الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الحلف بغير الله كالحلف بالآباء والأنداد والكعبة يُعد من الشرك الأصغر، مستدلاً بأحاديث نبوية تنهى عنه وتأمر بالحلف بالله وحده. ويوضح أن الأصل في الحلف بالمخلوق أنه شرك أصغر، لكنه قد يرتقي إلى الشرك الأكبر إذا كان تعظيم المحلوف به أشد من تعظيم الله.
يبيّن المقطع الفرق بين الحلف بالكعبة الذي هو شرك والحلف برب الكعبة الذي هو توحيد، ويوضح أن النهي عن الحلف بغير الله يقتضي تقديم البديل المشروع. كما يبيّن أن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر وقد يكون أعظم من الكبائر، مستدلاً بقول ابن مسعود، وينهي عن قول "ما شاء الله وشئت" لعطف المشيئة البشرية على الإلهية.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قول «ما شاء الله وشئت» لتسويته بين مشيئة الله ومشيئة العبد، وأمر بقول «ما شاء الله ثم شئت» جوازاً أو «ما شاء الله وحده» أفضلية. كما حذر من ألفاظ مثل «لولا الله وأنت» التي تُسوي بين الخالق والمخلوق، مبيناً أن استخدام «ثم» بدلاً من «الواو» يزيل معنى التسوية.
يختتم المؤلف بتلخيص ما ذكره في إجابته حول أحكام الحلف وألفاظ الشرك الأصغر ويكتفي بذلك. ويختم بالإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بالصواب.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في الجواب على السؤال السابع والأربعين، وهو: ما هو الشرك الأصغر؟ وتقدم معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى سلك مسلك ذكر الأمثلة في بيانه وتوضيحه معنى الشرك الأصغر. تقدم معنا أنه ذكر من الأمثلة أولًا: يسير الرياء، وعرفنا ما معنى يسير الرياء، وما هو الدليل على ذلك، وخطورة هذا النوع من أنواع الشرك الأصغر. ثم ذكر أمثلة أخرى على الشرك الأصغر، فقال رحمه الله: «ومن ذلك» أي: من الشرك الأصغر الحلف بغير الله، كالحلف بالآباء والأنداد والكعبة والأمانة وغيرها. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد»، والحديث أخرجه أبو داود من حديث بهريرة، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا والكعبة، ولكن قولوا ورب الكعبة»، وهذا الحديث أخرجه أحمد من حديث قتيلة أخت صيفي رضي الله عنهما، أو رضي الله عنها، وصححه الألباني في صحيح الجامع. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تحلفوا إلا بالله»، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمر. وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بالأمانة فليس منا»، وهذا أخرجه أبو داود من حديث بريدة، وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وفي رواية: «و أشرك». بين المؤلف هذا النوع أيضًا من أنواع الشرك الأصغر، وهو الحلف بغير الله، وهو الأمر الثاني الذي مثل به المؤلف رحمه الله. وعند أهل العلم لا فرق بين المحلوفات بغير الله، فلا فرق بين أن يحلف بالنبي، أو بالولي، أو بالكعبة، أو بالعيش، أو بالملح، أو بالآباء، أو بالأمهات، أو بغير ذلك. فالمخلوق لا يجوز له أن يحلف بالمخلوق، فإن فعل ذلك فالأصل أن هذا الحلف من الشرك الأصغر، هذا هو الأصل. لكن قد يصل إلى حد الشرك الأكبر إذا كان تعظيمه للمحلوف به أشد من تعظيمه لله عز وجل. فبعض الناس مثلًا إذا قلت له: احلف بالله صادقًا، يهون عليه، يهون عليه أن يحلف بالله. نعم، إذا قيل له: احلف بالله وهو يعلم أنه كاذب، فإنه يهون عليه أن يحلف بالله كاذبًا. لكن إذا قيل له: احلف بالولي الفلاني كاذبًا، فإنه يمتنع عن ذلك. هذا دليل على ماذا؟ هذا دليل على أنه عظم هذا الولي أعظم وأكثر وأشد من تعظيمه لله عز وجل، إذ هان عليه أن يحلف بالله كاذبًا، وامتنع أن يحلف بغير الله كاذبًا. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. لكن إذا كان مجرد حلف، فهذا يدخل في شرك الألفاظ، وهو من الشرك الأصغر، وهو من الشرك الأصغر. وذكر تحت ذلك عدة أحاديث تنهى عن الحلف بغير الله. قولوا هنا: «ومن ذلك الحلف بغير الله كالحلف بالآباء». هنا جاء ذكر الآباء في كلام أهل العلم، وكذلك في الأحاديث النبوية، لأن أهل الجاهلية كان أكثر ما يحلفون بالآباء لعظم شأن الآباء في نفوسهم، فكان أحدهم يحلف بالآباء، سواء كان الأب أو الأم. ولذلك جاء في الحديث، حديث أبي هريرة عند أبي داود: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم»، لأن أكثر ما كان حلف أهل الجاهلية بالآباء والأمهات. «ولا بالأنداد»، الأنداد: يعني التي كانوا يعبدونها من دون الله، كاللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى، فكانوا يحلفون بها، فيقول أحدهم: واللات والعزة، ونحو ذلك. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهكذا ذكر في الحديث الحلف بالكعبة: «لا تقولوا والكعبة»، لأن الكعبة معظمة حتى عند أهل الجاهلية، فكانوا من تعظيمهم للكعبة يحلفون بها، فيقول أحدهم: والكعبة. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأتى بالحلف الذي ينبغي أن يسلكه المسلم، قال: «ولكن قولوا ورب الكعبة»، لأن رب الكعبة هو الله عز وجل. فهنا الحلف يكون بالله، لا يكون بالكعبة. فرق بين قولك: والكعبة، فهذا شرك، وبين قولك: ورب الكعبة، فهذا توحيد، لأن الأول حلف بمخلوق، والثاني حلف برب المخلوق وهو الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث استدل به العلماء على أن طالب العلم والداعي إلى الله عز وجل إذا سد بابًا محرمًا على الناس، يفتح لهم أبوابًا جائزة. فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بالكعبة، بين للناس ألفاظًا يجوز الحلف بها، ومن ذلك الحلف برب الكعبة. فالداعي إلى الله عز وجل يكون حكيمًا في دعوته، لا يشدد على الناس، ولا يذكر لهم البديل الذي به يترك أهل الجهل جهلهم، ويلتزمون بالحق الذي يبينه الداعي إلى الله عز وجل. وهكذا قوله: «لا تحلفوا إلا بالله»، هذا حصر، يعني لا يجوز للمخلوق أن يحلف إلا بالله. والمراد بالله: يعني كل لفظ يدل على الله عز وجل، فقولك: والله، ورب الكعبة، ورب الناس، والذي نفسي بيده، ونحو ذلك، فهذا يجوز الحلف به. وقال: «من حلف بالأمانة فليس منا»، وهذا أيضًا مما يقع من كثير من عوام الناس، يحلف بالأمانة، والأمانة: هذا سعره كذا وكذا، لأنه يريد أن ينفق بضاعته، فهو يحلف بأمانته، وهي مخلوقة، فلا يجوز الحلف بالأمانة، لا يجوز الحلف بالأمانة. وهكذا: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، هذا فيه التصريح بأن الحلف بغير الله كفر أو شرك، والمراد بالكفر أو الشرك: الكفر الأصغر والشرك الأصغر. وهذا الحديث جاءت فيه أربعة ألفاظ، كلها صحيحة، صححها العلامة الألباني. اللفظ الأول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» بالشك، يعني بذكر لفظة «أو». وفي لفظ أتت بالجزم بالجمع بينهما وبالجزم: «من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك». وفي لفظ جاء بذكر الكفر دون الشرك: «من حلف بغير الله فقد كفر». وفي لفظ جاء بذكر الشرك دون الكفر: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وكلها صحيحة. فالحلف بغير الله عز وجل من الشرك أو الكفر، بل قد يصل إلى درجة الشرك الأكبر كما تقدم تفصيله، كما تقدم تفصيله. والحلف بغير الله أعظم من كبائر الذنوب. لو أخذت مالًا حرامًا، أخذت أرضًا مغتصبة، وحلفت بغير الله، لكان الحلف بغير الله أشد جرمًا وإثماً من أخذك لأرض بغير حق. فعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هو الذي روى حديث: «من حلف يمينًا يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان»، هو الذي روى هذا الحديث، ومع هذا ماذا يقول؟ يقول رضي الله تعالى عنه: «لأن أحلف بالله كاذبًا» - انتبه - «لأن أحلف بالله كاذبًا» يحلف بالله وهو كاذب، «أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا». وهذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن الحلف بغير الله أعظم من الكبائر. فالحلف بالله كاذبًا هذا شرك أو كبيرة، الحلف بالله كاذبًا شرك أو كبيرة، كبيرة. الحلف بالله كاذبًا هذا كبيرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «اليمين الغموس»، يعني اليمين الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار. فلو حلفت بغير الله صادقًا، حلفت بغير الله، بالولي الفلاني: أنا ما أخذت أرض فلان، وأنت صادق، لكان هذا الحلف أعظم من قولك: والله ما أخذت أرض فلان، وأنت كاذب، وأنت كاذب. يدل على خطورة الشرك الأصغر، وخطورة الحلف، وخطورة الحلف بغير الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر مثالًا آخر من أمثلة الشرك الأصغر، قال: «ومنها» أي: من الشرك الأصغر، قول القائل: ما شاء الله وشئت. قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له ذلك: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده، بل ما شاء الله وحده، وما شاء الله ثم شئت». وهذا الحديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس، صححه العلامة الألباني. فهذا الأمر الثالث مما يدخل في الشرك الأصغر، وهو قولك: ما شاء الله وشئت، بالواو. لأن الواو عند أهل العربية تفيد مطلق العطف مع التسوية، يعني تسوي ما قبل الواو مع ما بعد الواو. فقولك: ما شاء الله وشئت، سويت مشيئة الله بمشيئة العبد، ومشيئة الله مقدمة على مشيئة العبد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل. فإذا قلت: ما شاء الله وشئت، سويت بين مشيئة الله ومشيئة العبد، وهذا شرك في اللفظ، ولذلك نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الصحابي لا شك أنه ما أراد وما قصد التسوية، لكن اللفظ فيه هذا المعنى، فنهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء لفظ: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان»، يعني: بدلاً من الواو تأتي بـ «ثم»، لأن «ثم» لا تفيد التسوية، فما قبلها مقدم على ما بعدها، مقدم على ما بعدها. فقولك: ما شاء الله ثم شئت، أو ثم شاء فلان، هذا لا بأس به. وقولك: ما شاء الله وشاء فلان، هذا شرك أصغر تجتنبه وتبتعد عنه. وذكر أهل العلم أن قولك: «ما شاء الله وحده»، هذا على وجه الأحسن والأفضل، يعني الأحسن والأفضل أن تقول: ما شاء الله وحده. وقولك: «ما شاء الله ثم شاء فلان»، ذكره العلماء أن هذا على سبيل الجواز. فمعنا حالتان: حالة جواز، وحالة أفضلية. فحالة الجواز: أن تقول: ما شاء الله ثم شاء فلان، هذا حالة جواز. وحالة أفضلية: أن تقول: ما شاء الله وحده، ما شاء الله وحده، أو ما شاء الله دون ذكر مشيئة أحد من الخلق. ولذلك جاءت الأحاديث بهذا وهذا. فالحديث الأول، وهو حديث ابن عباس: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده»، هذا فيه الأفضلية. وحديث حذيفة: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان»، هذا على وجه الجواز. فجاءت الأحاديث بهذا وهذا. فانظر إلى إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الصحابي لما ساوى في اللفظ، فكيف بمن ساوى في الاعتقاد؟ ماذا سيقول له النبي صلى الله عليه وسلم؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ماذا تظنون لو سمع من يقول في زماننا هذا: «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك، عند حدوث الحادث العمم، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم»؟ ماذا سيقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمثال هؤلاء؟ ماذا سيقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع القائل يقول، ويستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم: «هذه علتي وأنت طبيبي، ليس يخفى عليك في القلب دائي، يريد الدواء والشفاء من النبي عليه الصلاة والسلام»؟ ماذا سيقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا شك هذه أمور منكرة، بل هي من الشرك الأكبر التي جاءت في هذه الأبيات. فإذا أنكر على من ساوى في اللفظ، فكيف بمن ساوى في الاعتقاد؟ فلا شك أن الإنكار عليه أعظم وأشد، أعظم وأشد. وأخيرًا، أذكر من الألفاظ التي هي من الشرك الأصغر: قول القائل: «لولا الله وأنت»، و«ما لي إلا الله وأنت»، و«أنا داخل على الله وعليك»، ونحو ذلك. فهذا أيضًا لا يجوز، لأنه أيضًا من الشرك في الألفاظ، وفيه شيء من الاعتقاد. وقد جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، عن ابن عباس أنه فسر ذلك بقول القائل، بقول القائل: «لولا الله وأنت»، و«لولا فلان وأنت»، ونحو ذلك. فهذا من اتخاذ الأنداد، لأن قوله: «لولا الله وأنت»، هنا ساوى بين الله عز وجل وبين المخلوق. لكن يجوز أن تقول: مثل «ما شاء الله وشئت»، يجوز أن تقول: «لولا الله ثم أنت»، «لولا الله ثم فلان». ولا يجوز أن تقول: «لولا الله وفلان»، لأن الواو هنا تفيد التسوية، فهذا أيضًا من الشرك، فهذا أيضًا من الشرك. وذكر أيضًا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابيه ألفاظًا أخرى: «لولا قائد السفينة لغرقنا»، هذا أيضًا لا ينبغي، لأن فيه تعلقًا بغير الله سبحانه وتعالى. و«لولا الكلب لما سرقنا»، ونحو ذلك. فهذه الألفاظ يسميها العلماء من شرك الألفاظ التي ينبغي أن يجتنبها المسلم، وهي من الشرك الأصغر، وهي من الشرك الأصغر. فهذه خلاصة ما ذكره المؤلف، وهناك أيضًا أشياء أخرى لم يذكرها، كتعليق التمائم مثلًا، هذا من الشرك الأصغر، وكذلك الحروز ونحو ذلك. لكن كما ذكرنا، المراد من هذا المؤلف هو الاختصار، فلذلك يقتصر على بعض الأمثلة ولا يطيل، حتى لا يطيل على القارئ. فهذا خلاصة ما ذكره المؤلف في جوابه على هذا السؤال، وبه نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.