الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 73، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع سبب نزول آية ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ في سياق رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج من زينب بنت جحش بعد طلاق زيد بن حارثة لها، وأمر الله له بتبليغ الوحي دون خشية الناس. كما يبين معنى تزويج الله إياها إياه من فوق سبع سماوات بعد انقضاء عدتها.
يسرد المقطع تفاصيل إرسال النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ليخطب زينب له بعد انقضاء عدتها، وبشارة الوحي بالنكاح من السماء، مع بيان مكانة زيد الفريدة كصحابي مسمى في القرآن ومشهود له بالإنعام الإلهي.
يستعرض المقطع فوائد عقدية وتشريعية من قصة زيد وزينب، أبرزها جواز نكاح زوجة الابن بالتبني بعد الطلاق، ووجوب تبليغ الرسالة كاملة، وتقديم خشية الله على خشية الناس، وأمانة المشورة. كما يبرز أن التعليم بالفعل أبلغ من القول.
يبين المقطع آداب الخطبة للمعتدة وتحريم التخبيب بين الزوجين، وأهمية كتمان الأسرار، وتعظيم الصحابة لحرمة النبي وزوجاته، ومشروعية التبشير بالنعم وإدخال السرور على قلوب المؤمنين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ [الأحزاب: 37] وأول الآية: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37]. ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ [الأحزاب: 37]. ومعنى هذه الآية؛ لأن بمعناها ستفهمون سبب نزول هذه الآية: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾. هذه الآية نزلت في قصة زيد بن حارثة، في قصة زيد بن حارثة، وقد تبناه النبي عليه الصلاة والسلام في الجاهلية، وكان يقال له: زيد بن محمد؛ لأن من تبنى أحداً في الجاهلية نسب إليه. فجاء الإسلام وأبطل التبني، وقال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب: 5]. وأبو زيد حارثة، فيقال له بعد أن نهي عن ذلك: زيد بن حارثة. فزيد رضي الله تعالى عنه تزوج زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى معها سنة أو أكثر، فوقع بينه وبينها ما يقع بين الأزواج، ما يقع بين الأزواج. فجاء زيد بن حارثة إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشكيه ما وقع بينه وبين زوجته، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يمسك زوجته؛ لأن زيداً استشار النبي عليه الصلاة والسلام في فراق زينب. وهذا معنى قوله تعالى في أول الآية: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾. أنعم الله عليه، أنعم الله على زيد وذلك بالإسلام ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه نعمة عظيمة. وأنعمت عليه، أي: يا محمد أنعمت على زيد وذلك بالعتق من الرق؛ فقد كان رقيقاً فأعتقه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصار زيد سيداً كبيراً الشأن رضي الله تعالى عنه، جليل القدر، وحبيباً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أنه يلقب بحبيبي أو حبي رسول الله، يقال له: حب رسول الله، ويقال لابنه: الحب بن الحب، أو حب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث المخزومية التي سرقت، مما قالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقالوا: أسامة بن زيد، حب حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكان من شأن زيد هذه المنزلة العالية. فهذا معنى قوله: ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾، يعني: لا تفارقها ولا تطلقها، وإنما تمسك بها. ﴿ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ في عامة أمرك وفي خاصته، في هذا الأمر الذي جئت من أجله. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾. ورد في هذه الآية هذا السبب. قال الإمام البخاري، قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثنا معلى بن منصور، عن حماد بن زيد، قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن هذه الآية: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، يعني: نزلت في قصتهما، وفي مجيء زيد إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: الحديث، أعاده من حديث ثابت، وأخرجه الترمذي وصححه، وأحمد، والحاكم، وأشار له الذهبي برمز البخاري ومسلم، أي أنه على شرطهما. فما معنى: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾؟ هذا الخطاب ذهب جماعة من المفسرين أنه خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام. ومن الذي أخفاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قالوا: الذي أخفاه أنه لو طلقها زيد لتزوجها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان في نفسه وهي في عصمة زيد أن يتزوج عليها. هذا كان في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، فأخفى ذلك. لما جاء إليه زيد، ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: فرصة، ويستشير في فراقها، فأشير عليه بذلك حتى أحقق ما تمنيت أو ما رجوت من الزواج عليها، لا؛ لأن المستشار مؤتمن. فلذلك أشار إليه بما تقدم: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾. فالذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو أنه يحب أن يتزوج على زينب إذا طلقها أسامة، إذا طلقها زيد رضي الله تعالى عنه. وأما قوله: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾، أي: في عدم إبداء ما في نفسك، ما أبدى هذا لزيد أو لأحد من الخلق، وإنما كان شيئاً في نفس النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾، أي: أن لا تبالي بالناس، وإنما تخشى الله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذه الآية. وقوله: نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، يعني: في قصتهما، لما جاء زيد إلى النبي عليه الصلاة والسلام وشكا إليه، فقال الله عز وجل لنبيه: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾، فقلت له: أمسك عليك زوجك، مع أنك تحب أن تتزوج عليها متى ما طلقها زيد وانتهت عدتها. هذا هو المعنى. قال: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾، وهذا أيضاً في نفس الآية، يعني: آية واحدة. ورد في بعض فوائدها عدة أسباب نزول. فـ ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ورد فيه هذا السبب متقدم. ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ ورد فيه سبب أيضاً. ومعنى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾، الوطر هو الحاجة والأرب. ومعنى الحاجة والأرب: أي لما قضى زيد حاجته وأربه من هذه الزوجة، ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا ﴾، ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا ﴾، فلما فرغ منها وفارقها، وفارقها، زوج الله عز وجل نبيه بها. هذا معنى قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾، يعني: حاجة وأرباً. ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا ﴾، أي: زوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال شيخنا رحمه الله: قال ابن سعد: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن زيد... ماذا عندكم بعد حماد بن زيد عن ثابت؟ أنا عندي هنا خطأ، قال: عن حماد بن زيد بن ثابت. الصواب: عن ثابت البناني، اللي الراوي عن أنس. قال: عن ثابت، عن أنس، قال: نزلت في زينب بنت جحش: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾. لما قضى زيد منها الها، هنا الضمير يعود على زينب بنت جحش رضي الله عنها. قال: فكانت أي زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الفخر ليس بالفخر المذموم، وإنما هو ما يقع بين الضرائر، ما يقع بين الضرائر من إظهار منزلة الزوجة على غيرها من الزوجات. وقد ذكر العلماء أن هذا لا بأس به، كما كانت تفخر عائشة بماذا؟ بموت النبي عليه الصلاة والسلام بين نحرها وسحرها، وغير ذلك مما ورد عن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، لتبين كل واحدة منزلتها ودرجتها ودرجتها عند النبي عليه الصلاة والسلام. قال: قالت كانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: "زوجكن أهلهن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات". رجاله رجال الصحيح. وهذا واضح أن زواج زينب بنت جحش كان بأمر من الله سبحانه وتعالى: ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا ﴾. وهذا لشك أنها منقبة ومزية خاصة لزينب رضي الله تعالى عنها، ورضي الله عن جميع زوجات رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقولها: "من فوق سبع سماوات"، هذا فيه إثبات العلو لله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل فوق السماوات، وأنه على العرش استوى سبحانه وتعالى. قال: أخبرنا عفان بن مسلم، وعمر بن عاصم الكلابي، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لما انقضت عدة زينب بنت جحش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: "ما أجد أحداً آمن عندي وأوثق في نفسي منك"، يعني: سيحفظ سري ويقضي حاجتي، فأنت آمن، من أجد وأوثق في نفسي من غيرك، هذا هو المعنى. ثم بين له ما أراد منه، فقال: "ائتِ إلى زينب فاخطبها علي". فالله أزباد... انتهت عدتها. وهذا فيه أن المرأة المطلقة، خصوصاً الطلاق الرجعي الذي هو الأولى أو الثانية، لا يجوز خطبتها تصريحاً. بل ذكر العلماء كذلك: ولا تعريضاً، ولا تعريضاً؛ لأنها لا تزال للرجعة. وإنما قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ [البقرة: 235]، المراد بذلك المتوفى عنها زوجها إذا كانت في العدة، أو المطلقة طلاقاً مبتوتاً، يعني: الطلقة الثالثة، لا يجوز لزوجها أن يتزوجها، فإذا هي في العدة يجوز التعريض، كأن يقول: أريد أن أتزوج امرأة صالحة، وهذه المرأة كانت صالحة، أو: إني راغب في الزواج، ولم يحدد، أو: أني أريد أن أتزوج على امرأة من نسب كذا وكذا، ويذكر نسبها دون أن يصرح بها، فهذا ألفاظ عامة ليست صريحة في خطبتها، فهذا يجوز. لكن في المتوفى عنها زوجها، أو في ماذا؟ في المطلقة طلاقاً مبتوتاً، يعني: الذي يطلقها زوجها الطلقة الثالثة التي لا يجوز له أن يرجع إليها حتى تنكح زوجاً غيره. فانظر النبي عليه الصلاة والسلام ما خطبها وهي في عدتها، وإنما انتظر حتى انقضت عدتها. قال: فانطلق زيد فأتاها، وهي تخمر عجينها، يعني: تعمل في عجينها وتهيئه للطبخ. فلما قال زيد... فلما رأيتها عظمت في صدري. لماذا عظمت في صدره؟ من يجيب؟ لماذا عظمت في صدره؟ كانت زوجة له طلقها، لكن الآن عظمت في صدره، أين وجه العظم في هذا؟ نعم، لأنها ستكون زوجة للنبي عليه الصلاة والسلام، وزوجات النبي أمهات للمؤمنين، ومنزلته العظيمة، فعظم ذلك في صدره؛ لأنها ستكون زوجة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. بدلاً ما كانت زوجة، لتكون أماً له، وأزواجه أمهاتهم. فانظر إلى يعني محبة الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام، وتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا ما أمر الله عز وجل به في كتابه، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه، فهذا من التعزير للنبي عليه الصلاة والسلام، التعظيم. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فلم أستطع أن أنظر إليها. الله أكبر، ما ما استطاع أن ينظر إليها. قال: حين عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها. قال: فوليتها ظهري، ما استطاع أن يقابلها، أعطاها ظهره، وكلمها وهو مولي لها. قال: ونكست على عقبي، يعني: مشيت القهقرة، مشيت يعني... يعني: أعطيتها ظهري ومشيت أمامي وهي خلفي. نكست على عقبي، وقلت: يا زينب، أبشري، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: معنى "يذكرك" يعني: يريد أن يتزوجك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أآمر ربي. ومعنى "أآمر ربي" يعني: حتى يكون هناك أمر من الله، أو رؤية صالحة، أو كذلك شيء من ذلك. فقامت إلى مسجدها، يعني: إلى مصلاها، ونزل القرآن: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾، فوافق هذا قولها: "حتى أآمر ربي"، "حتى أآمر ربي". فجاء الأمر بزواجها من النبي عليه الصلاة والسلام من الله. ولذلك جاء في الحديث الذي قبل هذا أنها تقول: "زوجكن أهلكن، وزوجني الله". وقد ذكر المفسرون أن زينب تزوجت على النبي عليه الصلاة والسلام بغير... يعني: ليس كما يتزوج بقية النساء، ليس كما يتزوج بقية النساء. فزوجها الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، من فوق سبع سماوات. وهذا فيه منزلة ورفعة لزينب رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فزوجها الله عز وجل بغير شهود، بغير شهود. نعم. وهذه الآية، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي استنبط منها فوائد عدة، فمن باب الفائدة نذكر بعض فوائد هذه الآية، نذكر فوائد بعض هذه الآية، لما فيها من العلم، ولما فيها من الاستنباط الدقيق. فهذه الآية كان الغرض من نزولها بيان أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة. الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء. فالابن إذا تزوج على امرأة، الابن الحقيقي من النسب إذا تزوج على امرأة، لا يحل لأبيه أن يتزوجها على التأبيد، ولو طلقها ابنه، ولو طلقها ابنه لا يجوز للأب أن يتزوج بزوجة ابنه. لكن في الأدعياء، في الأدعياء يجوز لمن تبنى دعياً أن يتزوج، أن يتزوج بزوجة دعيه. فجاء القول ببطلان التبني، وجاء كذلك الفعل ببيان أن حكم الأبناء بالتبني ليس كحكم الأبناء حقيقة بالنسب، حقيقة بالنسب. فاستنبط الشيخ ابن سعدي رحمه الله من هذه الآية عدة فوائد. من هذه الفوائد: أولاً: الثناء على زيد بن حارثة، الثناء على زيد بن حارثة. وهذا فيه منقبة، وفيه فضيلة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وذكر أن هذا الثناء وهذه الفضيلة من وجهين: الوجه الأول: أن الله سماه في القرآن، ولم يسمِ من الصحابة باسمه غيره، لا أحد من الصحابة ذكر اسمه في القرآن إلا... إلا زيد فقط. ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ ﴾، زيد هو ابن حارثة. وأما غيره من الصحابة لم يذكر أحد باسمه. وهذا لا شك أنها منقبة ومنزلة عالية وفضل كبير لزيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. وهذا الوجه الأول في فضيلة وأثنى على زيد رضي الله عنه. الثاني: أن الله أخبر أنه أنعم عليه. ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾، فأخبر الله عز وجل أنه أنعم على زيد بن حارثة، أي: بنعمة الإسلام والإيمان، فهي نعمة خاصة، وشهادة من الله لزيد بأنه مسلم مؤمن ظاهر وباطن، لأنه أثبت له هذه النعمة. ومن الذي أثبت الله عز وجل؟ فلشك أن هذا ثناء على زيد رضي الله تعالى عنه، وأن هذا الذكر وهذا النعمة نعمة خاصة. ومن فوائد هذه الآية مما ذكره ابن سعدي: جواز تزوج زوجة الدعي، فالنبي عليه الصلاة والسلام تزوج على زينب مع أنها زوجة دعيه زيد. ومن فوائد هذه الآية: أن التعليم بالفعل أبلغ من التعليم بالقول، فقد يكون تأثير الفعل أبلغ من تأثير القول. من أين يستنبط هذا من الآية؟ أن الله عز وجل أبطل التبني بزواج، بزواج النبي عليه الصلاة من امرأة دعيه زيد، فهذا دليل على أن زيد ليس ابناً للنبي عليه الصلاة، إذ لو كان ابناً لما جاز للنبي عليه الصلاة أن يتزوج بزوجته. فهذا فيه بطلان التبني بالفعل، وقد وافق القول، فصار نوراً على نور. وهذه القاعدة لها أدلة: أن الفعل أبلغ من القول، الناس تتأثر بالأفعال أكثر من ماذا؟ من الأقوال. إذا رأوا الإنسان يتكلم، يتكلم، لكن ما يعمل بكلامه، ما يعمل بعلمه، يقول: دعوكم أن هذا كذاب، لكن لو الإنسان ما يتكلم لكن يعمل، يعمل بالحق، يعمل بالخير، وإن لم يتكلم، فإن الناس تتأثر بهذا ويقتدون به. وهذه القاعدة استدلوا عليها كذلك بما وقع في عمرة القضاء، أو في ليست عمرة القضاء، وإنما في خروج النبي عليه الصلاة والسلام للعمرة، فمنعته قريش بصلح الحديبية، وعمل تلك الشروط التي ظاهرها فيها الغضاضة على المسلمين، ولكن كانت فتحاً مبيناً. لما يعلم النبي عليه الصلاة والسلام، لما يوحى إليه من ربه، فهم خرجوا ماذا؟ معتمرين يريدون العمرة، فمنعوا من شروط الصلح أنهم ماذا؟ لا يعتمرون هذا العام، يرجعون، وقد أحرموا. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يتحللوا، أن يتحللوا من إحرامهم، وأن يحلقوا رؤوسهم، وأن يحلقوا ماذا؟ رؤوسهم. فلشدة الأمر لم يستجب الصحابة، لما وجد في نفوسهم من الهم والغم والضيق، تأخروا في ذلك. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى من كانت معه من زوجاته أم سلمة، فشك لها عدم... يعني عمل الصحابة بقوله. فقالت له: أخرج وادعُ الحلاق واحلق. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، هذا فعل، خرج وأتى بالحلاق أمام الناس ويحلق له. لما رأى الصحابة ذلك، روى أن الأمر ما فيه رجعة، فقام كل واحد يحلق لصاحبه، حتى كادوا أن يقتتلوا، يعني: من شدة الزحام. فاستدل العلماء بهذا أن الأفعال أبلغ من الأقوال، أبلغ من الأقوال. وكذلك في هذه الآية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى الصحابة درساً عملياً في بطلان التبني، أنه يجوز لمن كان متبنياً لأحد أن يتزوج بزوجته إذا طلقها وانتهت عدة. ولذلك ماذا قال الله عز وجل في الآية؟ قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾، حتى يعلم الصحابة أن ما عليهم حرج من أراد أن يتزوج بزوجة من تبناه إذا طلقها وانتهت عدتها. فهذا فيه هذا المعنى. ومن الفوائد التي ذكرها تحت هذه الآية: أن الرسول قد بلغ البلاغ المبين، ولو كان هذا البلاغ فيه عتابه، ولو كان هذا البلاغ فيه عتابه. النبي عليه الصلاة والسلام عاتبه ربه بهذه الآية: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾. فهل أخفى هذه الآية ولم يبينها ولم يعلمها للصحابة أبداً؟ فهو صلى الله عليه وعلى الله وسلم قد بلغ البلاغ التام، البلاغ المبين. فكل ما أمره الله عز وجل به، ولو كان فيه عتب له، بلغه عليه الصلاة والسلام. ومن فوائد هذه الآية: أن المستشار مؤتمن، ولو كان في عدم قول الحق مصلحة لهذا المستشار، لكنه مؤتمن، فلا يجوز له أن يخون في الاستشارة. من أين نأخذ هذا؟ أن زيد استشار النبي صلى الله عليه وسلم في فراق زوجته، والنبي صلى الله عليه وسلم قد وقع في نفسه أنه لو طلقها وفارقها وانقططها سيتزوجها، ومع هذا أشار إليه بالرشد، أشار النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بالرشد، وقال له: ماذا؟ ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾. فمن استشارك في شيء فأشر عليه بما تراه حقاً وصواباً ورشدا، ولو كان خلاف الصواب والحق والرشد فيه مصلحة لك، لا تشير عليه بما هو خلاف الحق وخلاف الصواب. فالمستشار مؤتمن، من استشارك في شيء فهذه أمانة ينبغي أن تؤدي على حسب ما تعلم، على حسب ما تعلم. ومن فائدة هذا الحديث الذي ذكرها: أن من الرأي الحسن لمن استشار في فراق زوجته أن يؤمر بإمساكها مهما أمكن صلاح الحال، فهو أحسن من الفرقة. نستشارك إنسان، إيش رأيك؟ هذه المرأة ما تطبخ لي، سواء، ويعني: ما عجبتني، ما رأيك أن تركها ونزوج غيرها؟ قل له: لا، هذا ما هو سبب مقنع، فلا تفارقها، وشر عليه بأن يمسكها، وتبقى معه، تبقى معه. هذا معنى قوله: لأن الطلاق فيه مفاسد، الطلاق فيه مفاسد، منها: تشتيت الأسرة، منها كذلك: يعني ترك هذه المرأة ربما يتلاعب بها الشيطان ولم يأتيها زوج، ومنها كذلك من هذه المفاسد: وجود الشحناء والبغضاء ونحو ذلك. ولذلك الشيطان من أعظم شروره وسعيه في الإفساد، الإفساد بين المرء وزوجه، كما في حديث جابر في مسلم: أن الشيطان ينصب أو يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، يبعث جنوده، فأقربهم منه منزلة أعظمهم فتنة، أعظمهم فتنة. فيأتي أحد هؤلاء الجنود فيقول له: ماذا صنعت؟ يقول: ما زلت بفلان حتى فعل كذا وكذا، يعني: من المعاصي الأخرى كزنا أو شرب خمر أو نحو ذلك من الشرور، فيقول له: لم تصنع شيئاً. ثم يأتي الآخر، يقول له: ماذا صنعت؟ يقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيقول له: أنت، أنت، ويدنيه منه ويضمه، يفرح الشيطان بهذا. قال العلماء: لأن في هذا الفعل مفاسد عظيمة، منها ما تقدم، ربما الفراق يؤدي إلى الفواحش، وربما يؤدي إلى السحر، يكيد أحد الزوجين للآخر، ربما تسول له نفسه أن يذهب إلى ساحر أو كاهن، وهكذا. فمن استشارك في فراق أهله، لا سيما إذا أمكن صلاح الحال، لم تكن المشكلة معقدة فيها يعني أسباب مقنعة، وإنما أسباب تافهة أو أسباب يمكن أن تتلافى، فالمستشار يشير إلى هذا الزوج بمسك زوجته. ومن الفوائد التي ذكرها: أنه يتعين أن يقدم العبد خشية الله على خشية الناس، وأنها حق منها وأولى. وهذا في قوله: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾. فالمؤمن لا يقدم خشية الناس على خشية الله، لا يقدم خشية الناس على خشية الله. فإذا هناك أمر فيه أن المرء مخير، إما أن يطيع الله فيه فيخشى الله، أو أن يطيع الخلق ويغضب الله، فلا يقدم خشية الخلق على خشية الله. نعم، وإنما يقدم خشية الله على خشية الخلق. ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾. ومن فوائد هذه الآية مما ذكرها الشيخ ابن سعدي: قال في هذه الآية فضيلة لزينب في انتجاح رضي الله عنها، لأن الله تولى تزويجها من رسوله صلى الله عليه وسلم من غير شهود، فهذه فيه فضيلة لزينب رضي الله عنها وأرضاها. ومن فوائد هذه الآية مما ذكر ابن سعدي: أن المرأة إذا كانت ذات زوج فلا يجوز نكاحها، ولا السعي فيه، ولا في أسبابه، ولا في التخبيب والإفساد بينها وبين زوجها، حتى يقضي زوجها وطره وحاجته فيطلقها، فتنقضي عدتها، ثم تخطبها، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فما يفعل بعض الناس إذا أراد أن يتزوج على امرأة متزوجة، فإنه يسعى لإفسادها على زوجها، إما بالمراسلات، وإما بالإغراءات، وإما باللقاءات، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يخبب المرء أو الرجل زوجة أخيه. يخبب، يعني: يفسد الزوجة على زوجها. فانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقعت في نفسه، ومع هذا أشار إلى زيد أن يمسكها، ليس أن ينظر في أمره وأن يفارقها، لا، بل أمره أن يمسكها. فهذا دل على أن المرأة إذا كانت ذات زوج لا يجوز تخبيبها، ولا يجوز كذلك السعي في فراقها لزوجها حتى هو يتزوج عليها أو نحو ذلك. هذا أيضاً مما ذكره الشيخ في هذه الآية. وهناك فوائد أخرى أشرنا إليها، ففي هذه الأحاديث من الفوائد أيضاً: إثبات علو الله عز وجل في قولها: "زوجني الله من فوق سبع سماوات". ومنها: أن المرأة إذا طلقت لا يصرح بخطبتها، وإنما يعرض إذا كانت ممن توفى عنها زوجها، أو مما هي مطلقة طلاقاً مبتوتاً، لا رجعة فيه، كما تقدم. ومما يذكر أيضاً من فوائد هذا الحديث: ما كان عليه نساء الصحابة من الطاعة والعبادة، وهذا في قوله: "فقامت إلى مسجدها"، قامت تصلي، تذكر الله، حتى نزل القرآن في شأنها. ومن فوائد هذا الحديث: أن المسلم لا يعني يتكلم بأسراره عند كل من هب ودب، وإنما يتكلم بأسراره لمن يثق به. انظر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بن حارثة: "ما أجد أحداً آمن عندي"، يعني: إنسان أمين عندي، "وأوثق لنفسي منك"، ثم كلمه بسره، وهو أن يخطب له زينب رضي الله عنها وأرضاها. فإذا أعطيت أسرارك من هو يعني لا يؤتمن، فلربما أشاعها وأظهرها فأفسدك، وكذلك ربما لم يتحقق ما تريد لأن الخبر قد انتشر واشتهر، ونحو ذلك. فإذا من عنده سر لا يسره إلا إلى من يثق به، من عرف بالأمانة، ومن عرف بالثقة، ونحو ذلك، كما في هذا الحديث، وكما هو معلوم أن من أسر إليك بشيء فإنه لا يجوز لك أن تفشيه أو أن تظهره، إلا إذا أذن، إلا إذا أذن، أو رأيت أن الإفشاء لا يضر لاشتهاره، أو لذهاب مصلحة السر، أو نحو ذلك. فهذا أمر أيضاً ينتبى له. وإما استفد من هذا الحديث أيضاً: تعظيم الصحابة لمقام النبي عليه الصلاة والسلام، ومقام زوجاته رضي الله تعالى عنهن جميعاً. ومن فوائد هذا الحديث: أن أخاك إذا استجدت له نعمة أن تبشره، لقول زيد لزينب: "أبشري، أبشري". فتبشر أخاك المسلم بما يفرحه، ولا شك أن هذا أمر يسر بالنسبة لزينب رضي الله تعالى عنه. ولذلك قال لها: "أبشري، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر" في طيب. نكتب بهذا، وإلى هنا والله تعالى.