الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور معنى الشرك في توحيد الربوبية بأنه اعتقاد متصرف مع الله في تدبير الكون، مستعرضاً صوره عند المجوس والنصارى وعباد القبور والملاحدة. ويبين كيف تنسب كل طائفة أفعالاً ربوبية لغير الله كخلق الأجنة أو إنكار الخالق بالكلية.
يستعرض المحور أنواع شرك الربوبية كإنكار وجود الرب والحلول والاتحاد وادعاء الربوبية، موضحاً أن من اعتقد أن غير الله يخلق أو يرزق فقد أشرك. ويستدل المؤلف بآيات من سورة فاطر ويونس تثبت أن الله وحده مالك النفع والضر والخالق الرازق.
يبيّن المحور أن اعتقاد قدرة الأولياء على كشف الضر أو جلب النفع هو شرك في الربوبية، مستدلاً بآيات وأحاديث تؤكد أن الله وحده مالك الضر والنفع وعالم الغيب. ويوضح أن استجابة دعاء غير الله إنما هي استدراج وامتحان لا دليل على ولايتهم للمخلوقين.
يؤكد المحور أن العظمة والكبرياء من مقتضيات أسماء الله وصفاته التي لا تصلح لغيره، ومن طلبهما أذله الله وجعله من أهل النار. ويختم المتحدث بالتأكيد على أن هذين الوصفين حق خالص لله سبحانه وتعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الخمسون: ما ضد توحيد الربوبية؟ فقد مشى على ما تقدم من ذكر نوع التوحيد ثم ذكر ما يضاده. فلما ذكر توحيد الألوهية ذكر ما يضاده من الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وهكذا في هذا الموضع: بعد ما ذكر معنى توحيد الربوبية ذكر ما يضاده، وهو الشرك في توحيد الربوبية. قال: الجواب: هو اعتقاده متصرفاً مع الله عز وجل في أي شيء من تدبير الكون، من إيجاد أو إعدام، أو إحياء أو إماتة، أو جلب خير أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب، وكالعظمة والكبرياء، ونحو ذلك. ثم استدل على هذه الأمور التي ذكرها. فقوله: "هو اعتقاد متصرف مع الله في أي شيء من تدبير الكون"، هذا الأمر وإن كان وقوعه قليلاً لكنه واقع، وقد وقع هذا النوع من أنواع الشرك من طوائف من البشر في زماننا هذا. فمن تلك الطوائف: المجوس. فإن من عقيدة المجوس وجود خالقين: الأول هو النور، والثاني هو الظلمة. فيقولون: إن النور خالق الخير، وأن الظلمة خالق الشر. وهذا لا شك يخدش هذا النوع من أنواع التوحيد، وهو توحيد الربوبية. وكذلك ممن وقع في الشرك في باب الربوبية: النصارى. فإنهم يعتقدون أن الإله ثلاثة: الله سبحانه وتعالى، والابن، وروح القدس. وجعلوا لكل واحد من هؤلاء قصطاً من التدبير، فيقولون: الله يدبر كذا وكذا، والابن يدبر كذا وكذا، وروح القدس يدبر كذا وكذا. وقد مر معنا أن التدبير أصل من أصول معنى الربوبية، فوقع النصارى في الشرك في هذا الباب. وكذلك من هؤلاء الذين وقعوا في هذا الباب، وهو الشرك في الربوبية: عباد القبور. فهم جمعوا بين الشرك في الألوهية وكذلك الشرك في الربوبية، فجعلوا في أوليائهم ومعبوداتهم ما هي من صفات الرب سبحانه وتعالى. ومنهم من يعتقد أن الولي يدبر شؤون هذا الكون مع الله، فلذلك لربما تصرف في وقوف الشمس، وهكذا تصرف في هيجان البحر. وهذا كله مسطر في كتبهم، وفي كذلك ما يقولونه في مسموعاتهم ونحو ذلك. بل منهم من صرح أن الولي يخلق مع الله عز وجل الأجنة في أرحام النساء، كالجفري، فإنه يقول كذا وكذا. وهذا لا شك أنه شرك في توحيد الربوبية. بل بعضهم قال: "لو اعتقدت في حجر لنفعك"، والنفع والضر هذا أيضاً من معاني الربوبية. فبعض هؤلاء الغلاة عندهم شرك في هذا النوع من أنواع التوحيد. ومن الطوائف التي وقعت في هذا الشرك: الملاحدة بشتى أصنافهم وأنواعهم، الذين ينكرون الخالق جل وعلا بالكلية، ينكرون وجود الخالق بالكلية، كالدَّهْرية في زماننا هذا: الشيوعية. فإنهم يقولون: لا إله، والحياة مادة. فهم ينكرون أن لهذا الكون خالقاً. بل أحدهم كان يدرس في بلد مسلم، وأراد أن يقنع الطلاب أن الله عز وجل غير موجود، وأننا لا نؤمن إلا بالأشياء المحسوسة. فقال لهم: "لو قلت لكم أن محمداً موجود وهو عندنا في القاعة، هل تصدقون؟" قالوا: نعم، لأننا نشاهده. قال: "طيب، لو قلت لكم أن زيداً وراء هذا الجدار، هل تصدقوني؟" قالوا: لا، لأننا لا نرى. قال: "وهكذا الله، هل نرى؟" قالوا: لا. قال: "إذن لا يوجد هناك الله". فكان أحد الطلاب من الأذكياء، فرفع يده وقال: "يا أستاذ، فيك عقل؟" قال: نعم. قال: "نحن لا نرى، إذن أنت ليس فيك عقل، لأننا لا نرى هذا العقل. أين هذا العقل؟ نحن لا نرى، إذن أنت يا أستاذ بغير عقل". وصدق هذا الطالب، هذا الأستاذ بغير عقل؛ لأنه أنكر وجود الرب سبحانه وتعالى. فهكذا هم الشيوعيون ينكرون وجود الرب سبحانه وتعالى، ويقولون: لا إله والحياة مادة. فهؤلاء وقعوا في شرك الربوبية. وكذلك من تلك الطوائف التي وقعت في شرك الربوبية: أهل وحدة الوجود، الذين جعلوا كل شيء هو الله، كل شيء أن الله عز وجل حال فيه فهو الله. فهم جعلوا الرب متعدداً في كل شيء، وهذا لا شك أنه شرك في توحيد الربوبية. وكذلك من أنواع هذا الشرك: شرك فرعون، الذي قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أنكر وجود الرب، والذي ادعى لنفسه أنه رب العالمين، فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فهذا النوع من أنواع الشرك واقع في زماننا هذا، وإن كان قليلاً، ولكنه موجود وواقع: من يعتقد أن غير الله يخلق، أو أن غير الله يتصرف في هذا الكون، أو أن غير الله كذلك يرزق، أو نحو ذلك. فمن اعتقد النفع أو الضر فقد أشرك في هذا الباب، كما ذكر المؤلف: أو جلب خير أو دفع شر، فهذا يدخل في شرك الربوبية. ثم ذكر المؤلف الأدلة على ما ذكر من وجود هذا الشرك في بعض الطوائف، فقال رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. الشاهد من الآية: ذكرت النفع والضر. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ يعني: من نفع وخير، ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لا يستطيع أحد أن يمسك هذا الخير وهذه الرحمة عمن أراد الله عز وجل له هذه الرحمة، فلا رب سواه ولا مانع سواه سبحانه وتعالى. وهكذا ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾: إذا أراد الله عز وجل أن يمسك خيراً عن عبد من عباده، لا يستطيع أحد أن يرد أمر الله وأن يوصل إليه هذا الأمر الذي أمسكه الله عز وجل عنه. ثم ذكر أنه سبحانه وتعالى هو الخالق: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، ثم ذكر شيئاً من هذا الخلق وهو الرزق: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فالرزق والخلق، وكذلك النفع والضر، كل ذلك من رب العالمين سبحانه وتعالى. فدل ذلك على أن من اعتقد خلاف ذلك فقد وقع في شرك الربوبية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. يعني: إن يمسسك الله بضر، بمرض، بفقر، بأي ضر أراد الله عز وجل أن تقع فيه، فلا يكشفه إلا هو، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، فهو الذي يكشف الضر سبحانه وتعالى، لا رب سواه ولا خالق سواه يكشف الضر عن العباد. وهكذا ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: إن أراد لك خيراً، فإن هذا الخير سيصل إليك، ولو اجتمع على منع هذا الخير عنك جميع من في الأرض من الإنس والجن لا يستطيعون رده، كما جاء في حديث ابن عباس حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فمن اعتقد خلاف ذلك، أن الولي هو الذي يكشف الضر، أو هو الذي يجلب الخير، فهذا شرك كذلك في الربوبية؛ لأنه اعتقد أن غير الله يكشف الضر أو يجلب الخير، وهذا من شرك الربوبية. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾. انظروا في هؤلاء: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، الجن أو الملائكة أو الأولياء والصالحين. ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: لو أراد الله عز وجل بك ضراً، هل يستطيع هؤلاء أن يرفعوا عنك هذا الضر؟ إذا كنت مريضاً وذهبت عند الولي الفلاني، هل يرفع عنك هذا الضر؟ ما يرفع عنك هذا. قد يقول قائل: أحياناً نعم، يدعون هؤلاء الأولياء فيرتفع ما بهم من ضر. فالجواب: أن هذا من استدراج الله عز وجل لهم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، حتى يتمادوا في ظلمهم وشركهم، ثم يأخذهم سبحانه وتعالى أخذ عزيز مقتدر. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. قد يبتليهم الله عز وجل ليختبر إيمانهم عليه من هذا الأمر، فإن استمروا عليه وإن اعتقدوا فيه جاءتهم العقوبة وجاءهم كذلك العذاب من الله سبحانه وتعالى. فلا يظننّ أن هذا الذي دعا الولي ثم رفع ما به من ضر، أن هذا من الولي. لا، هذا من الله، هذا من الله رفعه عنه حتى يختبره، وحتى يستدرجه. لماذا؟ ليعلم الله عز وجل من يطيعه ومن كذلك يوحده سبحانه وتعالى. فهذا أمر ينبغي التنبه له، لأن هؤلاء ربما يحتجون ببعض تلك الدعوات التي يدعونها، ويدعون أولياءهم، فيرون شيئاً من الإجابة، يقولون: "انظروا، إذن هذا باستجابة الولي"، فيتمادوا في شركهم. فيأتيهم الناصحون ويأتيهم أهل التوحيد ويدعونهم إلى توحيد الله، فالشيطان يجعلهم يتمسكون بهذا الشرك لما يرون من بعض النفع. أحياناً يكون فتنة لهم، يكون فتنة لهم واستدراج لهم. فالله عز وجل هو الذي يكشف الضر، وهو الذي كذلك يمسك الرحمة أو يعطيها من يشاء من عباده. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. فمن اعتقد أن غير الله يعلم الغيب، فهذا شرك في ربوبية الله سبحانه وتعالى. ولذلك يذكر بعض أهل العلم: الإيمان بالغيب من معاني الربوبية، لأن الإيمان بالغيب ما فيه طلب مثل توحيد الألوهية، فإن معناه القصد والطلب، لكن هذا فيه إنكار لفعل يختص به الرب سبحانه وتعالى، وهو علم الغيب. فالذي يعتقد أن هذا الولي يعلم الغيب... بل جاء في تذكير الناس أن بعض الأولياء يعرف من أصحاب الجنة ومن أصحاب النار، يعرف أن هذا في الجنة وأن هذا في النار. يا سبحان الله، انظروا إلى الضلال، وانظروا إلى الحال الذي وصل إليه هؤلاء. فالغيب لا يعلمه إلا الله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». وهو كفر؛ لأنه اعتقد أن غير الله سبحانه وتعالى يعلم الغيب. وقد قال الله في كتابه كما تقدم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. لا أحد يعلم من الغيب ومن العلم إلا بما علمه الله. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. هكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن أزعني واحداً منهما أسكنته ناري». وهو في الصحيح، وهذا الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. والشاهد منه: أن العظمة والكبرياء من مقتضيات أسمائه وصفاته، ومما اختص به الرب سبحانه وتعالى، فمن طلبهما أذله الله، أذله الله، وجعله من أهل النار، والعياذ بالله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله أعلم.