شرح السنة للإمام المزني 7

الدرس في شرح السنة للإمام المزني 7، ألقاها

ترتيب الصحابة في الفضل والأفضلية

يأتي في المرتبة الأولى أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب. هذا الترتيب هو ما استقر عليه إجماع السلف وأهل السنة والجماعة.

منزلة الصحابة وفضلهم عند الله

الصحابة لهم منزلة عالية عند الله، ويجب الثناء عليهم والترضي عنهم والإمساك عن الخوض في الفتن التي حصلت بينهم. يستدل على ذلك بالأدلة القرآنية والنبوية.

واجب المسلمين نحو الصحابة

يجب على المسلمين استغفار الصحابة والترحم عليهم والترضي عنهم، وإزالة الغل والحقد من قلوبهم تجاههم، لأن الله أمر بذلك في القرآن الكريم.

ثناء أهل السنة والجماعة على الصحابة

يثني أهل السنة على الصحابة لما لهم من فضائل ومآثر إسلامية، ويعترفون بفضلهم وصحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، مثل سابقة الإسلام وجهادهم مع النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله في رسالته «شرح السنة»: ويقال بفضل خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو أفضل الخلق وأخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ونثني بعده بالفاروق، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهما وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعاه في قبره، ونثلث بذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، ونخلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التفضيل، ثم لسائر أصحابه من بعدهم رضي الله عنهم أجمعين، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله عز وجل لنبيه واصطفاهم أنصارا لدينه، فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين، رضي الله عنهم أجمعين. ذكر رحمه الله في هذا المقطع شيئا مما يتعلق بمسألة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبين فيه فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وبدأ أولا بذكر فضائل الخلفاء الأربعة، وأن أفضل هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فهو أفضل الخلق وأخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بإجماع السلف، أن أفضل الصحابة هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ومن قال غير ذلك وقدم غيره عليه فهو مبتدع ضال. يأتي في الفضل في الدرجة الثانية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وقولهما وزيرا رسول الله، أي: بمنزلة الوزير لكثرة لزومهما للنبي عليه الصلاة والسلام وجلوسهما معه وخروجهما معه، وشارة النبي صلى الله عليه وسلم لهما، فكانا من ألزم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم يأتي في الدرجة الثالثة ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ثم في الدرجة الرابعة يأتي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ابن عم رسول الله، وزوج ابنته فاطمة، ووالد الحسن والحسين، هذا ترتيب الخلفاء الأربعة في الخلافة وفي الأفضلية، فأولاهم بالخلافة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا هو الترتيب في الأفضلية، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وقد وقع خلاف في أول الأمر بين السلف في تفضيل عثمان على علي، منه من قدم عثمان، ومنه من قدم علي، ومنه من سكت، كما أشار شيخ الإسلام رحمه الله في الواسطية، ثم ذكر استقرار إجماع السلف على تقديم عثمان على علي، والمؤلف رحمه الله هنا ذكر ما استقر عليه الأمر عند أهل السنة والجماعة من تفضيل عثمان على علي، ولهذا من قال الآن بأن عليا أفضل من عثمان فهو ظالم. ثم يأتي بعد هؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم بقية العشرة الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم في الجنة، وهم عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح، وقد جاء ذكرهم في حديث سعيد بن زيد عند الترمذي وغيره، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة، فهؤلاء أفضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ثم يأتي بعدهم أهل بدر الذين شهدوا بدرا من الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «إن الله اطلع على قلوب أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». ثم يأتي بعدهم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام تحت الشجرة، وفيهم نزل قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، ثم بعدهم من أسلم قبل الفتح وقاتل، ثم من أسلم بعد الفتح وقاتل. وكذلك أيضا يأتي قبل ذلك، قبل بعد ذكر العشر المبشرين بالجنة، سائر المهاجرين والأنصار، فالصحابة جميعا كلهم لهم فضل، رضي الله تعالى عنهم، وإن كانوا يختلفون في المنزلة وفي الدرجة، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، أي: الجنة، فالكل جميع الصحابة رضي الله عنهم موعودون بالجنة، فيجب معرفة فضلهم رضي الله تعالى عنهم، والثناء عليهم والترضي عنهم، وكذلك ذكرهم بالفضل وتذكر محاسنهم، ويمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، أولا لعظيم فضلهم رضي الله تعالى عنهم، والله عز وجل قد رضي عنهم ورضوا عنه. قال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وهؤلاء الأنصار، والذين قبلهم المهاجرون، هكذا أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم وترضى عنهم، فلذلك يجب بيان فضلهم والترضي عليهم رضي الله تعالى عنهم، والإمساك عما حصل بينهم من فتن وحروب، فهم فيها مجتهدون، بين المصيب له أجران والمخطئ له أجر. كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «تلك حروب قد طهر الله منها سيوفنا، فلنطهر منها ألسنتنا»، هذه الفتنة التي حصلت بينهم قد طهر الله عز وجل منها سيوفنا، لم نشارك فيها، فكذلك ينبغي أن نطهر ألسنتنا من الخوض فيها، ولأنهم رضي الله تعالى عنهم لهم من الفضائل والمحاسن ما تنغمر به هذه الأمور التي حصلت بينهم. وكما قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، كيف إذا كان أكثر من القلتين؟»، وفضائلهم وأجورهم عظيمة رضي الله تعالى عنهم، ولهم من سابقة الإسلام وصحبة النبي عليه الصلاة والسلام والجهاد في سبيل الله، وما لهم كذلك من أعمال كثيرة تنغمر فيها هذه الفتنة التي حدثت منهم رضي الله تعالى عنهم. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن سبهم والتنقص لهم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، والحديث في الصحيح، حتى في حديث سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسب أصحابه. فهذا الخطاب موجه لخالد بن الوليد رضي الله عنه حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد وتكلم عليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام هذه المقالة ينهى عن سب أصحابه، فكيف بمن يأتي دون الصحابة في المنزلة والفضل؟ فهو أولى بالابتعاد عن مثل ذلك، فمن جاء بعدهم لا يبلغ في الفضل والأجر ما بلغه الصحابة رضوان الله عليهم، فأجورهم مضاعفة. من أنفق بعدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، يعني ما بلغ ما ينفقه أحدهم، ولا نصفه، أو نصيف عن نصف نصف المد، ما ينفقه الصحابي نصف المد أفضل ممن جاء بعدهم وأنفق مثل أحد ذهبا، وهذا معنى أنه لا يبلغ من جاء بعدهم منزلتهم رضي الله تعالى عنهم. ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة كما قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة ألسنتهم وقلوبهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكرون رضي الله تعالى عنهم إلا بالجميل والثناء عليهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، الله عز وجل اصطفاهم واختارهم لصحبة نبيه. كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله اطلع على قلوب العباد فوجد قلب نبيه خير قلوب العباد فاصطفاه لنبوته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاصطفاه لصحبته». وقد أمرنا الله جل وعلا وأخبر الله أن من جاء بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإن موقفه منهم هو الترضي عنهم وذكرهم بالجميل والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة. كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، أول من يدخل في هؤلاء المؤمنين هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهنا كلام جميل ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية، قال رحمه الله في تفسيره «فتح القدير»: أمرهم الله بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله أن ينزع من قلوبهم الغل على الإطلاق، فيدخل الصحابة دخولا أوليا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم. فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمر الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به نصيب وافر من عصيان الله لعداوة أوليائه وخير أمة نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله جل وعلا والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم فقد انقاد إلى الشيطان بزمامه ووقع في غضب الله وسخطه. وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن سنة رسول الله المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور. فاشتروا الضلالة بالهدى واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسول الله وخير أمته وصالح عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، فالله من ورائهم محيط. انتهى كلامه رحمه الله، وهو كما سمعنا كلاما نفيسا في الواجب على من جاء بعد الصحابة رضي الله عنهم أنه يستغفر لهم ويترحم عليهم ويترضى عنهم ويذكرهم بالجميل، وأن يذهب أن لا يكون في قلبه شيء من الغل والحقد والبغضاء لهم رضي الله تعالى عنهم، فمن لم يفعل ذلك فقد خالف أمر الله سبحانه وتعالى. وكما قالت عائشة رضي الله عنها لعروة بن الزبير: «أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم»، أمروا يعني المؤمنين ومن جاء بعد الصحابة رضي الله عنهم بالاستغفار للصحابة فسبوهم، ولا يفعل ذلك يعني من لا يسب الصحابة إلا من كانت فيه نزعة إما نزعة خارجية أو نزعة رافضية. لأن الروافض غلوا في أهل البيت وطعنوا في الصحابة رضي الله عنهم جميعا، بل كفروا الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا عددا يسيرا، وفي مقابلهم النواصب من الخوارج الذين نصبوا العداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطعنوا في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وكفروهم، وكل الطائفتين على ضلال. وأهل السنة والجماعة يثنون على الصحابة رضي الله عنهم جميعا، ويترضون عنهم جميعا، ويعلمون فضلهم رضي الله تعالى عنهم، وما لهم من سابقة الإسلام وصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا شهود نزول الوحي وجهادهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من فضائل عظيمة وكثيرة التي لهم رضي الله تعالى عنهم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على