الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 89، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي المقطع قصة إحضار علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أرمد، فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية فحقق الفتح على يديه وقتل مرحباً. وقد روى هذا السبب ثلاثة من الصحابة محققين بشارة النبي بأن الراية ستعطى لرجل يحبه الله ورسوله.
يتناول المقطع حديث عبد الله بن مغفل المزني متضمناً تفاصيل كتابة صلح الحديبية والخلاف على البسملة، وخروج ثلاثين شاباً مسلحين ومحاولة قتال المسلمين فدعا عليهم النبي فأخذ الله بأبصارهم. كما يناقش المقطع أسانيد الحديث واختلاف الروايات في عدد المهاجمين، ويرجح شيخ الوادعي صحة الحديث وينتقد تصحيح الحاكم له.
يناقش المقطع خطأ الحاكم في نسبة حديث آية ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ إلى شرط الشيخين، مبيناً نزولها في المشركين بالحديبية لا في أبي بصير. ثم يشرح سبب نزول آية ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بسبب تنازع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في تأمير وفد بني تميم، وأن رفع صوتيهما كان لنصرة الدين لا لهوى شخصي، فنزلت الآية لتؤدب المؤمنين بتوقير النبي وعدم التعجل في الأمور قبله.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فوقفنا عند قول سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه عندما بارز عامر مرحب، فذهب عامر يسفل له، ورجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فمات عامر رضي الله تعالى عنه. قال: ثم أرسلني إلى علي، أي علي بن أبي طالب، وهو أرمد، فقال: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». قال: فأتيت عليا، فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فبصق — يجوز بزق وبصق وبسق كلها لغات، يجوز بالصاد والسين والصاد: بصق وبسق وبصق — قال: حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال: «قد علمت خيبر أني مرحب / شاك السلاح بطل مجرب / إذا الحروب أقبلت تلهب». فقال علي: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة / كليث غابات كريه المنظرة / وفيهم بصاع كل السندرة». قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. ومعنى هذا أنه بعدما قتل عامر، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه كما جاءت ببعض الروايات: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». فداك الناس ليلتهم، كل يرجى أن يعطاها، كل واحد يتمنى أن يكون هو. قال عمر: ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أثبت المحبة، أي محبة الله عز وجل لهذا الذي يعطى الراية، وهذه منقبة عظيمة. ليس الشأن كل الشأن أن تحب الله، وإنما الشأن كل الشأن أن يحبك الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول في هذا: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله»، أثبت محبة الله عز وجل لهذا الرجل الذي سيعطى الراية، فكل الصحابة تمنى أنه هذا الرجل. فلذلك قال هنا: فأتيت عليا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال: أين علي؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، عيناه فيه رمد، والرمد مرض معروف تحمر العينان ويصيبها شيء من غشاوة العينين، فلربما لا ينظر أو ينظر قليلا أو نحو ذلك، مرض يأخذ العينين. فقالوا: إن عليا يشتكي عينيه، وغير موجود الآن عندنا لكن في رواية: فأتيت علي، فجئت به، ذهب وأتى بعلي أقوده لأنه لا يرى، كأنه لا يرى من عينين، وهو أرمد يعني مصاب بهذا المرض. قال: حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق على أو في عينين، يعني نفث فيهما، وكان هذا البصق سببا بالشفاء بإذن الله، ولذلك قال: فبرأ، يعني شفي بإذن الله. وهذا فيه بركة ما ينفصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفضل كذلك الدعاء، ففي جاء رواية أنه دعا له، فبصق على عينيه ودعا له فبرأ، أي شفي من هذا المرض. وأعطاه الراية، والراية هي علامة يأخذها قائد الجيش حتى يرى بقية الجنود قائدهم فيلتف حوله، فهي كالعلامة، يأخذ الراية يعني علامة كالعلم، تكون مع قائد هذا الجيش، ويلتف الجنود حوله ويقاتلون العدو. فلما أخذ الراية خرج مرحب، هذا الذي تسايف مع عامر، فقال — أي مرحب —: «قد علمت خيبر أني مرحب / شاك السلاح بطل مجرب / إذا الحروب أقبلت تلهب». وقد مر معنا ما معنى شاك السلاح، يعني تام السلاح، والبطل هو الشجاع، ويمدح نفسه يقول: إذا الحروب أقبلت تلهب، إذا الحروب أقبلت فأنا البطل الشجاع المجرب، هكذا يقول. فرد عليه علي رضي الله تعالى عنه بقوله: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة»، وحيدرة هو اسم للأسد، اسم للأسد، فقال له حيدرة، وقيل إن أمه سمته في أول ولادته بهذا الاسم حيدرة، ثم سمي بعلي، فلم يناده أحد بهذا الاسم الأول، ولكنه يذكر ذلك أن أمه سمته حيدرة: «كليث غابات كريه المنظرة»، يعني كهذا الأسد الذي في الغابات وهو كريه المنظرة، يعني لضخامته وكذلك قوته ونحو ذلك. «وفيهم بصاع كل السندرة»، السندرة مكيال واسع، أي أقتل الأعداء قتلا واسعا ذريعا، قتلا واسعا ذريعا. فتسايف علي مع مرحب فقتل علي مرحبا، وإذا قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه»، فكان الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ففتح الله عز وجل هذه الحصون على يدي علي رضي الله عنه وأرضاه. وفي هذا علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، إذ أخبر بأمر غيبي فوقع هذا الأمر كما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال إبراهيم: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عكرمة بن عمار، بهذا الحديث بطوله. قال: حدثنا أحمد بن يونس الأزد السلمي، قال: حدثنا نضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار، بهذا. قال الإمام أحمد رحمه الله: يعني الشيخ يذكر سبب نزول هذه الآية بجميع رواياتها وعن طريق الصحابة الذين رووا هذا الحديث، فمر فمر معنا أن هذا السبب جاء من حديث، من جاء من حديث أنس بن مالك من ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله، وجاء أيضا من حديث سلمة بن الأكوع والحديث الطويل الذي تقدم معنا، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن المغفل الصحابي الجليل. فهذا الحديث وهذا السبب جاء عن ثلاثة من الصحابة، فدل ذلك على أن هذا السبب هو الأقرب في سبب نزول هذه الآية، وهو الذي كف أيديهم عنكم وهو الذي كف أيديهم عنهم وإيديهم، وهو الذي كف أيديكم عنهم وإيديهم عنكم ببطن مكة. نعم، ورد هذا السبب من طريق ثلاثة من الصحابة. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني ثابت القنان، عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، يشير إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فعلم ما في قلوبهم الآية. قال: وكان يقع من أرصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تحت هذه الشجرة حتى أن أوراقها تقع أو أرصانها تقع على ظهر رسول الله، فصدق التعبير القرآني في قوله تعالى: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. وأما علي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو، لأن عليا كان يكتب الصلح، وسهيل مندوب المشركين، سهيل بن عمرو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فأخذ سهيل بن عمرو بيده، يعني بيد علي، ما يريده يكتب هذا الذي قال له النبي عليه الصلاة والسلام. فقال — أي سهيل بن عمرو —: ما نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف، يعني كانوا ينكرون اسم الله، ينكرون اسم الله الرحمن الرحيم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ﴾، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾. فقال له سهيل بن عمرو: اكتب في قضيتنا ما نعرف، والرحمن ما نعرفه، هكذا يريد. فقال — أي النبي صلى الله عليه وسلم —: «اكتب: باسمك اللهم». فكتب: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة». فأمسك سهيل بن عمرو بيده، يعني بيد علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقال: لقد ظلمناك، إن كنت رسوله ما نعترف أنك رسول الله، لو نعترف أنك رسول الله لما حاربناك ولما عارضناك ولما قاتلناك، فلو كنت رسول الله لظلمناك، هذا معنى كلامه. ولكن اكتب في قضيتنا ما نعرف، يعني: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: «اكتب: ما صالح عليه محمد بن عبد المطلب، وأنا رسول الله»، يعني وإن كتبت في الورقة لكنني في الحقيقة أنا رسول الله وإن أبى هؤلاء. قال: فكتب. قال: فبينما نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله عز وجل بأبصارهم. وهذا كما تقدم اختلاف العدد، جاء في حديث أنس بن مالك أنهم ثمانون، وجاء في حديث سلمة بن الأكوع أنهم سبعون، وجاء في هذه الرواية أنهم ثلاثون، والجمع أن كل صحابي ذكر العدد الذي رآه، فمثلا في هذه الحادثة: إذ خرج علينا ثلاثون، ثلاثون شابا، أي أول هؤلاء الثمانين، ثم قبض على بقيتهم واستسلم بقيتهم، هكذا يحمل، فالعدد ليس له مفهوم. فخرج ثلاثون من هؤلاء الثمانين وبقي الآخرون، ثم قبض عليهم، فالذي رآه الصحابي أول القصة هو خروج هؤلاء الثلاثين. وقوله: فثاروا في وجوهنا، يعني أرادوا قتال المسلمين من المشركين، أرادوا قتال المسلمين وهم في الحديبية. فدعا عليهم رسول الله، وهذا من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، أن الله عز وجل يستجيب لدعائه، أن الله عز وجل يستجيب لدعائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فدعا على هؤلاء فأخذ الله أبصارهم، فلم يبصروا شيئا. قال: فقدمنا إليهم فأخذنا أسرهم لأنهم لم يروا شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبا لهم: «هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أمانا؟» يعني هل جئتم من أجل أن تطلبوا مننا الأمان، وهذا معنى قول: في عهد أحد، هل أحد يعني كنتم في عهده وميثاقه، فإذا كان كذلك ما سيمسكم من أحد، أو جئتم كذلك في أمان أحد؟ وهذا في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، يعني طلب منك الأمان فأمنه. فهل جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: لا، فهم جاءوا مقاتلين محاربين، فخلى سبيلهم، يعني أنه صلى الله عليه وسلم لم يعاقبهم، في الرواية الأخرى التي مرت معنا فاستحياهم، أي لم يقتلهم. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَن أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. إذن ثلاثة أحاديث متقاربة المعنى وردت في سبب نزول هذه الآية: حديث أنس بن مالك، وحديث سلمة بن الأكوع، وحديث عبد الله بن المغفل. قال أبو عبد الرحمن — أي شيخ الوادعي —: قال حماد بن سلمة في هذا الحديث عن ثابت عن أنس، حماد قال: عن ثابت عن أنس، وقال حسين بن واقد عن عبد الله بن مغفل، وهذا هو الصواب عندي إن شاء الله. فالحديث جاء من حديث أنس كما تقدم، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن مغفل. قال: الحديث أخرجه ابن جرير والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، إذ لا يبعد سماع ثابت من عبد الله بن مغفل، ثابت عن عبد الله بن مغفل فهو صحابي، وثابت تابعي، وثابت روى عن جماعة من الصحابة، فلا يبعد أنه كذلك روى عن الصحابي عبد الله بن مغفل، فيكون الحديث متصلا. قال: وقد اتفقنا على إخراج حديث معاوية بن قرة، وعلى حديث حميد بن هلال عنه، يعني جميعا ثابت وثابت أسن منهما جميعا، يعني أكبر منهما، أكبر من معاوية بن قرة وحميد بن هلال. قال: والحديث عند الحاكم من طريق علي بن الحسين بن الشفيق، أنبأنا الحسين بن واقد به. قال أبو عبد الرحمن: يعني شيخنا، الحسين بن واقد ليس من رجال البخاري، ولم يخرج لثابت عن عبد الله بن مغفل شيئا كما في تحفة الأشراف، فعلى هذا لا يقال على شرطهما. وهذا من استدراك شيخنا الوادعي على الحاكم، لأن الحاكم ماذا قال؟ قال: يعني أورده في كتابه على أنه على شرط الشيخين، كيف يكون على شرط الشيخين والبخاري لم يخرج، وكذلك مسلم لم يخرج لثابت عن عبد الله بن مغفل، فهذا ليس على شرط البخاري، لم يخرج لثابت عن عبد الله بن مغفل، وكيف يأتي الحاكم ويقول: هذا الحديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه؟ فهذا ليس بصواب، هذا معنى كلام شيخنا رحمه الله. ولشيخنا كتاب مستخرج اسمه: نعم، يعني التعقبات على الحاكم، نعم، وأخرج هذا الكتاب وطبعه. قال: فعلى هذا لا يقال على شرطهما. والحديث عندنا في الشواهد كما ترى، على أنه قد ذكر الحافظ ابن حجر في تحفة الأشراف أن أبا بكر بن أبي داود رواه عن محمد بن عقيل بهذا الإسناد عن ثابت، قال: حدثني عبد الله بن مغفل، انتهى. والله أعلم. وفي جامع التحصيل: وروى الفرسين بن وائل عن ثابت عن عبد الله بن مغفل، فلا ندري لقيه أم لا، يعني ثابت هل لقي عبد الله أم لا. تنبيه: قال الحافظ في الفتح على حديث البخاري حيث قال البخاري بسنده: فأنزل الله، وذكر الآية، ويريد حديث البخاري، الحديث الطويل أول حديث المتقدم، وهو حديث عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة صلح الحديبية، وأن هذه الآية نزلت في أبي بصير ومن لحق به. فقال الحافظ عند ذكره لهذا الحديث، حديث البخاري الذي فيه أن هذه الآية نزلت في أبي بصير ومن لحق به: قال الحافظ: كذا هنا، وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر. يعني هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، جاء في هذا الحديث في البخاري أنها نزلت في أبي بصير ومن لحق به، هذا ظاهر الحديث، ولذلك قال الحافظ: كذا هنا، وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، يعني ليس هذا بصواب. والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع، الحديث الذي انتهينا منه اليوم هو الحديث الطويل، ومن حديث أنس بن مالك الذي ذكره شيخنا أيضا بعد حديث، يعني قصة أبي بصير ومن لحق به، وأخرجه أحمد والنسائي من حديث عبد الله بن المغفل، هذا الحديث الأخير الذي قرأناه بإسناد صحيح. وإنما يعني الخلاف في هل سمع ثابت من عبد الله بن مغفل أو لا، ويحتمل أنه سمع منه، أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، يعني غدرا ومكرا، فظفروا بهم فعفى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك. وهذا هو الصواب: أن هذه الآية نزلت في أولئك الذين أرادوا الإغارة على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وقد جاء في هذا ثلاثة أحاديث كما تقدم معنا: حديث أنس بن مالك، وحديث سلمة بن الأكوع، وحديث عبد الله بن المغفل. قال شيخنا: أقول، ويؤيد ما قاله الحافظ، يعني من أنها نزلت في هؤلاء الذين أرادوا الغارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: أقول، ويؤيد ما قاله الحافظ رحمه الله، أن في الآية: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، وأبو بصير وجماعته لم يكونوا ببطن مكة، بل هم على ساحل البحر، فكيف يقول الله عز وجل: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، هو الذي كفى أيديكم عنهم وأيديهم عنكم ببطن مكة؟ فهذا يوافق ما جاءت به الأحاديث الواردة في أن المراد بذلك أولئك المشركون الذين أرادوا الإغارة على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فقبض عليهم ثم عفى عنهم، وهؤلاء الذين كانوا ببطن مكة، وهو الحديبية. نعم، وبهذا نكون انتهينا من سبب نزول هذه الآية. قال: قال: قال شيخنا رحمه الله تعالى: سورة الحجرات، سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثني إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: «أمر القعقاع» بضم العين، هكذا ثبت: القعقاع بن معبد بن زرارة. فقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتمارى حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حتى انقضت السورة. أعاده أيضا في التفسير من طريق الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج به. ومعنى هذا الحديث أنه وبعد فتح مكة توالت الوفود على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسلمين داخلين في دين الله أفواجا، ومن هذه الوفود وفد وفد بني تميم، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤمر عليهم أحدهم، أن يؤمر عليهم أحدهم، يعني يكون أمير عليهم. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعمر رضي الله تعالى عنه جالسين في هذا الموضع الذي فيه بنو تميم والنبي عليه الصلاة والسلام، فلما سمع أبو بكر منهم ذلك قال للنبي عليه الصلاة والسلام: أمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة، وكان من بني تميم. فمرض ذلك عمر، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: بل أمر عليهم الأقرع بن حابس، وأدى اجتهاد منهما لما يعلم كل واحد منهما بأهلية من اختار، بأهلية من اختار. فلما سمع أبو بكر ذلك من عمر قال: ما أردت إلا خلافي. ومعنى: ما أردت إلا خلافي، أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي، تريد أن تخالف قولي. فقال عمر: ما أردت خلافك، يعني أنا ما قلت هذا من أجل أن أخالفك، ولكن شيء يعني ظهر لي ورأيت أنه الأولى والأفضل من غيره، هذا هو المراد. فتمارى، ومعنى تمارى يعني تجادل وتخاصما في ذلك، حتى ارتفعت أصواتهما، كل واحد يرد على الآخر، فنزلت هذه الآية. وقد ذكر العلماء أن ارتفاع أصوات أبي بكر وعمر هو من أجل نصرة الدين، من أجل نصرة الدين، لا من أجل الهوى ولا الدنيا، وليس لهم مصلحة في ذلك إلا أن كل واحد رأى أن من اختاره هو الأولى والأفضل والأحزم في الإمارة، في الإمارة، فلا يعابون بذلك لأن فعلهم هذا من أجل نصرة الدين، ليس من أجل الهوى، ليس من أجل الهوى. فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وهذه آداب أدب الله عز وجل بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به نبيهم عليه الصلاة والسلام من التوقير والاحترام والتبجيل والتعظيم. بين يدي الله عز وجل، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقوله: لا تقدموا، أي لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي قبله، بين يديه يعني قبل أن يتكلم وقبل أن يحدد، بل