الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 97، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي وسالم عن المعارضة، وهي نوع خاص من الآيات التي أيد الله بها أنبياءه؛ فكل معجزة آية لكن ليس كل آية معجزة لأن بعضها كحنين الجذع لا يقترن بالتحدي.
تنقسم المعجزات إلى حسية تدرك بالحواس كانشقاق القمر وناقة صالح وعصا موسى، ومعنوية تدرك بالبصيرة كالقرآن الكريم، وتختلف عن كرامات الأولياء وخوارق السحرة والكهان المسخرة للشياطين.
تُميز كرامة الولي بالتزامه الإيمان والتقوى، فما يظهر مع الفسق فهو شعوذة، كما أن كرامة الولي أدنى من معجزة النبي ولا يُنسب إليه إحياء الموتى أو خلق الأشياء ولا يدعي النبوة.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت وقرر تأجيل تكملة الجواب إلى الدرس القادم، مختتماً الجلسة بالحمدلة والترجمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكم رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال المئة: ما هي معجزات الأنبياء؟ قال: الجواب: المعجزات هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة. هذا التعريف مما يفرق بين الدلائل والآيات والمعجزات، وإلا فاصطلاح العلماء المتقدمين فيما يظهر على أيدي الأنبياء من أمور خارقة يطلقون عليها الدلائل والآيات، هذا في اصطلاح المتقدمين. ثم جاء المتأخرون واصطلحوا هذا الاصطلاح في الآيات التي هي خارقة للعادة ومقرونة بالتحدي، ولا يستطيع المعارضون للأنبياء والمرسلين أن يعارضوها، بمعنى أن يبطلوها أو أن يأتوا بمثلها أو نحو ذلك. وممن ذكر هذا التفريق الحافظ ابن حجر في "الفتح" وغيره من أهل العلم، ومنهم المؤلف في هذا السؤال. ذكر أن المعجزات هي أمر خارق للعادة، يعني هي أمور غريبة عجيبة لم تجرِ العادة لوقوعها أو بوقوعها. وقوله: "مقرون بالتحدي"، بمعنى أن الأنبياء يتحدون بها المعارضين لهم، مثل عصا موسى، هذه معجزة تحدى بها موسى السحرة أن يأتوا بمثلها فلم يستطيعوا، فكان سبباً في إيمانهم برب هارون وموسى. ومثل القرآن، تحدى الله عز وجل فصحاء وبلغاء العرب أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله أو بعشر سور من مثله كما سيأتي معنا، فهي مقرونة بالتحدي. و"سالم عن المعارضة" يعني لا يستطيع المعارض أن يأتي بمثلها أو أن يبطلها. هذه هي المعجزة، وإلا فالمعجزة هي آية من الآيات التي أيد الله عز وجل بها أنبياءه ورسله، فتدخل في عموم الآيات والدلائل. فالأيات والدلائل مصطلح عام في كل أمر خارق للعادة يجريه الله عز وجل على أيدي أنبيائه ورسله. هذا خلاصة ما ذكره العلماء في التفريق بين المعجزة وبين الدلائل والآيات. فيمكن أن نقول على اصطلاح المتأخرين: أن كل معجزة فهي آية، وليست كل آية معجزة، لأن من الآيات مثلاً ما لا تقترن بالتحدي، ما لا تقترن بالتحدي، مثل نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، أو كذلك مثل حنين الجذع ونحو ذلك، هذه ليست مقرونة بالتحدي. لكن مثل القرآن، مثل انشقاق القمر، هذه معجزة لأن المشركين هم الذين طلبوا ذلك أن ينشق القمر، فأكرم الله عز وجل نبيه بهذه المعجزة. هذا على اصطلاح المتأخرين، وإلا فالمتقدمون كما تقدم لا يذكرون اصطلاح المعجزة، وإنما يجعلون كل ما يظهره الله على أيدي أنبيائه ورسله فهو من الدلائل والآيات. وقوله: "وهي إما حسية تشاهد بالبصر أو تسمع"، فالحسية هي التي تدرك بالحواس بالحس، كحاسة البصر يراها الناس بأعينهم، أو كحاسة السمع يسمعها الناس بآذانهم، فهذه تسمى معجزات حسية. مثل ماذا؟ قال: كخروج الناقة من الصخرة، طلب قوم صالح أن يخرج لهم ناقة من صخرة صماء، فبقدرة الله عز وجل أكرم الله نبيه بهذه المعجزة، فرآها الناس، رأوا أن هذه الناقة خرجت من الصخرة. وانقلاب العصا حية: ﴿ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾، يرمي بعصاه، هذه العصا الجامدة الصلبة، فإذا بها حية متحركة، حيوان يجري ويزحف على الأرض، فلا شك أن هذه آية حسية. وكلام الجمادات ككلام الحجر، تسليم النبي صلى الله عليه وسلم على الحجر والرد، وهكذا كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبعض الحيوانات ونحو ذلك. قال: "وإما معنوية تشاهد بالبصيرة"، والمراد بالبصيرة أي تعلم علماً بالقلب، كمعجزة القرآن، فالقرآن لا شك أنه من أجل العلوم التي ترسخ في القلوب، ففيه من البلاغ والفصاحة، وفيه من المعاني والدلائل والهداية والشفاء ونحو ذلك مما يلحظه المؤمن في قلبه، فهذه لا شك أنها معجزة معنوية. وقد أوتي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم... وقبل ذلك أيضاً، الأمور الخارقة للعادة ينبغي أن تفرق فيها بين ثلاثة أشياء، فليس كل أمر خارق للعادة يكون على يد نبي، لا، قد يكون على يد غير نبي. أمر خارق للعادة يعني أمر غريب عجيب لم تجرِ العادة بوقوعه، قد يحدث ذلك من غير الأنبياء، مثل ما يحدث للأولياء، ولي من أولياء الله ليس بنبي، فقد يحدث له شيء من هذا، وهذا يسمى كرامات الأولياء، ما يجريه الله عز وجل من خارق العادات على يد أوليائه، فهذا يسمى كرامات الأولياء. بل وقد يظهر خارق من خوارق العادات على يد مشعوذ أو كاهن، فهذا تسمى خوارق الشياطين، تسمى خوارق الشياطين. فقد تجد من الكهنة أو السحرة أو المشعوذين من يطير في الهواء، وهذا أمر غريب عجيب، أو يمشي على الماء، يمشي على البحر برجليه، وهذا أمر عجيب غريب، وهو كاهن، فهذا من أعمال الشياطين. ولذلك الأثر المشهور عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تصدق دعوى ولايته حتى تعرض أعماله على الكتاب والسنة». بهذا تستطيع أن تفرق بين كرامة الولي وشعوذة الشيطان الرجيم. بماذا تفرق؟ تنظر في سير هذا الشخص الذي وقعت له هذه أو وقع له هذا الخارق، هل هو من الأولياء الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾، هل هو من أهل الإيمان والتقوى، أو أنه من أهل الفسق والفجور؟ فإن كان من أهل الإيمان والتقوى فهذه كرامة قد يحدثها الله عز وجل لولي من أوليائه. وإن وقعت لفاجر عاص مخالف للكتاب والسنة في أعماله وأقواله في سلوكه في سيره، فاعلم أن هذا مشعوذ من المشعوذين وساحر من السحرة المجرمين. بهذا تستطيع أن تفرق. وأما التفريق بين كرامة الولي ومعجزة أو آية النبي، فهذا أيضاً يفرق بينهما بأمور، يفرق بينهما بأمور. الأمر الأول مما يفرق به بين دلالة النبي وكرامة الولي: أن الولي لا يدعي النبوة، لأنه لو ادعى النبوة فهو ليس من أهل الإيمان والتقوى. لا يأتي ولي ويقول: أنا أجري على يدي خوارق، فإذا أنا ماذا؟ أنا نبي. نقول له: أنت دجال كذاب، لست بولي ولست بنبي، لأن الولي لا يدعي النبوة. فمن ادعى النبوة كما تقدم معنا بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر كاذب، فهو كافر كاذب. وهكذا مما يفرق به بين دلالة النبي وكرامة الولي: أن كرامة الولي لا شك أنها تكون أدنى من دلالة النبي، أدنى من دلالة النبي. فلا يأتي ولي ويقول: أنا أحيي الموتى، هذه وقعت لنبي الله عيسى، ومع ذلك يحيي الموتى بإذن الله. أما عباد القبور فيزعمون أن أولياءهم يحيون الموتى، ولم يقولوا بإذن الله، كأنهم هم الخالقون وهم المميتون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا أيضاً مما يفرق به بين دلالة النبي وكرامة الولي. قال: "وقد أوتي نبينا صلى الله..." طيب، كأن الوقت قد انتهى، ولا نريد أن نشق عليكم. الجزء الثاني من هذا الجواب نعجله إن شاء الله إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.