الدرس في أخطاء المصلين 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
النياحة برفع الصوت والصراخ وتعداد محاسن الميت من خصال الجاهلية التي نهى عنها النبي ﷺ، وتوعد النائحة بعذاب شديد إن لم تتب، وأخذ البيعة على النساء لتركها. وهي كبيرة من الكبائر تخالف الصبر الواجب عند المصيبة.
البكاء الهادئ ودمع العين رحمة ولا ينافي الصبر، كما فعل النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم وحفيده، بينما النياحة بالصراخ والعويل وذكر المحاسن محرمة وتعد من الكبائر. لذا يجب التفريق بين الحزن الطبيعي المشروع والنياحة المنهي عنها.
يوجه الشرع إلى الاسترجاع والدعاء للميت وكثرة ذكر الله والصبر محتسباً، مستدلاً بآيات الوعد بالرحمة والهداية لأهل الصبر. وتؤكد النصوص أن النياحة تزيد الحزن وتورث قسوة القلب، فهي معصية تخالف الصبر المشروع.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أخطاء الجنائز: التسخط، وعظم على مصيبة الموت، وله صور جاء الشرع بتحريمها والنهي عنها؛ لتنافي الصبر. فمن ذلك: النهي عن النياحة عند المصيبة، والنياحة هي رفع الصوت بالبكاء والصراخ والعويل، وربما قام بعضهم بتعداد شمائل الميت ومحاسن أفعاله، فهذا كله يدخل في معنى النياحة. فقد جاء عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». فعد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الخصال من أمور الجاهلية، ومنها النياحة. وجاء أيضاً في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب». والعياذ بالله، تعذب بهذا العذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فينبغي للمسلم -خصوصاً النساء، ذكرتهن لأن النياحة الغالب أن تصدر من النساء، فذكرهن مخرج الغالب، وإلا فقد تصدر النياحة من الرجل فيصيح ويصرخ ويرفع صوته بالبكاء عند المصيبة- أن يتجنب ذلك. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ على النساء عند البيعة ألا ينحن، يبايعهن على ذلك عليه الصلاة والسلام. فعن أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: «أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح». يعني: ألا ننوح عند المصيبة. وأما إذا أصاب الإنسان المصيبة فدمعت عيناه، وخرج منه صوت خفيف يسير، فهذا لا يعد من النياحة، بل هذه رحمة يضعها الله عز وجل في قلب عبده. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما مات ابنه إبراهيم حزن، عليه الصلاة، وقال: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». فدمعت عينه. وكذلك لما مات صبي لإحدى بناته فبكى صلى الله عليه وسلم ودمعت عينه، فقال له الصحابة: «حتى أنت يا رسول الله؟» قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده». فهذا من الرحمة أن يخشع قلبك وتدمع عينك عندما تفقد أقاربك أو أحد أحبابك، فهذا لا ينافي الصبر، بل هذا من الأمور التي قد وقعت أو قد صدرت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وإنما المنهي عنه أن ترفع المرأة صوتها بالبكاء والصراخ والعويل، وما تأتي بالألفاظ: تقول: «بعدك»، أو «كذلك كنت فينا كذا وكذا»، وتذكر من محاسنه، معرفي ذلك، هذا من نياحة أهل الجاهلية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعلى المرأة أن تضبط نفسها، وأن تبتعد عن النياحة، وكذلك تضبط نفسها بضوابط الشرع، وتتذكر أن هذه النياحة تعد من كبائر الذنوب. النياحة تعد من كبائر الذنوب؛ لأنه جاء فيها وعيد أخروي، وهذا أيضاً من ما جعل في ضابط الكبيرة: كل أمر جاء فيه وعيد في الآخرة. وقد سمعتم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، أي: تعذب بذلك في يوم القيامة، فدل ذلك على عظم هذا الذنب. فلا ينبغي للمرأة أن تتساهل في هذا الأمر، وإذا وقع منها ذلك تبادر بالتوبة، كما جاء في هذا الحديث: «النائحة إذا لم تتب». فالواجب عليها أن تتوب من ذلك، وأن تعلم أن هذه النياحة لا ترجع بشيء، ما سيعود ميتها، وما كذلك سيذهب ما بها من حزن، بل تزداد همّاً وغماً وحزناً. فعليها بالأشياء الشرعية: كالاسترجاع، وكذلك قولها: «اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها»، أو «إنا لله وإنا إليه راجعون». وهكذا تكثر من ذكر الله، وتكثر من الدعاء لهذا الميت. الآن هذا الميت ما ينفعه هذا الصراخ، ولا هذه النياحة، ولا هذا البكاء، الذي ينفعه هو الدعاء له والاستغفار له. وكأن يعني: تذكر الله عز وجل في هذه المصيبة، فذكر الله من أسباب الاهتداء، ومن أسباب تخفيف ألم المصائب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. من قال ذلك عند المصيبة، فإن الله عز وجل سيرحمه، وعده بالرحمة ووعده بالهداية، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فإذا رجع المسلم إلى الله عز وجل، وصبر، واحتسب مصابه لله سبحانه وتعالى، وعلم أنه إلى الله رجع، جعل الله عز وجل في قلبه من الطمأنينة، ومن السكينة، ومن كذلك الهداية. فهذا المطلوب عند المصائب. أما النياح وما كان بمعناها، فهذا مما يزيد الحزن والهم والغم، وقسوة القلب، ونحو ذلك؛ لأنها من المعاصي. فأكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى شكراً.