الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 99، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة إعجاز القرآن من خلال تحدي الله للعرب الفصحاء بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة واحدة، وعجزهم عن ذلك طيلة ثلاثة وعشرين سنة. هذا العجز يثبت أن القرآن كلام الله غير المخلوق.
يسرد المقطع قصة كافر أسلم عند قراءته سورة المسد لإدراكه أن إخبار الله بموت أبي لهب كافراً لا يصدر إلا عن خالق عليم بالغيب. كما يستعرض آيات الإعجاز العلمي كحاجز البحرين وجري الشمس وفلك الكواكب التي صدقها العلم الحديث.
يبيّن المقطع أن الله تحدى العرب بلغتهم الفصيحة أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة منه فعجزوا عن ذلك، وأن آية النبي محمد صلى الله عليه وسلم العظمى هي القرآن الباقي إلى يوم القيامة. ويشير إلى وجوه إعجازه في اللفظ والمعنى وأخبار الغيب الماضية والآتية.
يشير المقطع إلى أن العلماء يستفيدون من القرآن قدراً قليلاً كقطرة من بحر، ومع ذلك يبقى فيه علوم ومعجزات لا تنتهي، مما يدل على إعجازه الدائم. ويختتم بذكر ترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام السنة المنشورة": السؤال المئة وواحد: ما دليل إعجاز القرآن؟ قال: الجواب: الدليل على ذلك نزوله في أكثر من عشرين سنة، متحديا به أفصح الخلق وأقدرها على الكلام وأبلغها منطقا وأعلاها بيانا. فالقرآن نزل على النبي عليه الصلاة والسلام خلال ثلاث وعشرين سنة، وفيه من الآيات التي يتحدى الله عز وجل فيها أهل البلاغة والفصاحة والبيان، إذ أن القرآن أنزل بلغتهم، أنزل القرآن بلغة العرب وهم أهل الأشعار وأهل الفصاحة وأهل البيان. ومع هذا تحداهم الله عز وجل بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾، إن كانوا صادقين في رميهم هذا الكتاب بأنه قول بشر أو بأنه سحر أو كهانة، فليأتوا بمثل هذا القرآن. وفي الآية الأخرى في أول سورة البقرة قال الله عز وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾، من الذي يقدر على أن يقول هذه الكلمة إلا رب العالمين سبحانه وتعالى الذي هو عليم بكل شيء؟ لأنه لو تجرأ أحد منهم وفعل وزعم أنه أتى بقرآن وقال: خذ يا محمد هذا الذي تحديتنا به، لسقطت دعوته عليه الصلاة والسلام. وهم حاولوا ذلك ولكن لم يستطيعوا، تصديقا لقول الله عز وجل: ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾، ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾، وما فعلوا. ولذلك قال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾. في آية أخرى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، ليس بكل القرآن بل تحداهم أن يأتوا بعشر سور، وهنا عشر سور أتى مبهم فيصدق على صغار السور وكبارها ومتوسطها أو متوسطها، فلم يستطيعوا ذلك. بل قال الله عز وجل كما سمعت: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾، سورة واحدة، وهنا أيضا أبهم فيصدق حتى على صغار السور، ومع هذا فلم يفعلوا. يش يدل هذا، يدل على أن هذا القرآن كلام الله العظيم الذي لكماله سبحانه وتعالى وعظمته لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل كلامه سبحانه وتعالى. فالقرآن معجز في لفظه وفي معانيه وفي إخباره بالغيبيات، وفي كذلك إخباره بأمور ستحدث وحدثت كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه. على سبيل المثال: أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم في أول سورة الروم في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. هذا أمر يتحقق في المستقبل، ولذلك لما سمع أبو بكر هذه الآيات تحدى العرب وذكر لهم هذا الانتصار، فوقع كما أخبر الله سبحانه وتعالى، ما مرت بضع سنين إلا ووقع ما أخبر الله سبحانه وتعالى به. كذلك في قوله عز وجل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾، فتحقق ذلك. وإخباره سبحانه وتعالى عن اليهود أنهم لا يتمنون الموت، فوقع هذا الوصف كما أخبر الله عز وجل في قوله: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. وهكذا إخباره عن أناس وهم أحياء من الكفار أنهم يموتون على الكفر، وكان الأمر كما أخبر الله عز وجل. وهناك عجائب وغرائب في سبب إسلام كثير من الكفار بسبب ما يرون من إعجاز هذا القرآن. يذكرون عن كافر من الكفار أراد أن يتعرف على ما في هذا القرآن، فترجم له، فبدأ يقرأ وهو كافر من أوله إلى أن وصل إلى سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أسلم. قيل له: لماذا لما وصلت هاهنا أسلمت؟ قال: هذا الرجل لهب معارض للنبي صلى الله عليه وسلم، فيخبر الله عنه وهو حي ويعلم بهذا الخبر عن الله بأنه سيموت كافرا وسيدخل إلى النار، ومع هذا لو قال هذا الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله ودخل في الإسلام، لبطلت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، كيف يخبر الله أنه سيصل نارا ذات لهب وهو أسلم؟ فكونه لم يوفق إلى الإسلام هذا لا يقوله إلا الخالق العليم الذي يعلم ما كان وما سيكون، لو كان كيف يكون. فكانت هذه الآيات سببا في إسلامه. ويعتبر العلماء هذه السورة من دلائل النبوة، إذ أخبر الله عز وجل أن هذا الرجل الكافر سيموت كافرا، فكان الأمر كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه. كم سنتحدث عن إعجاز القرآن في أشياء كثيرة في أمور هذا العالم، كيف يخبر الله عز وجل عن أشياء لا يطلع عليها أحد من الخلق، وبعض علماء الفلك والطب في هذا الزمان اكتشفوها بعد بحث وبعد كذلك نظر، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، ﴿بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ﴾ يحجز الماء العذب من الماء المالح، ما كان يعرف هذا الناس حتى اكتشف ذلك. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يبين ما في هذا الكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. كم من آيات ذكرها الله فبحث عنها هؤلاء الكفار فوجدوا تصديقها في كتاب الله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وجدوا ذلك. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وجدوا ذلك. كم من آيات تذكر في كتاب الله فيأتي العلم الحديث مصدقا لها. هذيش دليل ماذا؟ أن هذا من عند الخالق العليم الخبير الذي خلق هذا الكون ويعلم ما يدور فيه ويعلم ما يكون فيه. فإعجاز القرآن بحر لا ساحل له. قال: فلم يفعلوا ولم يروموا ذلك مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن، مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون. وهذا حتى يكون أبلغ في التحدي. الله عز وجل لو تتمعنون أن معجزات الأنبياء تكون بجنس ما يحسن، بجنس ما يحسن هؤلاء المعارضون. فمثلا: ما هي معجزة نبي الله موسى؟ ﴿أَنِ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، فكان السحر في قوم فرعون منتشرا، ولذلك لما أتى نبي الله موسى بهذه الآية إلى فرعون، ماذا فعل فرعون؟ ناد السحرة، وظن أن هذا من جنس ما هو منتشر بينهم، فاجتمع السحرة وظن أن هذا من السحر الذي يغلب، فألقوا عصيهم وسحرهم، فألقى موسى عصا فإذا هي تلقف ما يأفكون، فعلم السحرة أن هذا ليس بسحر، هذا أمر خارج عن السحر الذي يحسنونه والذي يتقنونه، ولذلك أسرعوا بالإيمان برب هارون وموسى. وهكذا نبي الله عيسى عليه السلام، بماذا أيده الله؟ يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فكان الطب في قومه منتشرا وكان الناس يتقنون هذا الباب، فجعل الله عز وجل الآية التي أيد بها نبيه عيسى من جنس ما يحسنون. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما كان قومه يحسنون اللغة العربية في بلاغتها وفصاحتها، جعل الله عز وجل آية نبيه العظمى هذا القرآن، وتحداهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، ومع هذا لم يستطيعوا ذلك. فهذا معنى قوله: "مع كون حروفه أي القرآن وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون وفي مجاله يتسابقون". كانت بينهم المسابقات، تعرفون المعلقات السبع؟ هذه أفضل ما جاء من أبيات شعرية وقصائد عنهم، وكانوا يعلقونها في الكعبة لأنها نالت السبع وفاز شعراؤها بالسبق في إنشاء هذه القصائد، فسميت المعلقات. فكانوا يتسابقون، وكانوا كذلك يتبارون. وهذا معنى قوله: "يتحاورون وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون". ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه، فقال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ما أبلغ هذا القرآن! يقول: يا محمد، قل لهؤلاء أهل الفصاحة والبلاغة الذين هذا القرآن بلغتهم: لو اجتمع جميع الشعراء وجميع البلغاء وجميع الفصحاء من الإنس ومن كذلك الجن من جميع أقطار الدنيا، فعملوا من صح التعبير اجتماعا أو ندوة أو كذلك مجلسا يجمعهم على أن يؤلفوا مثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ولو تعاونوا وتشاوروا واجتمعوا لا يستطيعون ذلك أبدا. هذا غاية في التحدي، هذا غاية في التحدي. وقال وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». وآيات النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الآيات وأفصح الآيات وأبلغ الآيات وأظهر الآيات، ولذلك لم تبق من آيات الأنبياء والمرسلين إلا آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو هذا القرآن، يعني مما يراه الناس ومما يعايشه الناس. أما كما تقدم بقية معجزات الأنبياء ذكرت لنا وأخبرنا بها ولم تبق، يعني لم يرها الناس إلى الآن، فلم يبق إلا هذا القرآن. فلذلك كان ما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم أفصح وأبلغ المعجزات. وهذه الآيات لا شك أن من أعظم ثمارها الإيمان، ولا لا يصرف عن الإيمان بها إلا المحروم، وإلا فهي آيات عظيمة، كيف تحداهم الله عز وجل ولم يستطيعوا، ومع هذا بقوا على كفرهم؟ إنما هذا هو الجحود والكبر والعناد، وإلا فالحق واضح بيّن، وكل من اطلع على شيء من هذه المعجزات والآيات لا يسعه إلا الخضوع، وإلا التسليم والإيمان بها. قال: وقد صنف الناس في وجوه إعجاز القرآن من جهة الألفاظ والمعاني والأخبار الماضية والآتية من المغيبات، كما تقدم معنا: القرآن معجز في لفظه، فألفاظه غاية في الفصاحة والبلاغة، تقرأ الآية في كلمتين وتحمل معاني عظيمة، وهو معجز في لفظه ومعجز في معناه. وأيضا الأخبار الماضية: أخبر الله عز وجل عن قوم عاد، عن قوم هود، عن قوم صالح، وهذه أمور ماضية لا يعلمها أحد وإنما يعلمها علام الغيوب سبحانه وتعالى. وهكذا والآتية من المغيبات. ومثلنا على ذلك، وما بلغوا من ذلك، أي من نال استخراج إعجاز القرآن من القرآن، ما بلغوا من ذلك إلا كما يأخذ العصفور بمنقاره من البحر. لا إله إلا الله، لو جاء العصفور وأخذ بمنقاره من هذا البحر الشاسع الواسع الملي بتلك المياه العظيمة، كم نسبة ما يأخذه هذا الطائر؟ هذا العصفور نسبة لا تذكر. فهكذا يأتي العالم فيأخذ من هذا القرآن من الإعجاز ومن الدلائل ومن المعاني، ومع هذا فلا يزال القرآن فيه العلوم الكثيرة والمعجزات العظيمة. فهذا دليل على أن هذا القرآن معجزة عظيمة لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي معجزاته. فهذا معنى قوله: "وما بلغ من ذلك إلا كما يأخذ العصفور بمنقاره من البحر". فهذا هو دليل إعجاز القرآن، وبه نكتفي. وإله الله تعالى ترجمة نانسي قنقر.