أسباب الرزق

الخطبة بعنوان أسباب الرزق، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 ربيع أول 1434هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

حكمة الله في الرزق ودور التوحيد والتوكل

يتناول حكمة الله في توزيع الرزق على العباد، ويبرز أهمية التوحيد والتوكل في تحصيل الأرزاق. يشير إلى أن خزائن الله لا تنفد وأنه يرزق عباده المتقين.

أسباب تحصيل الأرزاق وتيسيرها

يعدد الأسباب التي تؤدي إلى تحصيل الأرزاق وتيسيرها، مثل التوكل على الله، تقواه، الصدق في المعاملات، صلة الأرحام، والصبر على قضاء الله. كما يحذر من الأفعال التي تسبب قلة البركات.

أسباب ضعف الأرزاق وحرمان البركات والتوبة منها

يذكر أسباب ضعف الأرزاق مثل التباغض والتشاحن والحسد، ويحث على التوبة النصوح وزيادة الطاعات لاستعادة البركات. يسأل الله تيسير الأرزاق والنصر للإسلام والمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن لله جل وعلا الحكمة البالغة في كونه وشرعه وقضائه وقدره وعطائه ومنعه وبسطه لرزقه وتضييقه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾، قال جل وعلا: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. واقتضت حكمة الحكيم جل وعلا الرزاق أن خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾، وقال جل وعلا: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾. وأخبر جل وعلا أن خزائنه ملأ، وأخبر جل وعلا أنه قد قسم أرزاق العباد. ففي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس نفت في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها وعملها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، واعلموا أن ما عند الله لا ينال بالحرام». خزائن الله جل وعلا أيها الناس ملأ، ما لها من نفاد. ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾، ما عندكم ينفد وما عند الله باق. وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي ذر فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عليه الصلاة والسلام عن ربه في الحديث القدسي أنه جل وعلا قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر». فخزائنه جل وعلا ملأى، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «يمين الله ملأى لا يغيظها نفقة سحاء الليل والنهار»، أي دائمة العطاء ليلا ونهارا. أرأيتم منذ أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟! فإنه لم يغض ما في يمينه، أي لم ينقص ما في يمينه إلا كما إذا أدخل المخيط في البحر. فبين عليه الصلاة والسلام سعة خزائن رب العالمين جل وعلا وعظيم رزقه سبحانه وتعالى. واقتضت حكمة الحكيم الرزاق جل وعلا أن يجعل لتحصيل رزقه أسبابا ولمنعهم من ذلك أسبابا. فمن أعظم أسباب تحصيل الأرزاق تحقيق التوحيد لله جل وعلا، تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى. إذا أردت عبد الله رزق الله جل وعلا، فكن عبدا حقا لله جل وعلا موحدا خاشعا متضرعا قائما بما أمر الله جل وعلا وما أمر به رسول الله عليه الصلاة والسلام، تصرف العبادات جميعا لله جل وعلا من صلاة وصيام ونسك ونذر وذبح. قل: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. ومن أعظم أسباب تحصيل الأرزاق وتيسيرها وتسهيلها التوكل على الله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، وعند الترمذي من حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا». فعليك يا عبد الله أن تعتمد على الله جل وعلا في جلب هذه الأرزاق وفي تحصيل المنافع لك ودفع المضار عنك. لا تذهب إلى الكهنة والمشعوذين ولا إلى السحرة الدجالين ولا إلى غيرهم من النصابين الكذابين الذين يعملون ما يسمى بالصرف وبهذه الحروز زعما منهم أن هذا من أسباب تحصيل الأرزاق. لا والله، ما عند الله جل وعلا لا ينال بالحرام ولا ينال بالكفر بالله جل وعلا ولا بالشرك به سبحانه وتعالى، وإنما ينال بطاعة الله جل وعلا وتقوى الله جل وعلا والأعمال الصالحة. فالحذر الحذر عبد الله أن يتعلق قلبك بغير الله جل وعلا من الأموات أو غيرهم ممن يزعم أنه ممن يوفر الأرزاق ويسر تحصيلها وطلبها لك. وهكذا من أعظم أسباب تحصيل الأرزاق وتيسيرها وتسهيلها تقوى الله جل وعلا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾. فعليك أن تتقي الله عبد الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أن تعمل بطاعة الله جل وعلا على دليل وبرهان ونور من الله جل وعلا ترجو ثواب الله جل وعلا، وأن تترك معصية الله جل وعلا على علم وبرهان ونور من الله جل وعلا تخشى عقاب الله جل وعلا. ذكر الله جل وعلا عن عباده المتقين في كتابه الكريم كيف رزقهم رزقا عظيما. فهذه مريم الطاهرة الصالحة التقية كان يأتيها رزقها وهي في محرابها. ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. وهكذا عند ولادتها وعند نفاسها رزقها الله جل وعلا من تحتها نهرا سريا ومن فوقها رطبا جنيا. قال جل وعلا على لسانها: ﴿قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. وهذه أم إسماعيل تركها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام هي وابنها امتثالا لأمر الله جل وعلا بذلك في الوادي الذي لا ماء فيه ولا كلأ ولا زرع ولا عشب، فرزقها الله جل وعلا وابنها ماء زمزم، هذا الماء المبارك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ماء زمزم لما شرب له». كان ذلك ببركة امتثال الخليل إبراهيم لربه وبامتثال تلك المرأة الصالحة التقية، فهي عين معين لا تنضب إلى يوم القيامة. وهكذا أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم عن عباده المتقين الذين رزقهم منه رزقا حسنا. رزق جل وعلا إبراهيم الولد مع أنه كان على الكبر، وهكذا رزق زكريا الولد مع ما كان عليه من الكبر وعقم زوجته، ذلك من رزق الله جل وعلا لهم. وهكذا ذكر لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في سنته المطهرة أمثالا عن المتقين ممن رزقهم الله جل وعلا رزقا عظيما. ففي صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وارضاه قال عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل يمشي سمع صوتا في سحابة أسقي حديقة فلان، فتتبع تلك السحابة حتى رآها أفرغت ماءها على أرض، فذهب إليها فوجد الرجل فسأله عن اسمه فقال: لما تسأل عن اسمي؟ فأخبره بما سمع، فإذا اسم هذا الرجل ذلك الاسم الذي سمعه هذا الرجل في السحابة». وهذا رزق خاص ساقه الله جل وعلا لهذا الرجل الذي كان تقيًا. فلما سئل عن ماله فيما يعمل فيه قال: «أجعل ثلثا لي ولأولادي وأهلي وثلثا أتصدق به وثلثا للأرض». فلما اتقى الله جل وعلا خصه الله سبحانه وتعالى بهذا الرزق الخاص. وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله والدلائل عند البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وصححه العلامتان الألباني والوادعي رحمة الله عليهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دخل رجل على امرأته وقد أصابتهم حاجة ماسّة عظيمة، فنظر إلى امرأته فما تحمل أن ينظر إليها لما كانوا عليه من الحاجة الشديدة، فخرج إلى البرية لعله يجد طعاما». «فلما رأته امرأته على هذا الحال قامت إلى رحاها وهي التي يطحن بها الحب فوضعتها وذهبت إلى تنورها فأسجرته أي أشعلت فيه النار ثم دعت ربها جل وعلا بقولها: اللهم ارزقنا، اللهم ارزقنا، فإذا بالجفنة قد امتلأت طعاما وإذا بالتنور قد امتلأ لحما شواء». «فدخل زوجها فقال: هل أصبتم من شيء؟ قالت: نعم من رزق الله جل وعلا. فجاء الرجل إلى هذه الرحى وكنس ما حولها من الطعام والحب». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تركها لطحنت إلى يوم القيامة». رزق من الله جل وعلا ساقه لهؤلاء لتقواهم لله جل وعلا. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده الموحدين المتوكلين المتقين إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين. ألا وإن من أعظم أسباب تحصيل الأرزاق وتيسيرها الصدق والبيان في البيع والشراء وعدم الكذب والكتمان. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما». فما أصاب أهل الإسلام مما أصابهم من قلة في البركات إلا بسبب الغش والخداع والكذب والكتمان والتحايل والخيانة. أصابهم ما أصابهم: قلت البركات في الأرزاق، وغلت الأسعار، وحصل الضنك في العيش. وإلا لو أنهم صدقوا في بيعهم وشرائهم وفي أخذهم وعطائهم لرزقهم الله جل وعلا ولبارك لهم في أموالهم وفي أرزاقهم وفي مواردهم وفي أمورهم كلها. لكن لما كذبوا وكتموا وغشوا وخدعوا وخانوا وتحايلوا قلت هذه البركات وضعفت هذه الأرزاق. وهكذا من أعظم أسباب تحصيل الأرزاق وتسهيلها صلة الأرحام. فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره فليصل رحمه». كيف عبد الله تريد الرزق من الله جل وعلا وقد قطعت أرحامك وأفسدت الفساد العظيم الذي قال الله جل وعلا فيه: ﴿ة، ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾. وهكذا من أسباب تسهيل الأرزاق وتحصيلها الصبر. فالله جل وعلا يبتلي العباد لما يبتليهم به من قلة الأرزاق وضعفها ليختبرهم جل وعلا: هل يصبرون على قضائه وقدره جل وعلا أو يتضجروا؟ فالله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾. وفي البخاري عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «وجدنا خير عيشنا بالصبر». فيا أيها الناس، أنتم ترون ضعف البحر في مثل هذه الأيام ونقص الصيد، وهكذا غلاء الأسعار وضعف الموارد، وكل ذلك من الابتلاء. وكل ذلك بسبب ما اقترفت أيدينا. ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. فهل من توبة؟ وهل من رجوع؟ وهل من اعتبار؟ آن للناس أن يرجعوا إلى الله جل وعلا وهم يمرون بهذا الضنك من العيش. جزاء وصدقا ما أخبر جل وعلا: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. وهكذا عباد الله علينا بالتوبة والاستغفار. علينا بالتوبة والاستغفار. فالله جل وعلا هو القائل في كتابه الكريم: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا﴾. قال نوح لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾. فالبدار البدار عباد الله بالتوبة النصوح إلى الله جل وعلا والتحلل من المظالم والكثير من الأعمال الصالحات. ومن التوبة والاستغفار ومن الإكثار من فعل الخيرات والطاعات والتراح فيما بيننا وترك التباغض والتشاحن والحسد والبغض. فكل هذه الأمور يا عباد الله من أسباب ضعف الأرزاق ومن أسباب حرمان البركات فيها. فالله الله عباد الله بالتوبة النصوح. نسأل الله جل وعلا أن يسر أرزاقنا وأن يرزقنا رزقا حسنا طيبا وأن يحفظنا من بين أيدينا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.