الله سبحانه وتعالى، فلذلك وصفت بأنها حسنى. فإضافتها إليه اكتست واكتسبت حسناً، بل اكتسبت غاية الحسن. والسبب الثاني من الأسباب التي بها وصفت أسماء الله بالحسنى: أنها تضمنت أحسن ما يكون من المعاني والصفات، فهي أحسنها على الإطلاق، فهي أحسنها على الإطلاق. فكل وصف جميل وحسن، ففي هذه الأسماء قد بلغ المنتهى، وقد بلغ أحسن ما يبلغ وصف. نعم، فهي تضمنت أحسن ما يكون من المعاني والصفات على وجه الإطلاق. والأمر الثالث: أنها منزهة عن كل عيب ونقص وسوء، فليس في أسماء الله عيب ولا نقص ولا سوء، فلذلك وصفت بأنها حسنى، وصفت بأنها حسنى. هذا هو بالنسبة للأسماء الحسنى. وكذلك من الإيمان بأسماء الله أيضاً: نؤمن بأنها أعلام وأوصاف. نؤمن بأنها أعلام وأوصاف. ومعنى "أعلام": أي تدل على المسمى، فهي علم عليه. فكل اسم من أسماء الله دال على المسمى المعظم، وهو الله سبحانه وتعالى، فهو علم عليه. قولنا: "الله"، يدل على المسمى المعظم، وهو الله سبحانه وتعالى. وقولنا: "الرحمن"، كذلك دال على المسمى المعظم. وقولنا: "الرحيم"، وقولنا كذلك: "الغفور"، و"العزيز"، ونحو ذلك من الأسماء. فكل اسم دال على المسمى المعظم فهو علم عليه. هذا معنى قولنا: أعلام. وأما قولنا كذلك: "أوصاف"، أي أن كل اسم دال على صفة. فمثلاً: "الرحمن" دال على صفة الرحمة، "الغفور" دال على صفة المغفرة، وهكذا "الكريم" دال على صفة الكرم، و"العليم" دالة على صفة العلم، وهكذا. فكل اسم يدل على المسمى فهو علم عليه، ويدل كذلك على الصفة، أي صفة هذا الاسم. فهذا أيضاً مما يشمله الإيمان بأسماء الله الحسنى. والنوع الثاني من أنواع التوحيد في هذا الباب: توحيد الصفات. توحيد الصفات. ولانتهاء الوقت، إن شاء الله نؤجل هذا إلى الدرس القادم، لأن مباحثه طويلة. فنكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.