شرح رسالة فضل الإسلام 51

شرح رسالة فضل الإسلام 51

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 51، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث احتجاب التوبة على صاحب البدعة وتوضيح معناه

المقطع يشرح حديث احتجاب التوبة على صاحب البدعة ويبين معناه الصحيح، حيث يوضح أن المقصود ليس منع قبول التوبة بل عدم توفيق المبتدع للتوبة غالبًا. يُبين أن العلماء اختلفوا في صحة الحديث ولكن بعضهم صححه مثل الألباني والهيثمي والمنذري.

أثر البدعة على الإسلام وتأثيرها السلبي

البدعة لها أثر كبير ليس فقط على صاحبها بل على الإسلام ككل، حيث تؤدي إلى تقويض الإسلام وإذهاب معالمه وتفرق الأمة. يبين أن ظهور البدعة يأتي غالبًا على أنقاض سنة ماتت أو أزيحت، مما يؤدي إلى موت السنن وبالتالي موت الدين.

آثار البدعة على الإسلام وخطرها

البدعة تؤدي إلى غربة الإسلام وهجران الدين وتفرق الأمة، وتعتبر بريد الكفر. المبتدع يهجر آيات القرآن والسنة النبوية وفهم سلف الأمة، وقد يصل به الحال إلى الكفر والردة.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة على النبي

المقطع يشدد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر المقطع الختامي التأكيد على الطاعة والاعتراف بعلم الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة. بواب المؤلف رحمه الله تعالى في رسالته "فضل الإسلام" هذا الباب الجديد، والذي قال فيه: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة. وحديثنا، إخواني في الله، على تبويب المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الباب في مسائل ثلاث. المسألة الأولى: ما حقيقة هذا العنوان؟ ما حقيقة هذا العنوان الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله هذا الباب؟ هذا في الحقيقة، إخواني في الله، عبارة عن قطعة أو جملة من حديث نبوي نطق به نبينا صلى الله عليه وسلم. والمؤلف رحمه الله تعالى قد أشار إلى هذا، فإنه بعدما أورد هذا الباب، قال: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة، قال: هذا مروي من حديث أنس، ومن مراسيل الحسن. إذن أشار في تعليقه، وسيأتي معنا، أن هذا الحديث، أن هذا الكلام أو هذا التبويب عبارة عن حديث جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث في أن الله احتجز التوبة عن صاحب البدعة، فذهب جماعة من العلماء إلى تحسين هذا الحديث وأنه صحيح. وممن ذهب إلى ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى، حيث قال، كما في السلسلة، بعدما أورد هذا الحديث، قال: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير هارون بن موسى، وهو الفروي، قال النسائي وتبعه الحافظ في التقريب: لا بأس به. وهذا هو حكم الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في هذه الرسالة في الصحيح، وفي كل كتبه، أنه يعلق على هذا الحديث بالصحة والحسن، قال: إسناد صحيح. وأيضًا ممن صحح الحديث الإمام الهيثمي رحمه الله تعالى، حيث أورد هذا الحديث، كما في "المجمع"، ثم قال: رواه الطبراني في "الأوسط"، رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة. أي: كل الرواة ممن قد جاء ذكرهم في الصحيحين إلا هارون، وهارون يعد من الثقات. وهكذا ممن حسن الحديث وصححه الإمام المنذري رحمه الله تعالى، حيث ذكر الحديث في "الترغيب"، ثم قال: رواه الطبراني، وإسناده حسن. رواه الطبراني، وإسناده حسن. وهكذا قس على نمط هؤلاء كثير من الأئمة أوردوا هذا الحديث واحتجوا به، فهو ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذن هذه المسألة الأولى أن نفهم أن هذا الباب، وهو الذي أورده المؤلف في قوله: باب ما جاء أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة، هو مقطع من حديث نبوي. تأتي المسألة الثانية، وأيضًا مهمة في هذا الباب، ألا وهي: ظاهر الحديث أو ظاهر التبويب يدل على أن الله منع التوبة عن المبتدع وأغلقها. ولهذا جاء هذا الحديث بعدة روايات: جاء بلفظ "إن الله احتجز التوبة"، وجاء بلفظ "إن الله احتجب التوبة"، وجاء بلفظ "إن الله حجب التوبة". وكلها تقول إلى معنى أن الله أغلق التوبة على المبتدع. إذن هل معنى هذا أن نقول بأن المبتدع لو جاء تائبًا لا تقبل توبته؟ الجواب: لا، لا ليس هذا المقصود. ولهذا دأب العلماء رحمهم الله تعالى على شرح هذا الحديث وما كان من معناه من ألفاظ وآثار على أن المقصود أن الله احتجز وحجب التوبة عن المبتدع، أي: أنه لا يوفق إليها. وأن من خاض في غمار البدعة قل أن يرجع ويتوب، قل أن يرجع ويتوب. ولهذا سيأتي معنا فيما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى نقل عبارة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه لما سئل عن هذا الحديث، قال رحمه الله تعالى: لا يوفق للتوبة، لا يوفق للتوبة. فهذا المقصود أن الله احتجز التوبة عن المبتدع، لا أن الله أغلقها عليه تمامًا بحيث لو أنه تاب لم تقبل توبته، لا، لكن أن له الرجوع، أن له الرجوع. لأن البدع، إخواني في الله، من شؤمها، وقد مر ذلك معنى أنها تسيطر على صاحبها. وفي المثل المعروف: "حبك للشيء يعمي ويصم"، فلا تسمع إلا به، ولا تراه إلا هو أمامك. وقد مر معنا ما في دروس خلت ما جاء في السنن في حديث معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بقوله: "سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه". ومر معنى أن الكلب بالفتح، وعبارة عن مرض بسبب عضة الكلب، وأن من أثر هذه العضة والتي تؤدي إلى مرض الكلب، فمن آثار هذا المرض أنه لا يترك عرقًا ولا مفصلًا إلا دخل، بمعنى يستحكم بصاحبه. فمن أُصيب بهذا المرض يجد أن المرض قد استحكم فيه، ما يدع له مكانًا إلا والألم قابع فيه. وهكذا البدعة، فإن من خاض في غمارها فإن البدعة تسيطر عليه، فأن له الرجوع قل أن يرجع. فهذا من أوجه صعوبة التوبة من البدعة. والأمر الآخر كذلك، وقد مر ذلك معنى أن المبتدع يرى أن بدعته من الأمور الحميدة، وأن من صميم دينه، فعلى ما يتراجع؟ ولماذا يتوب من أمر خير؟ وقد علل ذلك، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال: فما دام -أي المبتدع- يرى فعله حسنًا، هو يرى هذا، يرى أن البدعة فعل حسن، قال: فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر، فإنه لا يتوب، وإلا هذا الأمر الذي يراه هو حسنًا وسيء، لأنها بدعة منكرة، لكن ما حيلتنا مع رجل قد زين له سوء عمله؟ هذه من أعظم البلايا أن تفعل السوء وتراه حسنًا في عينك، فكيف تنصح؟ وكيف ترشد الصواب بعد هذا؟ لهذا قال شيخ الإسلام: فإنه لا يتوب. ومن هنا كان هذا الحديث على هذا المنوال معنى أن الله احتجز أو احتجب التوبة عن صاحب بدعة، بمعنى أنه قل أن يتوب منها لاستحكامها ولأنه يراها صوابًا. لكن إذا أراد أن يتوب، تاب الله عليه. المبتدع إذا أراد أن يتوب من بدعته، فألهمه الله جل وعلا الهداية والرشاد والصواب، ورجع إلى حضيرة السنة، واستمسك بغرز الأنبياء، وتمسك بمنهج سلف الأمة، تاب الله عليه. بل ربنا جل وعلا ينادي عباده بضرورة الرجوع، ﴿قل لعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾. بل إذا كان الكفر والشرك، وهو أعظم ذنب، فما هناك ذنب أعظم من الشرك؟ إذا كان أمثال هؤلاء قد فتح لهم ربنا التوبة، ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾، فما ظنك بالمبتدع إذا جاء تائبًا، نائبًا، راجعًا، أواهًا؟ فإن الله يتوب عليه. فهذا خلاصة هذه المسألة الثانية في أن نعرف ما هو المراد من هذه الأحاديث والمروية في هذا الباب. المسألة الثالثة والأخيرة في هذا المقام، ومما تتعلق بهذا التبويب الذي بوّب عليه المؤلف بقوله: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة، وهو: ما المغزى؟ وما المراد من المؤلف رحمه الله تعالى وقد ألف هذه الرسالة بعنوان "فضل الإسلام"، ثم يورد لنا هذا الباب الذي يتكلم عن البدعة وعن شيء من أحكامها، وأن الله احتجز وحجب التوبة عن المبتدع؟ الجواب، إخواني في الله، لكي نعرف ما المراد وما المغزى من هذا التبويب مع الرسالة الأم، أن المؤلف رحمه الله تعالى يؤشر إشارة إلى أن من أعظم ما يهدم به الإسلام وما أتى به من فضائل ومحاسن ما يكون من ظهور البدعة. فإن البدعة لها أثر عظيم، ولا تظن يا عبد الله أن البدعة أثرها فقط ينحصر ويقتصر على صاحبها، أو هي لها آثار جسيمة عليه. لكن يهمنا في هذا الباب، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله أن يبين أن البدعة لها أثر على الإسلام، على الإسلام، وذلك في صور كثيرة. من ذلك مثلًا: أن ظهور البدعة في الأمة إشارة على تقويض الإسلام، على تقويضه وعلى ضعفه وعلى إذهاب شيء من معالمه. لأن أخذها قاعدة: ما تأتي بدعة، ما تأتي بدعة ولا تظهر إلا على أنقاض سنة ذهبت وأزيحت. ولهذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال: "ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدعة وتموت السنن". وموت السنن هي موت للدين، موت للإسلام، لأن الإسلام ما قام إلا على القرآن والسنة. فهذا من آثار البدعة على الإسلام. وأيضًا من الآثار الوخيمة من آثار البدعة على الإسلام أنها توصل الإسلام إلى أخطر مرحلة، وهي مراحل الغربة. فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ». وقد ذكر العلماء أن من أعظم ما يكون به غربة الإسلام، غربة الدين، وذلك إزاء البدع التي ظهرت. فلو أن أحدًا ممن كان فيمن مضى من السلف فدخل إلى الأمة الإسلامية لتفاجأ: أهذا الإسلام؟ أهذا ليس الإسلام؟ إذا رأى إلى صلاة بعض الناس، إلى صيامهم، إلى زكاتهم، إلى حجهم، إلى ذكرهم، إلى وردهم، إلى طقوسهم، إلى أورادهم، أشياء غريبة. ما هذا الدين الذي ترك لنبينا عليه الصلاة والسلام؟ فيرى أنه في غربة. وكلما طال العهد بالناس، كلما استحكمت هذه الغربة. وسيأتي معنا في أبواب قادمة ما يتعلق بغربة الإسلام، وستعرف حينها أن من أعظم ما أظهر غربة الإسلام هي فشو البدع. ثالثًا: من آثار البدع على الإسلام ما ذكره العلماء أنها تؤدي إلى هجران الدين. يهجر الدين، وذلك في عدة صور. لأن المبتدع ما وصل إلى هذه البدعة وما أطلقنا عليه أصلًا كلمة بدعة وأنك مبتدع إلا لما أوصل به الحال، فقد هجر إما هجر آيات من القرآن ما بالى بها ولا اعترف بها، أو هجر السنة النبوية، كحال بعض الفرق، هجران كلي يجعل السنة عرضة للحائق. أو أنه يهجر من السنة شيئًا، كمن يأخذ بالمتواتر ويترك الآحاد، أو يأخذ من السنة ما وافق العقل والواقع وما كان ضده رمى به. وهكذا أصبحت السنة عند المبتدع مد وجزر، يأخذ ما شاء ويترك ما شاء. هذا من هجران الدين. أو أنه يهجر فهم سلف الأمة، تأتي بأقوال الصحابة وأقوال التابعين في فهمهم لنصوص الشريعة، يقول: لا، هم رجال ونحن رجال، وهم من هم حتى نأخذ بقولهم ونملك زمام أنفسنا إليهم؟ لا، هم رجال ونحن رجال، نحن نفكر كما يفكرون. فتركوا منهج السلف، ثم خاضوا بتفسير آيات القرآن على أهوائهم وعلى أمزجتهم، فهذا من الهجران لدين الله. وهكذا قل حتى في هجران الإجماعات. كم من إجماع معتبر؟ بل البدعة أجمع العلماء على ترك البدعة وعلى عداوة أهلها، كما صرح بذلك العلماء كالبغوي وغير واحد ممن حكى الإجماع في هذا الباب. لكن المبتدع ما يبالي بإجماع الأمة، فهجر الكثير من دين الإسلام بسبب البدعة. فإذا هجر الدين، ما الذي بقي في الإسلام؟ بل حتى يصل الأمر بحال المبتدع يهجر هذا من الدين، ويهجر ذاك من الملة، ويهجر ذاك من الشريعة، حتى يصل به الحال إلى هجر الإسلام بالكلية، فيقع في الكفر والردة. وقد قال بعض السلف: "أسرع الناس ردة أهل الأهواء". أسرع الناس ردة أهل الأهواء. هكذا سيكون الأمر. بهذا تعرف صحة العبارة الذي يحكيها علماؤنا: "البدعة بريد الكفر"، بريد الكفر. ولهذا تجد العلاقة، يا عبد الله، بين البدعة وبين تأثيرها السلبي على الإسلام، وهكذا على المسلمين. زد على ذلك ما يكون من أثر البدعة من تمزيق الأمة إلى فرق وإلى شعوب وإلى جماعات وإلى تنظيمات وإلى أحزاب وإلى تيارات، يقع بينها فيما بينها من العداوة. وكلنا أمة واحدة، ملة الإسلام، ربنا واحد، وقرآننا واحد، ونبينا واحد، والصراط واحد، ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾. لكن لماذا تفرقت الأمة بوجود البدعة؟ بهذا لها أثر عظيم على هدم الإسلام وعلى التفريق لكلمة المسلمين. فالشاهد، إخواني في الله، من هذا التبويب الذي بوّبه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة، علمنا أولًا أن هذا التبويب وهذا العنوان إنما هو مقتطع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسنه جماعة من العلماء. وعلمنا ثانيًا أن المراد من هذا الحديث ليس على ظاهره، بل أن المبتدع متى ما تاب، تاب الله عليه، لكن قل أن يتوب المبتدع. وسنعرف في درس غد بإذن الله ما يتعلق بشروط توبة المبتدع. ثم ثالثًا علمنا ما المغزى من إيراد المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب في رسالته لفضل الإسلام، وأنه رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن البدعة من أعظم الأمور التي تهدد دين الإسلام لإذهاب معالمه وتقويض أركانه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.