شرح الباعث الحثيث 53

الدرس في شرح الباعث الحثيث 53، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

آداب السماع وضوابط صحة الرواية والإجازة

يناقش المقطع ضوابط صحة السماع في مجالس الحديث مبيناً أن النعاس أو الحديث أو بعد السامع أو سرعة القارئ قد تؤثر في الضبط، وأن الإجازة تجبر الخلل اليسير إذا كان الفهم حاصلاً. وينبه على خطر المبالغة في طلب الإجازات من غير أهلها مستشهداً بواقع المجالس في عصر ابن كثير وحضور ابن تيمية شاباً لمجلس المزي.

مجالس السماع الحاشدة في عهد ابن كثير ووصف حال المستمعين

يصف ابن كثير رحمه الله مجالس السماع الكبرى التي كانت تعقد في بغداد وغيرها حيث يحضرها ألوف مؤلفة من مختلف الطبقات، ويُكتب السماع للجميع حتى مع وجود اللغط والنعاس. ويذكر نظام المستملين الذين يرددون صوت الشيخ ليصل إلى الجموع الغفيرة في الساحات الواسعة مما يدل على شدة حرص الأمة على سماع الحديث النبوي وتدوينه.

أحكام السماع من وراء حجاب والهاتف والرواية عن النساء

يبيّن المقطع جواز السماع من وراء حجاب قياساً على رواية السلف عن أمهات المؤمنين، ويمدّد الحكم إلى السماع بالهاتف مع التنبيه على ضبط العبارة. ويتناول جواز الرواية عن النساء مع ذكر نماذج معاصرة، ويقرر أن رجوع الشيخ عن الإجازة بغير حجة معتبرة لا يسقط السماع، ويختم بقاعدة ابن تيمية في إجازة القرآن: العبرة بإتقان القراءة لا بعلو الإسناد.

نقد الأسانيد المركبة ودراسة تضعيفها في كتاب الكوكب المعتلي

يتحدث المقطع عن اكتشاف انقطاع في رواية مركبة بين الطبلاوي وراوٍ آخر مما أدى إلى ركوب إسناد مصطنع، ويشير إلى دراسة هذه الأسانيد في كتاب الكوكب المعتلي وتأليف مجلد مصري يضعفها. ويبرز أهمية النقد الدقيق للأسانيد المركبة لكشف الوضع والاختلاق في طرق الرواية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال ابن الصلاح رحمه الله: قال الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة رحمه الله تعالى: نحن في القراءة حال كون الطالب ينعس أو يتشاغل بالإملاء، تقدم الكلام على المسألة في المجلس السابق. قال ابن الصلاح: وكذلك التحدث في مجلس السماع. هذه صورة جديدة، وما إذا كان القارئ سريع القراءة أو كان السامع بعيدا من القارئ، هذه مسألة، وهذه مسألة أخرى، فهي ثلاث مسائل. وكذلك التحدث في مجلس السماع، أي: هل يكتب له سماع مع كونه في الدرس وفي مجلس القراءة كان يتكلم مع صاحبه؟ قلنا: الأصل في مثل هذا أن ينظر في الشخص، فإن كان من أهل الحفظ وحضور القلب وشدة الضبط، فإنه يكتب له السماع، وإن كان بعض الحفاظ يعد مثل هذا مما يحتاج إلى تنبيه فيعدونه من سوء الأخذ. وما إذا كان القارئ سريع القراءة، أي: فربما أدغم بعض الحروف أو لم يسمع السامع بعض ما يتكلم به القارئ. وهذا الموضع: إن كانت القراءة حَذّا لا يفهم ما يقرأ، فهي وضرب الطبول سواء. إن كانت القراءة هَذّا لا تفهم، فهي وضرب الطبول ونحوها سواء، لأنها نوع ضجيج لا يفهم منه لفظ. مثل هذا الصحيح أنه لا يعد سماعا. يقرؤون البخاري هَذّا لا تكاد تفهم الحديث المسموع، ولا تدري الراوي المذكور، فمثل هذا لا يعد لهم بسماع. لكن إن كان سريعا، يقول الذهبي رحمه الله في المزي وابن تيمية فيما أذكر: وكان المزي يقرأ فيعرب في قراءته للحديث مع سرعة القراءة، وكان ابن تيمية يقرأ فيعرب، وربما أدغم بعض الحروف. من القائل هذا الكلام؟ الذهبي يرحمه يعني ابن تيمية: إذا قرأ عليه الشيخ ربما يقرأ، فأثناء سرعة القراءة قد لا تسعد، فيدغم حرفا في حرف أثناء سرعة القراءة. هذا في ابن تيمية. لكن المزي أو فلان من الناس يقرأ ويسرع ويفصح في القراءة، مثل هذا لا يضر. قال: وما إذا كان القارئ سريع القراءة أو كان السامع بعيدا من القارئ، ثم اختار -أي ابن الصلاح- أنه يغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ مع النسخ فالسماع صحيح، وينبغي أن يجبر ذلك بالإجازة بعد ذلك كله. أي: إذا حصل مثل هذا الأمر، ينبغي للشيخ أن يقول للطلبة: «أجزتكم ما يصح لروايته من هذا الكتاب بما في أسانيد مشايخنا»، إن شاء أن يعدد المشايخ عددهم، من أجل أن تكون الإجازة شافعة لما قد يحصل من الغفلة أو السهو أو عدم سماع بعض الألفاظ أثناء السماع، فيكون سماعا وإجازة. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يجبر ذلك، أي: ذلك الخلل، بالإجازة بعد ذلك كله. قال ابن كثير رحمه الله: هذا هو الواقع في زماننا اليوم، وكذلك هو الواقع في زمان... هذا موجود: قراءة تقرأ على بعض المسندين من المشايخ المعمرين كصحيح البخاري ونحوه، فيجبرونها بالإجازة. وهذا غلا فيه في زماننا أقوام حتى ضيعوا السنة، وقبلها التوحيد، فربما ذهبوا إلى مخرف مشرك بالله عز وجل، وقبلوا يده ورأسه، وأظهروا له أنهم منه وإليه، لا ينكرون عليه، كل ذلك من أجل أن يتلفظ لهم فيقول: «أجزتكم». ولو نظر في حاله لعلم أنه ليس أهلا أن يجاز، فكيف يكون أهلا أن يجيز؟ هو ليس بأهل، فكيف أن يجعل أهلا؟ هذا موجود: قرأت في بعض الناس يقول: «رحلنا إلى دمشق فجئنا عند شيخ مخرف بن قوسين» -هذا من عندي كلمة «مخرف»- فحدثنا بحديث بالسماع عن الخضر عليه السلام، يروي بالسماع عن من، عن الخضر عليه السلام. سبحان الله، سبحان الله! يقول هذا، فلم نأخذ. أقول في هذا الموضع: ولم تنكر؟ أين الإنكار لمثل هذا؟ هذه خرافات، أشياء لا دليل عليها. هذا الرجل أو الشيخ أو الشاعب يظن نفسه يسمع من الخضر، وإنما هو جالس مع إبليس يقرقر في أذنيه، فيقول له: «أنا الخضر، وأنا نبي الله فلان، اسمع مني»، فيسمع منه. فإنما تروون عن هذا الشيخ عن إبليس لعنه الله، هذه الحقيقة. والخضر قد مات في قول محققي العلم. وكذلك السنن: ربما وجد في بعض المجالس شيئا من البدع، فينبغي لطالب العلم أن ينظر في من يسمع منه أو يستجيزه من المشايخ أهل الرواية، فإن كانوا أهل سنة فهم الذهب الأحمر، ينبغي الحرص على روايتهم وإن نزل إسنادهم. وإن كانوا عواما من الناس فلا بأس بالأخذ عن العوام الذين ليسوا دعاة إلى البدع ولا رؤوسا في البدع، لا مانع من الأخذ عنهم في صنيع الأئمة: رجل عامي أو ليس بعالم، عنده بعض الأخطاء، لكنه ليس داعية ولا رأس في الباطل، وهو عامي قد لا يحسن قراءة القرآن، لا مانع من الأخذ عنه من باب بركة الرواية. يقول ابن كثير رحمه الله: هذا هو الواقع في زماننا، أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، والبعيد من القارئ، والناعس، والمتحدث، والصبيان الذين لا ينضبط أمرهم، بل يلعبون غالبا. سبحان الله، هذا موجود في ذلك الزمان: كانوا حريصين على سماع الكتب الستة ونحوها، فيحرصون على قراءة البخاري، قراءة مسلم، قراءة موطأ الإمام مالك، قراءة المطولات، من أجل أن يسمع الإنسان السنة ويستفيد معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه المجالس يحضرها كثير من الناس، يعلق الشيخ على بعض الأحاديث. وجدت في ورقة مخطوطة سماعا كتبه المزي فيما أذكر، وإذا به يسوق طبقة السماع الحاضرين، إلى أن قال: «وممن حضر أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية». هذا الكلام في شباب، وابن تيمية في ذلك الوقت فتى وشاب. قال: «ومن الحنابلة أحمد بن عبد الحليم»، سألوه عن اسمه فكتب اسمه. يكتبون الأسماء إلى اليوم، موجودة طبقات للسماع في تلك الكتب، لا مانع من هذا، هذا من باب الزيادة، لكن جعله غاية يضيع فيها العلم ليس من نهج أهل العلم. ابن تيمية لم يقتصر على هذه الإجازات الموجودة اليوم والمبالغ فيها، وإنما اهتم بالعلم النافع وتأصيله وضبطه وتحصيله والعناية به، هكذا ينبغي أن يكون صاحب العلم الموفق وصاحب السنة المسدد. يقول ابن كثير رحمه الله: وينبغي أن يجبر ذلك بالإجازة بعد ذلك كله. هذا هو الواقع في زماننا اليوم. ما هو الواقع في زمان ابن كثير؟ أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، بعض العوام، بعض الطلبة المبتدئين، وهذا يدل على حرص الناس على الخير. حرص الناس على الخير: يقولون هذا الرجل له رواية وسماع قديم، يحرصون، فتجد العلماء يحضرون، وتجد طلاب العلم النابهين، وتجد طالب العلم المتوسط، وتجد طلبة باديئين، وتجد بعض العوام، وتجد صبيانا صغارا يصحبهم آباؤهم: «تعال يا ولدي»، قال: «أبغى ألعب»، قال: «لا، لا تلعب الآن، تعال مجلس، اسمع البخاري، اسمع مسلم، اسمع كتاب كذا». سبحان الله! فتكتب الأسماء. قال رحمه الله: ومن يفهم ومن لا يفهم، والبعيد من القارئ، والناعس -يحصل هذا، ينعس شوية كده، تغمض عينه-، والمتحدث -بعض الناس سبحان الله، لسوء الحظ عنده أحيانا المجلس يقرأ وهو يقول: «وين وصلوا؟ فين قدهم؟ وين كذا؟» عنده قلم، طيب، أنا أسمع الشيخ، ما أريد أنقطع عن سماع الكتاب. سبحان الله، هذا أيضا من الغلط-، والمتحدث -أما المتحدث في مواضيع أخر فهذا مصيبة-، والصبيان الذين لا ينضبط أمرهم: «اسكت، اسكت، انتبه، انتبه»، بل يلعبون غالبا، إما بالحصى، وإما هذا يدق هذا، وهذا كعادة الأطفال، كثرة الحركة، ولا يشتغلون بمجرد السماع. قال رحمه الله تعالى: وكل هؤلاء قد كان يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله. كل هؤلاء يكتب لهم السماع بما حصل لهم من حضور المجلس، بحضرة أحد كبار أئمة الحديث في الأمة، وهو الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى. وما القرابة بين أبي الحجاج المزي وابن كثير؟ ذكرنا هذا من قبل: عندك أبي حمزي، فضل ابن كثير، تزوج ابنة الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله. قال: وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب، فقال: «لا تزجروهم، فإنا سمعنا مثلهم». وقد روي عن الإمام العلم عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: «يكفيك من الحديث شمه». الله أكبر. وكذا قال غير واحد من الحفاظ: أي أن تجشمك الصعاب وجلوسك وصبرك على سماع الحديث منقبة لك تحسب، وإن كنت لست فقيها أو لست طالب علم أو كنت طفلا صغيرا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». قال رحمه الله: وقد كانت المجالس تعقد ببغداد، تعقد المجالس، وهذه السنة محيت في الأزمان المتأخرة. مجالس خاصة يقرأ فيها البخاري والسنن، وربما قرؤوا مسند الإمام أحمد، وربما قرؤوا معاجم الطبراني، وربما قرؤوا كتاب التوحيد لابن خزيمة. وكان علماء السنة في بلاد اليمن الأوسط في نواحي إب يقرأون كتاب التوحيد لابن خزيمة، لشدة تمسكهم بالسنة، في كل عام لهم مجلس في قراءة التوحيد لابن خزيمة، ويقرأون الشريعة للآجري. ويقرأون هذه الكتب بالسماع. حتى رأيت في بعض تراجم العلماء من أهل تلك الديار أنهم كانوا إذا تزوجت البنت اشترطوا في جهازها نسخة من كتاب التوحيد لابن خزيمة، نسخة ضمن الطقم، ضمن إيش اسمه، إيش الهدية، إيش يقرأون؟ سيد الكلام، إيش يا أبي عبد الله؟ إيش الصبحة؟ الصبحة، نعم الصبحة، ضمن الصبحة، إيش؟ كتاب التوحيد لابن خزيمة مخطوط، لابد العريس يدبر نفسه، يكتبه، يشتريه، يوكل واحد يكتبه، يحط لها، المرأة تتوصل البيت وين توحيد ابن خزيمة. قال: موجود في الصبحة، موجودة في ذاك الزمان، يعني عقولهم وأفهامهم، قلوبهم تختلف عن كثير من أهل هذا الزمان لتعلقهم بالعلم النافع. الشاهد: مجالس يقرأ فيها العلم، يقرأ فيها كتب السنة، تجرد جردا، شيء من التعليق، جرد، تقرأ، فيكتبون السماع، تدي في كذا وكذا وكذا، وحضر فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان، حصل له فوت من كذا إلى كذا، وفلان حصل له نقص من كذا إلى كذا، وفلان حصل له إلى آخر... هكذا كانوا. لكن هذه السنن الآن قلت في هذه الأزمان. قال ابن كثير: وقد كانت المجالس تُعقد ببغداد، بغداد دار العلوم، بغداد بلد العلم والعلماء، بلد الإمام أحمد، بلد الحفاظ والأئمة رحمهم، وبغيرها من البلاد أيضا. تحيى مجالس السماع وقراءة المطولات في غيرها من البلاد كدمشق ومكة والمدينة وغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس، الفئام يعني الجماعات المختلفة، بل الألوف المؤلفة. الله أكبر، يجتمع الألوف المؤلفة، هذا في زمن ابن كثير. انظر طلبة العلم كم؟ عشر، عشرين، ثلاثين، فئة، بل الألوف، بل الألوف المؤلفة. سبحان الله، سبحان الله! هذا يدل على أن المجتمع حريص غاية الحرص، مع أن الكتاب أربعة مجلدات، مثل صحيح البخاري أربعة مجلدات، وهم في غاية الحرص والجلد، ألوف مؤلفة. الله أكبر. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد كانت المجالس تُعقد ببغداد وبغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس بل الألوف المؤلفة، ويصعد المستملي على الأماكن المرتفعة، ربما وضعوا: كان هناك منبر أو حجر مرتفع أو جبل أو شيء من المرتفعات، فيقف ويسمع، ويكون رجلا صاحب صوت. وربما وجد من المستملين مجموعة مرصوصة كالأعمدة المتباعدة، فيقول الشيخ وهو جالس على رتوة مرتفعة، خشبة أو كرسي مرتفع: «حدثنا أبو اليمان»، فيقول المستملي: «حدثنا أبو اليمان»، ويصيح ويسمع الناس، فيسمع الذي بعده ويقول: «حدثنا أبو اليمان»، ويصيح ويسمع الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع، وربما عشر مستملين، حتى يغطوا الساحة كلها. في أحد، لعله مر بنا في أحد المجالس، خثر الناس، جابوا مستملين وما في فائدة، اللي وراء يقولوا: «ما نسمع، إيش فيه؟» قالوا: «ما نسمع»، قالوا: «ما يصلح لها إلا فلان، ما يصلح لها إلا فلان»، جيبوا فلان، نسيت اسمه، صاعقة أو كذا، نسيته، فجيء به فصاح، قال: «الروم»، فكأن صوته الرعد، زلزلهم، زلزل. هاك، سبحان الله! صاح، صيح: «حدثنا فلان»، قال: «خلاص، سمعنا»، آخر واحد يسمع وأول واحد يسمع. سبحان الله، هذا يدل على الحرص الشديد. قال: ويصعد المستملي على الأماكن المرتفعة، ويبلغون عن المشايخ ما يملون، فيحدث الناس عنهم بذلك، مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام، الكل يكتب له السماع ويثبت له سماع في تلك المجالس. هذه المجالس، هل يجمعها مسجد؟ هذا السؤال، هل يجمعها مسجد؟ هذا لا يمكن أن يجمعها مسجد، هذا يحتاج إلى مصلى عيد أو مصليات، أو مصليات يعني في أماكن بعيدة، حتى وجد أن بعضها تكون في بعض الأماكن التي يكون فيها الفضاء كالصحراء، فيكون المسمع الشيخ في طرف، وهكذا المستملون، هذا إلى عصر ابن كثير. سبحان الله، شاهد أنهم يكتب لهم السماع مع ما يحصل من اللغط. وهذا يقول: «إيش قال؟ إيش قال؟ إيش قال؟»، وهذا يضيء، يحصل نوع من اللغط مع جمع الناس، ولابد. هذا سمعه دقيق، وهذا سمعه ثقيل، يحصل. وحكى الأعمش أنهم كانوا في حلقة إبراهيم، يعني النخعي، إبراهيم بن يزيد الكوفي، والأعمش سليمان بن مهران الكوفي، المحدث الثقة، لقي بالأعمش أبو محمد، الهلال لأن في عينيه عمشا، كان إذا جاء الليل لا يبصر، والأعمش له قصص ونوادر كثيرة. وحكى الأعمش أنهم كانوا في حلقة، في حلقة إبراهيم، إذ لم يسمع أحدهم الكلمة، إذا لم يسمع أحدهم الكلمة جيدا استفهمها من جاره، يعني يقول له: «أنا شكيت في الكلمة، إيش الكلمة؟» قال: «قال كذا وكذا»، فيكتب الكلمة في دفتره، وهو إنما ثبته فيها من صاحبه. الأولى في مثل هذه الحالة عند المحدثين الأوائل أن يكتب: «وثبتني فيها فلان». هذا الأولى، وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن عقبة بن عامر وجابر بن سمرة وغيرهما. قصة عقبة معروفة في هذا الباب، حين خرج سمع بعض حديث الوضوء ثم خرج لإبل يدركها. قال: وهذا هو الأصلح للناس، وإن قد تورع آخرون وشددوا في ذلك، وهو القياس، والله أعلم. ويجوز السماع من وراء حجاب. هذه مسألة أيضا أخرى، وهي أن يأتي طالب العلم فيختبئ خلف حجاب ويسمع الدرس، لماذا؟ لأن الشيخ لا يرضى حضوره، فهو يختبئ حتى لا يراه، لأنه إذا رأى يقول له: «يلا يمشي، يمشي، لا تجلس، يمشي، يشي، يسويه»، يختبئ، فلا يريد أن يفوت على نفسه بسبب شدة الشيخ أو نظرته عنه، فيسمع من وراء حجاب، يسمع من وراء حجاب. الظاهر أن ما يحصل اليوم السماع بالجوال دليله هذه المسألة، إذا جاز السماع من وراء حجاب جاز السماع بالجوال والهاتف النقال، والله أعلم. فيكون المسمع في بلد والمستمع في بلد، ويسمع منه أحاديث الرسول، والأولى أن يكتب: «سمعته بالهاتف»، فإن سكت صح سماعه إن شاء الله. ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يروون عن أمهات المؤمنين، كان أمهات المؤمنين تكون بالداخل، وهذا يدل على الحرص على العلم. أما اليوم فقد قل العلم في النساء، اليوم قد قل العلم في النساء، قل العلم في النساء، ولا أعلم راوية تصلح أن يروى عنها اليوم من الرواة إلا الشيخة صفية بنت العلامة، بنت العلامة، أو بنت العلامة الشيخ يحيى بن محمد بن لطف شاكر الأهنومي، وهي اليوم في صنعاء، لا زالت تعيش، أجازها أبوها العلامة يحيى بن محمد بن لطف شاكر الأهنومي، وهو من كبار علماء السنة والتوحيد، آذاه، آذاه الزيدية، وترجم له مؤرخ اليمن إسماعيل الأقوى، وذكره العلامة الواديعي في صعقة الزلزال وغيرها، عالم كبير، بنته لا زالت تعيش إلى اليوم، لا زالت تعيش إلى اليوم، وهي تجيزكم بالرواية عنها إن شاء الله تعالى فيما ترويه عن أبيها، وعن محدث الحجاز، الحجاز، الشيخ عبد الرحمن الصنيع، بكتبه وأثباته وإجازاته. ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف، وكانوا يروون عن النساء، لا مانع من الرواية عن النساء، ابن تيمية تتلمذ على أربع من النساء، ست الملك وست كذا، مذكورة أربع من النساء، وكذلك المزي له أربع شيخات، فالرواية عن النساء شرف لقلة الرواية في هذا الزمان. ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يروون عن أمهات المؤمنين، واحتج بعضهم بحديث: «حتى ينادي ابن أم مكتوم». وقال بعضهم عن شعبة: «إذا حدذك من لا ترى شخصه فلا تروي عنه». نعم، إذا كنت لا ترى شخصه ولا تعرفه، قد يكون شيطانا، لكن إذا كنت تعرفه قال: «فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول: حدثنا أو أخبرنا، أخبرنا». قال ابن كثير: وهذا عجيب وغريب جدا، هذا له محمل صحيح، هذا له محمل صحيح، وهو الرواية عن من لا يعرف ولا يدرى من هو، نعم، مثل هذا يحذر، لا بد أن تعرف ضبطه وعدالته وصدقه وسماعه وروايته، ثم تتكلم بعد ذلك في السماع منه. إذا حدثه بحديث ثم قال: «لا ترويه عني»، هذه مسألة أخرى، هذه مسألة أخرى، أو رجعت عن إسماعك ونحو ذلك، غضب الشيخ على الطالب، قال: «خلاص، رجعت عن إسماعك»، أو «لا ترويه عني». قال ابن كثير: ونحو ذلك، ولم يبد مستندا سوى المنع اليابس، أي لم يقل مثلا: «وهمت»، أو «هذا معل»، أو «غلط»، أو «أسمعتك شيئا لم أسمعه» فعدل، لم يبد حجة تجيز المنع وتسقط السماع. قال: ولم يبد مستندا سوى المنع اليابس، أو أسمع قوما فخص بعضهم وقال: «لا أجيز لفلان أن يروي عني شيئا»، فإنه لا يمنع من صحة الرواية عنه، ولا التفات إلى قوله. يعني الشيخ، وقد حدث النسائي عن الحارث بن مسكين والحالة هذه، وأفت الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني بذلك: «من سمع قلنا قد سمع، ومن أجيز قلنا قد أجيز». ورجوع الشيخ: إن كان لحجة ظاهرة صح الرجوع، وإن كان لمجرد قصد الحرمان فإنه لا يحرم الطالب من ذلك. والرفعة والخفض والبركة إنما هي من الله عز وجل بأعمال الطالب، لا بكثرة الرواية والإجازات، وإنما ببركة يجعلها الله في رواية ذلك الطالب لإخلاصه وصدقه وتواضعه وإقباله على الله عز وجل، فيبارك الله في روايته. أما من قصد بها العلو فإنه يزداد سفولا، ولا زال في سفول ونقصان ونزول، لأن الأمور بمقاصدها، تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساد، والعاقبة للمتقين. فهذا الباب يحتاج إلى قصد حسن ونية صالحة، ليبارك الرب جل جلاله في سماع الطالب، وأن يكون جوادا ناصحا للغير، مبينا لهم، لا كتوما ولا غاشا، ولا مؤثرا لنفسه، مضيعا للنصح لإخوانه، فلا يدلهم ولا يرشدهم ولا ينفعهم، لأجل أن يتفرد بالعلوم، أو أن يقال: «قد حدث عن كذا وكذا من المشايخ»، أو «قد أجازه الجمع الغفير»، فيرى نفسه من بين أقرانه قد بز وظهر وارتفع. إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، لكل امرئ ما نوى. المحدثون لم يقصدوا هذه النوايا، وإنما قصدوا بقاء بركة الرواية والإسناد. هذا الباب له قصص معروفة. فإذا كان لكم شيء... إلا ووقفنا هاهنا إن شاء الله تعالى. هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فضل علم: لا شك أن هذا أيضا من هذا الباب، أخذ الإجازة في القرآن. يقول ابن تيمية رحمه الله: إن عرض القرآن لا يضر فيه علو أو نزول، لأن المعروض شيء واحد، فلا يضرك أن تروي القرآن بثلاثة وعشرين راويا، لا يضر، لأن العبرة بالقراءة لا بإسناد القراءة، العبرة بجودة القراءة وضبط القراءة وإتقان الحفظ، لا بمجرد الإسناد. فإذا قال قائل: «إن عندي إسناد عاليا من فيه ثمانية عشر راويا أو سبعة عشر راويا، وهذا أعلى ما يمكن أن يوصل إليه»، يقال له حينئذ: «هذا الذي تفرح به لا ينبغي لطالب علم يفهم الإسناد والإجازة والرواية أن يفرح به، لأنك لو نظرت في الطبقة الثالثة والرابعة إلى الخامسة والسادسة من بدء، من آخر الإسناد، لو وجدت روات أنت لا تعرف أعيانهم، مثل عبد الرحمن اليمني في إسناد القرآن في طريق الأزاهرة، يفرح كثير من الناس، هذا رجل مجهول لا يعرف من هو، لا يعرف من هو، وكذلك الرواة الذين قبله أيضا فيهم رجل آخر لا يعرف من هو، والغالب في مثل هذا أن هذا الإسناد مركب ما بين الطبلاوي فلان وبين هذا الراوي، فإنهم وجدوا انقطاعا في الرواية مع علو الرواية المذكورة، فركبوا إسنادا وجعلوا فيه عبد الرحمن اليمني أو نحوه». الأسانيد هذه لا يفرح بها، حتى ألف مرت به في كتاب الكوكب المعتلي في ترجمة وثبت وأسانيد العلامة السلفي والفقيه المحقق الشافي علي بن إحيال الباكل، دراسة هذه الإسناد، فوجدته كما قلت لكم، ثم رأيت أحد الناس كتب من أهل مصر مجلدا، لعله مثل الباعث مرة ونصف، في تضعيف تلك الأسانيد، مجلد كامل يتكلم