الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 53، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الإمام البربهاري على الإيمان بعذاب الله للخلق في النار مستدلاً بالأدلة القرآنية. يرد على الجهمية الذين قالوا إن العذاب يكون عند النار وليس فيها.
المؤلف يرد على هشام الفوطي الجهمي الذي قال إن الله يعذب عند النار وليس بالنار. يستدل بالكتاب والسنة على تعذيب الكفار بالنار من فوقهم وتحتهم وفي أجوافهم.
هشام الفوطي ابتدع آراء مخالفة للكتاب والسنة، والخروج عن منهج السنة يؤدي إلى الوقوع في البدعة. البدعة تتعارض مع آيات الله وأحاديث الرسول وتعتبر مصادمة للدين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بأن الله تبارك وتعالى يعذب الخلق في النار، في الأغلال والأنكال والسلاسل، والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم. وذلك أن الجهمية، منهم هشام الفوطي، قال: إنما يعذب الله عند النار، رد على الله وعلى رسوله. في هذه الفقرة، أورد الإمام البربهاري رحمه الله تعالى في رسالته «شرح السنة» هذه المسألة المتعلقة ببعض عقائد المبتدعة، فقال رحمه الله تعالى: قال: والإيمان بأن الله تبارك وتعالى يعذب الخلق في النار، يعذب الخلق في النار في المحل وفي الذات، قال: في الأغلال والأنكال والسلاسل. وهذه جاءت بها الأدلة، أما الأغلال، فهو الذي تغل به الأيدي والأعناق، تغل به الأيدي والأعناق، فإن ذلك مما يكون لأهل النار، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا الأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾. وأما الأنكال، قال علماء: الأنكال هي آلات التعذيب، ويقال كذلك في الأنكال: هي الحديد الثقيل، فإن ذلك مما سيجري من تعذيب الكفار به من الحديد الثقيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكالاً وَجَحِيمًا﴾. وكذلك السلاسل، وهي جمع سلسلة، وهي الحلق المترابطة، فإن أهل النار يعذبون بالسلاسل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. فهذه أنواع من أنواع العذاب الذي سينزل على أهل النار لإعراضهم وكفرهم بالله جل وعلا. قال: والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، أي أن العذاب سينصب في أجساد الكفار، وأن النيران ستشتعل في أجساد الكفار. ومن يعذب في النار؟ ما الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر هذه المسألة؟ أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يعرج على مقالة شاذة من مقالات المبتدعة، فقال: وذلك أن الجهمية، منهم هشام الفوطي، قال: إنما يعذب الله عند النار، رد على الله وعلى رسوله. الأدلة الدالة في الكتاب والسنة تدل، كما سمعتم، على أن النار ستنصب، والكافر والذي يعذب في نفسه يشتعل نار من فوقه ومن تحته وفي جوفه كله نار، ويعذب بالنار. إلا أن فرقة من المبتدعة، ماذا قالوا؟ قالوا: نحن نقول بأن الكافر، نعم هو يعذب داخل النار، أم أنه يعذب بالنار؟ فلا، لا يعذب بالنار، لا يعذب بالنار. وهذا مقالة شاذة مخالفة للكتاب والسنة وظواهر النصوص، وأجمع الأمة. ومن من تبنى هذا القول؟ الرجل ضليل اسمه، كما أورد المؤلف رحمه الله تعالى وسمى: هشام الفوطي. هشام الفوطي، فإنه رجل معتزل كوفي، معتزل كوفي، وهو قد ترأس فرقة سميت باسمه «بالهشامية»، سميت باسمه الهشامية، وهو من معتزلة، وعنه هو على ضلاله، إلى أنه مع ضلاله انفرد بأشياء عن المعتزلة، هو معتزلي هو ضليل معتزلي. ومع أنه من المعتزلة، إلى أنه خرج عنهم أيضا بآراء شاذة، خرج عنهم بآراء شاذة، مع ضلاله خرج بشذوذات، خرج بشذوذات. والذي أداه إلى هذه الشذوذات أنه اغتر بذكائه، فقد وصف بالذكاء، ولها ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في «سير أعلام النبلاء»، قال: «صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال»، صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال. فكونه على بدعة، ومع البدعة أوتي ذكاء، ومع هذا وذاك أوتي جدلا، اكتمت فيه الضلال كلها، فجاء بالوبال على هذه الأمة. فمثلا، ممن تميز به هذا الرجل وخالف المعتزلة، المعتزلة قد مر ذلك، معنى أنهم ينكرون وجود الجنة والنار، هذا عند المعتزلة، يرون أن الجنة والنار ليست موجودة الآن، هشام الفوطي معهم على هذا المذهب، لكن ما الذي زاد عنهم؟ زاد عنهم قال: والذي يقول بوجودها الآن فهو كافر، الذي يقول بوجود الجنة والنار فهو كافر، وهذا على خلاف الكتاب والسنة. وأيضا مما يقوله: يقول أن لا تقنع قولك «حسبنا الله ونعم الوكيل»، هذا لا يجوز، وإنما عليك أن تقول «حسبي الله ونعم المتوكل عليه». وقولك بأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أن هذا إلحاد وباطل، إلحاد وباطل. ويرى كذلك أن الإمامة لا تنعقد في أيام الفتن، الإمامة والخلافة لا تنعقد في أيام الفتن، وإنما تنعقد في أيام الاتفاق، وغير ذلك من النقولات التي ماذا خرج بها عن منهج السنة أصلا؟ وثم كذلك فارق أصحابه من المعتزلة، وممن ابتدع هذا الرجل المقالة الذي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى عنه، الآن أنه يقول أن لا نقول بأن الكافر يعذب بالنار، وإنما يعذب في النار، يقول هكذا: نحن نقول أن الكافر يعذب في النار، لكن هل يعذب بالنار؟ نقول: لا، لا يعذب بالنار. وقال ماذا؟ رد على الله، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: رد، وقال: رد على الله وعلى رسوله. فهذا اجتهاد أداه بدعته، وبهذا نعلم إخواني في الله حال من خرج عن منهج السنة وخرج عن فهم الكتاب والسنة، فإنما يصير إلى البدعة، البدعة وهي المصادمة والمضادة لآيات الله ولأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. فهذا إخواني في الله مسألة متعلقة بهذا الباب. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.