الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 105، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع سبب نزول أوائل سورة الضحى رداً على زعم وداع الله لنبيه، مؤكداً بالقسم بالضحى والليل عدم تركه لرسوله. ويستعرض حديث عرض كنوز الفتوحات على النبي ﷺ الذي سرّه فنزلت آية ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ مع تصحيح الشيخ الوادعي لأسانيده.
يسرد المقطع سبب نزول قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ إثر محاولة أبي جهل الاعتداء على النبي ﷺ أثناء صلاته، فانكص خائفاً من خندق نار وأجنحة. وهدده النبي ﷺ بأن الملائكة ستختطفه عضواً عضواً فنزلت الآيات تهديداً له ولقومه.
يروي المقطع محاولة أبي جهل الاعتداء على النبي ﷺ ساجداً عند الكعبة، فتراجع مرعوباً لرؤيته خندقاً من نار وأجنحة ملائكة. ونزلت بسبب ذلك آيات {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} مبينة أن زبانية الله أشد من ناديه.
يختتم المتحدث الجلسة بالحمد لله مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين تقديراً لإسهامها في الترجمة. وتشكل هذه الفقرة ختاماً رسمياً للقاء العلمي.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومعلاه. اشهدوا أن لا إله إلا الله، له لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى لكتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": "فلم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث"، فرد الله عز وجل عليه، وأنزل بداية أول سورة الضحى: ﴿ وَالضُّحَى ﴾. وهذا الزمن الذي يكون فيه الضحى يبدأ من بعد طلوع الشمس قدر رمح، وينتهي إلى الزوال، هذا يسمى وقت الضحى. فأقسم الله عز وجل بهذا الزمن، وله سبحانه وتعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وأما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله. ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾: الليل إذا سجى، إذا أظلم وغطى ظلامه الأفق. ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾: يعني ما تركك ربك، وما قلى، أي ما أبغضك. لا كما تقول هذه المرأة الشقية. وهذا فيه دفاع الله عز وجل عن نبيه عليه الصلاة والسلام. قال: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، والخطاب لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. قال تفسير ابن كثير: وقال أبو عمر الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبي بن كعب -أكد عندكم- قال: عُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته كنزًا كنزًا، فسر بذلك، فأنزل الله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. أكد يقول شيخنا رحمه الله: والعمدة على هذا الطريق، فالسند صحيح إلى ابن عباس. قال: الحديث رواه ابن جرير كما قال الحافظ ابن كثير من طريقين عن الأوزاعي: في إحداهما عمر بن هشام البيروتي الراوي عن الأوزاعي، وهو ضعيف، وفي الأخرى رواد بن الجراح، مختلف فيه. فأظن من وثقه لصدقه وديانته، ومن جرحه فلأنه اختلط، فضعف لاختلاطه. عمر بن هشام البيروتي الراوي عن الأوزاعي -قرأنا هذا عندي "هاشم"، أنتم عندكم من "هشام"؟ هشام، هشام، إذا خطأ عندي، هاتي، هاتي، خدم. عمر بن هشام عندكم صواب؟ هشام أحسن- الراوي عن الأوزاعي وهو ضعيف، وفي الأخرى رواد بن الجراح مختلف فيه، فأظن من وثقه لصدقه وديانته، ومن جرحه فلأنه اختلط. هذه كلها شواهد، فالأول والثاني يصلح بالشواهد والمتابعات. قال: وأخرجه الحاكم وصححه، وتعقبه الذهبي قائلًا: تفرد به عصام بن رواد -هكذا عندهم- عن أبيه، وقد ضعف. وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط. قال الهيثمي: ورواية الأوسط: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرض علي ما هو مفتوح لأمتي من بعدي"، فسرني، فأنزل الله: ﴿ وَلِلْآخِرَةِ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾، يعني ذكر آية أخرى وليس ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، فذكر نحوه، وفيه معاوية بن أبي العباس ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وإسناد الكبير حسن. وأخرجه ابن عدي في الحلية عن الطبراني، فيه عمر بن هشام -عندكم هاشم؟ نعم- فيه عمر بن هشام البيروتي. ثم قال: هذا حديث غريب من حديث علي بن عبد الله بن عباس، لم يرو عنه إلا إسماعيل، وروى سفيان الثوري عنه، زاعًا إسماعيل مثله. فالحديث ثابت بالطريق الأولى، طريق حديث ابن عباس. ومعنى الحديث: عُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته كنزًا كنزًا. قد يكون هذا العرض رؤيا منام، وقد يكون هذا العرض على حقيقته في صعوده ومعراجه عليه الصلاة والسلام. فعُرض عليه عليه الصلاة والسلام ما هو مفتوح على أمته، يعني ما سيُفتح على هذه الأمة من الفتوحات التي بها يغنمون الكنوز والأموال الكثيرة. فسر بذلك، أي فرح النبي عليه الصلاة والسلام بهذه البشارة وهذا الفتح وهذا العطاء والمغنم. فسر بذلك، فأنزل الله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، أي سيعطيك الله عز وجل ما هو أعظم مما رأيت ومما عُرض عليك. ما هو هذا الشيء؟ قال: فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر. كم ألف ألف؟ تغلق الرياضيات: ألف ألف كم؟ مليون. مليون قصر. ألف ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. كل قصر فيه ما يكفي لخدمة صاحبه من الأزواج والخدم. وهذه بشارة عظيمة لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولأمته أيضًا، وأن الله عز وجل سيفتح على هذه الأمة. ثم قال شيخنا رحمه الله: سورة العلق. قال: ﴿ كَلَّا ﴾، سبب نزول قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴾ الآيات، بمعنى أن هذا الحديث الذي سيأتي ليس في آية واحدة، بل في هذه الآية والآيات التي بعدها: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴾ الآيات. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن معاذ، ومحمد بن عبد الأعلى القيسي، قالا: حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال: حدثني نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزة، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله -فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أتى أبو جهل، فالفاعل هنا مستتر، أتى هو، ورسول مفعول به- قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته -عندكم هذا "ليطأ"؟ نعم، منصوب هنا الفعل- قال: زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴾ الآيات. قال: لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغ. قال: زاد عبيد في حديثه: قال، وأمره بما أمره به. وزاد ابن عبد الأعلى: فليدعُ ناديه، يعني قومه. قال الحديث: قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقد رواه أحمد بن حنبل، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم من حديث معتمر بن سليمان به. ورواه ابن جرير، والبيهقي في دلائل النبوة. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زكريا بن عدي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه -هكذا عندكم، أنا عندي خطأ- قال: قال: لآتينه حتى أطأ على عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن فعل لأخذته الملائكة عيانًا". قال: هذا حديث صحيح. وقال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ كيف تعرب "أنهك" عندك؟ يا بلال، أنهك. "أنهى" فعل ماض، "أنهى" فعل مضارع. أي وفعل مضارع ما عرابه؟ أنا أسأله. طيب، عندك مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الألف. طيب، والفاعل؟ طيب، والكاف ما فعل به؟ أحسنت. قال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره. فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾. قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. طيب، معنى هذا الحديث: أبو جهل، ومن ألد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أشدهم أذى وسخرية بالنبي عليه الصلاة والسلام، جاء ذات مرة متبخترًا متكبرًا، وقال: هل يعفر محمد وجهه بين أضوركم؟ ومعنى "يعفر": يعني يسجد. أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي عند الكعبة، عند البيت، فغاضهم ذلك. وأحيانًا يسمع القوم بالقرآن فيتأثر السامع بما يسمع من تلاوة، فغاض ذلك المشركين. فجاء أبو جهيل: هل يعفر محمد وجهه بين أضوركم؟ يعني: هل ما زال يصلي ويسجد؟ فقال: فقيل: نعم، نعم. فحلف بآلهته التي كان يعبدها، وهي اللات والعزة. قال: واللات والعزة، لئن رأيته يفعل ذلك لا أطأن على رقبته، يعني أضع رجلي على رقبته وهو ساجد، على رقبته وهو ساجد، ولأعفرن وجهه في التراب، يعني أدوس وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أتى أبو جهل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. زعم -زعم- ليطأ على رقبته، يعني أنه سيفعل ذلك. زعم. فتوجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ينظرون إليه، ينظرون إليه، والنبي عليه الصلاة والسلام ساجد، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساجد. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. ينكص على عقبيه: يعني يرجع القهقرة. هو متجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا به يرجع على ظهره، ويتقي بيديه، يعني كأنه يدافع شيئًا، كأنه يدافع شيئًا يريد أن يهجم عليه، وهو يرجع للخلف، وهو يرجع للخلف. انظر إلى هذا الوصف. فقيل له: ما لك؟ أن تكونت تزعم أنك ستطأ على رقبة النبي، أو على رأس النبي عليه الصلاة والسلام، أو على رقبته، لماذا تراجعت؟ لماذا لم تفعل ذلك؟ فماذا قال لهم؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار. الله عز وجل دافع عن نبيه، فرأى خندقًا، يعني حفرة كبيرة، وفيها نار. خندقًا من نار، وهولًا: رأى أهوالًا وأمورًا عظيمة، وأجنحة، ولعلها أجنحة الملائكة، أجنحة الملائكة. فرأى أشياء مخيفة ومرعبة، فكانت سببًا في رجوعه وفي خوفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني"، يعني ما تراجع عن ما رأى، "لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا"، يعني أخذت بهذا العدو ومزقته عضوًا عضوًا دفاعًا عن نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: فأنزل الله عز وجل. وقوله: "لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه"، علق شيخنا: قال: هذا التردد يعتبر قادحًا في صحة سبب النزول، لكن كتبته لكثرة شواهده، يعني جاءت شواهد أخرى، ولذلك أوردها في غير صحيح مسلم، تدل على أن هذه القصة كانت سببًا لنزول هؤلاء الآيات، لنزول هؤلاء الآيات. فالعبرة بالشواهد الأخرى، لأن التردد في قوله: "لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغ"، فإذا كان في شيء بلغه آخر، فلا يكون هذا السبب في هذه الآية، لأنه بشيء آخر بلغه، وليس فيما جاء في حديث أبي هريرة. فهذا التردد شك من الراوي، لكن الحديث كما سمعت من كلام الشيخ، وما ذكرها هنا، وردت له شواهد أخرى كما ذكر في دلائل النبوة. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، وذكر حديث ابن عباس، لأنها نزلت في أبي جهل، نزلت في أبي جهل. فهذه الشواهد تثبت نزول هؤلاء الآيات في قصة أبي جهل. وأما قوله في الآية: ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾، المراد بهم الملائكة، المراد بهم الملائكة. وأما قوله: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾، جاء تفسيره، جاء تفسيره: يعني قومه، وهم الذين يجلسون معهم في الأندية، في المجامع، في مجامع حديثهم وجلوسهم. فاغتر بمن يجالسهم من قومه، وأنهم سيدافعون عنه، فرد الله عز وجل عليه بقوله: ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾، هاي الملائكة، نعم. فتغلبهم، ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا. هذا معنى ما ورد في هذا الحديث. طيب، نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.