شرح تعظيم العلم  8

شرح تعظيم العلم 8

الدرس في شرح تعظيم العلم 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

صرف الهمة إلى علم القرآن والسنة

يشرح المقطع أن كل علم نافع مرده إلى القرآن والسنة، وأن باقي العلوم إما آلات لفهمهما فتؤخذ بقدر الحاجة، أو أجنبية ضارة تترك. ويستدل بالآيات والأثر عن ابن حجر وابن مسعود ومسروق على أن طلب العلم الحقيقي يكون بالتدبر والعمل بالقرآن والسنة.

منهج السلف في تقديم القرآن الكريم

يبيّن المقطع أن السلف الصالح كانوا يشترطون حفظ القرآن وإتقانه وتعلم الفرائض قبل قبول طالب العلم في مجالسهم، مستدلين بأثر ابن جريج مع عطاء بن السائب. ويؤكد أن كل العلوم مستنبطة من القرآن لكن تقصر عنها أفهام الرجال.

أفضلية علم الكتاب والسنة على سائر العلوم

يؤكد النص أن السلف رحمهم الله عنوا بطلب علم الكتاب والسنة، بينما كثر كلام المتأخرين مع قلة بركته، فالعلم يُحمد بالنفع لا بالكم. وينصح طالب العلم بإتقان القرآن والسنة أولاً قبل الاشتغال بعلوم الآلة أو الدنيا.

قصد المؤلف في حث طالب العلم على الكتاب والسنة

يوضح المقطع أن مقصد المؤلف هو حث طالب العلم على الاهتمام بدراسة القرآن الكريم والسنة النبوية وتقديمهما على غيرهما من العلوم. ويختتم المتحدث الحديث مؤكداً الاكتفاء بهذا القدر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الشيخ صالح العصيمي -وفقه الله- في كتابه "تعظيم العلم"، المعقد الرابع: "صرف الهمة فيه إلى علم القرآن والسنة". إن كل علم نافع مرده إلى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وباقي العلوم إما خادم لهما فيؤخذ منه ما تتحقق به الخدمة، أو أجنبي عنهما فلا يضر الجهل به. ومرادُه بهذا المعقد أن طالب العلم لا ينشغل بغير الأصول والمهم من العلم، وإن من أنفع العلوم علم الكتاب والسنة، علم القرآن والحديث. هذا هو أصول العلم، وباقي العلوم كما ذكر إما خادم لهما -خادم لهما أي من آلات فهم الكتاب والسنة- وما تسمى بعلوم الآلة كعلم العربية في جميع علومها من النحو والصرف والبلاغة والكتابة والخط ونحو ذلك، فكل هذا يعين على فهم الكتاب والسنة، على فهم الكتاب والسنة. أو كذلك علم المصطلح، مصطلح الحديث، فإنه يعين على فهم الحديث النبوي من حيث الثبوت وعدمه، من حيث الثبوت وعدمه، وكذلك من حيث الدراية والرواية ونحو ذلك، فهذا أيضاً من علوم الآلة. فإذن الأصل هو علم الكتاب والسنة. قد نقل المؤلف في شرحه لهذا المعقد أثراً عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله في "فتح الباري"، واصفاً العلوم بأنه قال: "وأن باقي العلوم إما آلات لفهمها وهي الضالة المطلوبة، وإما أجنبية عنهما وهي الضارة المغلوبة". ومراده بـ "الضالة المطلوبة" أي ما ينشد من ضائع يفتقر إليه، فالعلوم علوم الآلة هي كضالة لها المطلوبة، يعني ما ينشد من ضائع يفتقر إليه، فلا يستغنى عن هذه العلوم لأن بها يفهم الكتاب والسنة. وأما قوله: "وإما أجنبية عنهما" يعني ليس لها صلة بالكتاب والسنة، وهي الضارة المغلوبة، والمراد بالضالة المغلوبة أي المفسدة المطرحة، الشيء الذي يفسد. ومثل له بعلم الكلام أو علم الفلسفة والسحر ونحو ذلك من العلوم التي تضر. قال: "فإلى القرآن والسنة يرجع العلم كله، وبهما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾". ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو ماذا؟ القرآن والسنة. فالسنة هي وحي لكنه يختلف عن القرآن أنه لا يتعبد بقراءته، ولا كذلك، يعني فروق ذكرها أهل العلم بين القرآن والحديث النبوي، فكلاهما وحي. فالقرآن يتعبد بتلاوته ويقرأ في الصلاة وهكذا له أحكام تختلف عن أحكام السنة والحديث. فوجه الشاهد ظاهر من الآية، فالله عز وجل إنما أمر نبيه أن يستمسك بهذين الوحيين: القرآن والسنة، القرآن والسنة. قال: "وقوله: فإلى القرآن والسنة يرجع العلم كله"، هذا ما أخوذ من قول الله عز وجل أيضاً: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، تبياناً لكل شيء. فالكتاب فيه كل ما يحتاجه العبد في دينه ودنياه وأخراه وأخراه. فهذا يدل على أن الذي ينبغي أن يعتنى به وأن يولى بالاهتمام هو القرآن والسنة، لأن السنة داخل في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. قال: "وهل أوحي إلى أبي القاسم صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن والسنة؟ ومن جعل علمه القرآن والسنة كان متبعاً غير مرتدع، ونال من العلم أوفره". قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين". وقوله: "فليثور القرآن" أي ليبحث عن فهمه بتدبر آياته، ولذلك حث السلف على الاعتناء بفهم القرآن. وهذا ما أخبر ربنا عز وجل في كتابه من الغاية التي من أجلها أنزل القرآن، قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فإذا قوله: "فليثور القرآن" أي ليبحث عن فهمه بتدبر آياته. فمن أراد العلم فليعتنِ بالقرآن تفسيراً وتدبراً وعملاً، فإن فيه علم الأولين والآخرين. وقال مسروق: "ما نسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن شيء إلا علمه في القرآن، إلا أن علمنا يقصر عنه". ومعنى "يقصر عنه" يعني لا يصل إليه، لا يصل إليه علمنا، وإلا فهو موجود في القرآن. فالله عز وجل أعطى الصحابة الفهم للقرآن لأن القرآن نزل في زمنهم، فعايشوا الوحي وشاهدوا المواقع والشواهد الكثيرة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك كان السلف الصالح لا يقبلون الطالب في مجالسهم إلا بعد أن يحفظ القرآن ويتعلم القرآن ويتقن القرآن، ثم يدرس الحديث، لما كانوا عليه من هذا الأمر العظيم وهو أن من أراد العلم فليثور القرآن، يعني يتقن فهم القرآن. قراءة القرآن وعلم القرآن: جاء أثر ذكره الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، المجلد السادس، صفحة ثمان وثلاثين ومائتين، قال: "دخل ابن جريج إلى مجلس عطاء بن السائب في أول طلبه للعلم، وكان في المجلس أبو عمير أحد الأئمة، فقال -يعني لابن جريج-: قرأت القرآن؟ أنت جئت الآن تطلب الحديث، هل قرأت القرآن؟ قال ابن جريج: قلت: لا. قال: فاذهب فقرأه ثم اطلب العلم. اذهب اقرأ القرآن أولاً وأتقن القرآن، ثم إذا انتهيت وأتقنت فتعال اطلب العلم. قال ابن جريج: فذهبت فغبرت زماناً، أي غبت زماناً حتى قرأت القرآن، حتى انتهى من قراءة القرآن وإتقان القرآن. قال: ثم جئت عطاء وعنده عبد الله، فقال: قرأت الفريضة؟ قرأت الفريضة؟ كأنهم يعنون بالفريضة ما لابد منه في يوم وليلة المسلم مما يتعلق بالصلوات وما يتقدمها من الطهارة، المهم الأمور الفرض الواجبة. قال: قلت: لا. قال: فتعلم الفريضة ثم اطلب العلم. ويريدون بطلب العلم طلب الحديث، كتابة الحديث وحفظ الحديث والرحلة للحديث ونحو ذلك. قال: فطلبت الفريضة ثم جئت، فقال: الآن فاطلب العلم. قال: فلزمت عطاء سبع عشرة سنة، يعني جلس هذه الفترة الطويلة وهو يطلب العلم. فما قبل في مجلس العلم إلا بعد أن تعلم القرآن والفريضة". وهذا يدلنا على أن السلف الصالح أول ما يعتنون بالقرآن، ولذلك تقرأ في سير كثير من العلماء أنهم حفظوا القرآن في زمن الصغر، في زمن الصغر، ثم بعد ذلك طلبوا الحديث. فهذا فيه هذا المعنى الذي أراده المؤلف حفظه الله. قال: "وينسب لابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينشد جميع العلم في القرآن، لكن تقاصر عنه أفهام الرجال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". فيأتي عالم عند آية من القرآن فيستنبط منها الأحكام الكثيرة والمعاني الغزيرة، وكذلك العلم الكثير. فجميع العلم في القرآن، ولكن بسبب قصور فهومنا وعدم إدراكنا لم يعني تتبين لنا كثيراً كثيراً من معانيه كثيراً. وما أحسن قول عياض اليحصبي في كتابه "الإلماع": "العلم في أصلين لا يعدوهما إلا المضل عن الطريق اللاحب". اللاحب يعني الواضح البين: علم الكتاب. قال: "علم الكتاب وعلم الآثار التي قد أسندت عن تابع عن صاحبي". قال: "علم الكتاب هذا هو الأصل الأول، وعلم الآثار الأحاديث النبوية وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، فهذا هو العلم، هذا هو العلم". وابن القيم رحمه الله كثيراً ما يذكر هذه الأبيات وهو قوله: العلم قال الله قال رسوله *** قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة *** بين الرسول وبين رأي فقيه وبين رأي فقيه فالعلم إنما هو الكتاب والسنة، والسنة، فليعتنِ طالب العلم بهذين الأصلين. لا تقل: سيضيع وقت في مراجعتك لصفحة من القرآن أو لجزء من القرآن أو لقراءتك في تفسيره أو في بعض علومه كعلم أسباب النزول أو علم الناسخ والمنسوخ أو علم أصول التفسير، فكل هذه العلوم فيها النفع العظيم، وفيها أصل من أصول العلم. قال: "وقال: وأعلى الهمم في طلب العلم كما قال ابن القيم في كتابه "الفوائد": طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله، نفس المراد، يعني ما أراده الله ورسوله، وعلم حدود المنزل، يعني علم الفقه، علم الفقه، فهذا هو أعلى الهمم في طلب العلم. لتكن همتك في طلب العلم طلب علم الكتاب والسنة، والكتاب والسنة تفهم آيات الكتاب وما فيه من أحكام وما فيه من كذلك أفهام ونحو ذلك". قال: "وقد كان هذا هو علم السلف عليهم رحمة الله الله، فكان السلف يعتنون بطلب علم الكتاب والسنة، يعتنون بطلب علم الكتاب والسنة. قال: ثم كثر الكلام بعدهم فيما لا ينفع، فالعلم في السلف أكثر والكلام في من بعدهم أكثر". قال حماد بن زيد: "قلت لأيوب السختياني: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟ فقال: الكلام اليوم أكثر والعلم فيما تقدم أكثر". وصدق رحمه الله تعالى. وفي هذا المعنى كذلك يقول ابن أبي العز كما ذكر ذلك الشارح في شرحه، أنه قال في شرح الطحاوية: "ابن أبي العز: فلذلك صار كلام المتأخرين كثيراً قليلاً البركة، صار كلام المتأخرين كثيراً لكنه ماذا؟ قليل البركة، بخلاف كلام المتقدمين من السلف فإنه قليل كثير البركة". وهذا كلام الواقع يشهد له، الواقع يشهد له. انظر الآن إلى وسائل العلم والشروحات والمجلدات وكلام كثير، لكن أين العاملون به وأين أثر هذا العلم في الأمة، في الأمة؟ فكان السلف الصالح مع قلة كلامهم إلا أن العمل بالعلم أمر ظاهر في مجتمعهم، فبارك الله سبحانه وتعالى في علمهم. فالعلم لا يحمد بالبسط والاتساع وإنما يحمد بماذا؟ بالنفع والانتفاع. لو أخذت علماً يسيراً مع فهم وتدبر وعمل وعمل، خير لك من أن تدرس العلوم الكثيرة والاستطرادات الكثيرة دون انتفاع بهذا العلم وعمل به. فالعلم لا يحمد بالبسط والاتساع وإنما يحمد بالنفع والانتفاع، فإن القليل الذي يلقى فينفع خير من الكثير الذي يلقى فيرفع، يلقى فيرفع. وخلاصة هذا المعقد: أن طالب العلم يعتني بعلوم الكتاب والسنة ولا يشتغل بما هو دونها من العلوم، لا يشتغل بما هو دونها من sciences. فقبيح بطالب العلم يريد أن يدرس في مثلاً علم الآلة من المصطلح مثلاً أو من كذلك التوسع في أصول الفقه أو في غيرها من هذه العلوم، وهو لا يتقن قراءة القرآن أو حفظ القرآن أو فهم القرآن، فهذا تقصير في طالب العلم. طالب العلم وهكذا السنة، ربما يحفظ ألفيات في المصطلح أو في النحو ولا يحفظ الأربعين النووية أو عمدة الأحكام أو بلوغ المرام أو غيرها من كتب الحديث، فما ينبغي لطالب العلم أن يكون كذلك، يعتني بالكتاب والسنة، بالكتاب والسنة. فإذا أتقن حفظ ما تيسر منهما أو حفظ القرآن كاملاً وما تيسر من السنة، بعد ذلك وذلك يشرع فيما أراد من علوم أخرى، من علوم أخرى. وأقبح من ذلك أن يشتغل طالب العلم بالقراءة المتناثرة، القراءة المشتتة، كالثقافة العامة، ليست مؤصلة وليست على طريقة أهل العلم، فيقرأ من هذا الكتاب ومن ذاك الكتاب، ويدخل هذا الدرس ويخرج من ذاك الدرس، وهكذا يعني يشغل نفسه بالمجموعات والقراءة المشتتة والفوائد يعني المنتقى من هنا وهناك، وكذلك وكذلك الانشغال بذلك، هذا ما ينبغي لطالب العلم. ينبغي عليه أن يكرس اهتمامه وجهده بدراسة علوم الكتاب والسنة والحفظ من القرآن ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا معنى قوله: "صرف الهمة فيه إلى علم القرآن والسنة"، يعني صرف الهمة في العلم إلى علم القرآن والسنة. ومن ذلك كذلك انشغال بعض الطلاب بعلوم الدنيا، بعلوم الدنيا، وليس معنى هذا تحريمها، وليس معنى هذا تحريمها، وإنما أن لا يعتني بها أكثر من عنايته بالعلوم الشرعية، بالعلوم الشرعية، وإنما يأخذ منها ما يحتاج إليه إن كان يطمح في يعني وظيفة دنيوية أو في رتبة دنيوية أو نحو ذلك، لا نحرم ذلك لكن لا شك أن الاعتناء بالقرآن والسنة والعلوم الشرعية هو الذي جاءت فيه فضائل العلم. فإذا سمعت فضيلة للعلم فلا تتوجه هذه الفضيلة إلا إلى علم الكتاب والسنة، إلا إلى علم الكتاب والسنة. قول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ليس العلم غير علم الكتاب والسنة. وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، ليس المراد به علم الدنيا، إنما هو علم الكتاب والسنة. وهكذا إذا أطلق العلم فيراد به علم الكتاب والسنة. فهذا هو قصد المؤلف حفظه الله من هذا المعقد: أن طالب العلم يعتني بدراسة الكتاب والسنة والاعتناء بهما، ولا يقدم غيرهما عليهما. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، الله تعالى.