طرق المسلمين في مجابهة الكافرين

الخطبة بعنوان طرق المسلمين في مجابهة الكافرين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 1 ديسمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الجهاد وأقسامه

يتناول المقطع مفهوم الجهاد وأهميته في مواجهة الكفار، ويقسم الجهاد إلى قسمين: جهاد بالسيف والقوة وجهاد الحجة والبيان. يجب أن يكون الجهاد تحت إشراف الأئمة الذين يعلمون المصالح والمفاسد.

جهاد الحجة والبيان ومبدأ الولاء والبراء

النوع الثاني من الجهاد هو جهاد الحجة والبيان والعلم والقرآن، ويكون بنشر تعاليم الإسلام والرد على أديان الكفار. مبدأ الولاء والبراء يعزز مكانة المسلم بدينه ويحذر من اتخاذ الكفار أولياء.

مقابلة الكفار بالصبر والتقوى والدعاء

يجب على المسلمين مجابهة أهل الكفر والشرك بالجهاد والتمسك بدينهم، مع التحلي بالصبر والتقوى. كما يتضمن الدعاء على الأعداء طلبًا للتفرقة بينهم وتشتيت جمعهم وهزيمتهم.

  • 19 جمادى الأولى 1445هـ - 01/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من حكمة الله جل في علاه في كونه وخلقه، وفي تدبيره وأمره، أن أوجد الصراع بين حزب الشيطان وحزب أوليائه، بين المسلمين والكفار، بين المؤمنين والفجار، بين أهل الإسلام وسائر أهل الملل والأديان، فلا يزال هذا الصراع يحتدم بينهما على مدى العصور والأزمان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها من إنس وجان، كل ذلك لحكمة عظيمة، ألا وهي قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فإذا علم المسلم أنه لا بد من المجابهة، وأن المواجهة حاصلة مع أهل الكفر في أي زمان وفي أي مكان كان، ينبغي على أهل الإسلام أن يتعرفوا على أهم الطرق التي بها يواجهون ويجابهون مخططات الكفار. عباد الله، وإن من أعظم ما يواجه به الكفار من قبل أهل الإسلام ما يكون من الجهاد، من إعلان القتال على أهل الكفر والكفران، كما قال ربنا جل في علا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أمر الله جل في علا بعموم جهاد عموم الكافرين على اختلاف مللهم ونحلهم، ويلحق بهم أذنابهم من أهل النفاق والشقاق ممن هم في الظاهر معنا، لكن في قلوبهم وبواطنهم مع غيرنا، مع أعداء ملتنا وديننا. وإن العلماء قسموا الجهاد إلى قسمين اثنين: إلى جهاد بالسيف والرماح والقوة والسلاح، كما قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. وهذا الجهاد إنما يكون بتوفر قيوده وشروطه، وبتحقق صفاته وضوابطه، وباستكمال عتاده وعدته، وأن يكون تحت نظر الأئمة، فهم الذين يعلمون المصالح والمفاسد والمآلات والعواقب. وأما النوع الثاني من أنواع الجهاد، كما صرح به العلماء، ما يكون من جهاد الحجة والبيان والعلم والقرآن، كما قال ربنا جل في علا: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، قال المفسرون: أي القرآن، فهو جهاد بالعلم. وذلك يكون بنشر تعاليم الإسلام، وبتبليغ محاسنه وفضائله لدى الأنام، وبالرد على تلكم الأديان من أديان أهل الكتاب وغيرها من الملل والنحل، بكشف عوارها وبيان زيفها، وبفضحها وتبيين حقيقة أمرها، وهذا من أعظم أنواع الجهاد. قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «أهجو قريشًا؟» الهجاء يكون بالقدح والذم والكشف والفضح والعيب، «أهجو قريشًا؟ فإنه لأشد عليهم من رشق النبل»، فهذا مما ينبغي أن يواجه به الكفار. وأيضًا من الطرق المهمة في هذا المقام، وبه يحصل المجابهة إزاء الكفار، ما يكون من تفعيل مبدأ الولاء والبراء، هو من صميم عقيدتنا، وهو من أصول ديننا. وهذا المبدأ معناه وفحواه أن يكون ولاؤك، محبتك، نصرتك لأهل الإسلام على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم، وأن تكون براءتك، وكرهك، وبغضك، وعداوتك لأعداء الدين من الكفار والمشركين من يهود ونصارى وملحدين. قال سبحانه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، ليس العبر يا عبد الله بالأحوال الشخصية فيما بينك وبين خلق الله، وإنما الولاء والبراء على الدين». المؤمن كل من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا، تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، وبالمقابل الكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. عباد الله، إن مبدأ الولاء والبراء هو مبدأ يهدف إلى إعزاز المسلم بدينه، وأن يستعلي به على غيره، وكيف لا وربنا القائل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالمسلم لا يجعل في قلبه للكافر تعظيمًا ولا إجلالًا ولا توقيرًا ولا احترامًا، وللأسف أن تأتي هذه الأحداث فنجد من الناس من أخذ يعقد آمالًا ويرجو طموحات من مؤتمرات واجتماعات دولية أممية يترأسها كفار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، إياك يا من ضعف عندك مبدأ الولاء والبراء أن تعقد آمالًا في مثقال هؤلاء، فإنهم حرب على الله ورسوله وعلى المؤمنين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا شيئًا مما ينبغي أن يعد له العدة في مجابهة أهل الكفر والشرك، وذلك بما يكون من جهادهم جهادٌ بالسيف والسنان، وبالعلم والقرآن، وبالحجة والبيان، وهكذا ما يكون من تفعيلٍ لمبدأ الولاء والبراء. وأيضًا مما يكون فيه مجابهة الكفار والرد عليهم ما يكون من التمسك بديننا والاعتصام بشريعة ربنا. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾، يصف الله جل وعلا أهل الكفر بصفةٍ لازمةٍ دائمةٍ فيهم في كل زمانٍ ومكان أنه متى ما حظينا بحسنة جاءنا خير، فإنهم يحسدوننا. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، يجعل الله جل وعلا كيدهم في نحورهم، متى ما تمسكنا بديننا، وأشار ربنا جل وعلا إلى صفتين عظيمتين: الصبر والتقوى. فالصبر كما قال العلماء يشمل أولًا الصبر على الطاعات والعبادات، وعلى الفرائض والواجبات، فمن لم يصبر عليها فلا يطمع في أن له الصبر على ملاقات أعداء الدين. قال عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن النصر مع الصبر»، ومن صور الصبر الصبر على أذيتهم وعلى تطاولهم وعلى ما يكون من استفزازاتهم، وذلك بأن نصبر فلا ننجر إلى استفزازاتهم، ولا ننجرف إلى مستوى أخلاقهم. كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، ومن الصبر أيضًا الصبر إذا أردنا أن نواجههم فلا نخاف منهم. قال ربنا جل وعلا: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. إذا أردنا أن نلاقيهم نتسلح بالصبر فلا نخاف ولا نجزع، فلا نضخمهم ونرفعهم فوق قدرهم أو نجعلهم فوق حجمهم، فهم أحقر بهذا بكثير. وأما التقوى: أن نجعل بيننا وبين عذاب الله وقاية، وذلك باجتناب الحرمات والمحرمات والمخالفات والموبقات، وكل ما يجلب علينا سخط الله جل وعلا، نتقيه سواء كانت هذه المخالفات فيما بيننا وبين ربنا أو ما كان بيننا وبين خلقه من عقوق وقطيعة وشحناء وبغضاء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم احفظ بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين. اللهم إن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين في أرض فلسطين، اللهم نجيهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. اللهم أيدهم بتأييدك، وانزل عليهم مددًا من عندك، اللهم احفظهم بحفظك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمنهم في ديارهم وبيوتهم. اللهم تقبل موتاهم، وعاف مبتلاهم، وداوي جرحاهم، وفك أسراهم، اللهم كن معهم عونًا ومعينًا وظهيرًا ونصيرًا، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم. اللهم اغرق الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للإسلام والمسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.