الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الرواية أن النبي ﷺ عفا عن عبد الله بن أبي سلول بناءً على نصيحة سعد بن عبادة، مظهراً تواضعه وآداب الصحابة في تجنب تفصيل الكلام السيئ. ويشير المفسرون إلى أن هذه الآية نُسخت لاحقاً بآيات الجهاد التي أمرت بالقتال، مما أنهى حكم العفو عن الكفار والمنافقين.
يبيّن الحديث أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة على راحلته متوجهاً حيث توجهت، ونزلت الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ لتخصيص هذا الحكم. ويسقط عن المسافر السنن الرواتب بينما يجوز له صلاة الوتر والضحى والنفل المطلق، كما يُرخص للفريضة عند العجز عن الاستقبال بسبب الخوف أو المرض.
استعرض الدرس أربع موافقات لعمر بن الخطاب للوحي: اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، آية الحجاب، تخيير أزواج النبي ﷺ، ورأيه في أسارى بدر، مما يدل على فراسته وإلهامه. كما بيّن آداب الصلاة خلف مقام إبراهيم وعدم التكلف في التقرب منه.
يُذكر أن الحديث السابق يُعد سبباً لنزول الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، مما يربط بين موافقة عمر والنص القرآني. ويختتم الدرس عند هذه النقطة مع الإشارة إلى المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": في نزول قول الله عز وجل: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال أبو الشيخ في كتاب الأخلاق: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدثنا عمر بن عثمان، عن بشر بن سعيد، عن أبيه، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار، فقال لسعد: «ألم تسمع ما قال أبو الحباب؟» يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا. فقال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح. فعفى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن أهل الكتاب والمشركين، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الحديث رجاله ثقات، وهو حديث صحيح. ومعنى هذا الحديث: أن أسامة بن زيد حدث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ركب على حمار، وهذا يدل على تواضع النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه مثل الناس يركب الحمار، ويكون في خدمة أهله، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله عليه الصلاة والسلام، بل ويردف خلفه من الصحابة، كما جاء من أحاديث فيها إرداف النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وردف معاذ وعلي والعباس وغير هؤلاء مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن عبادة: «ألم تسمع ما قال أبو الحباب؟» وهي كنية رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، أي أنه قال كلاماً سيئاً في النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر في هذا الحديث، وإنما كني عنه بقوله: كذا وكذا. وقلنا إن الكلام سيئاً لأن سعد بن عبادة قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «معفو عنه»، فهذا دليل على أن الكلام فيه إساءة وفيه تعدٍ. وهذا كذلك من أدب الحديث: أنك إذا نقلت كلاماً سيئاً لا داعي لذكره، لا تقول مثلاً: «ألم تسمع فلاناً قال فيه أنني كذاب، وأنني فاسق، وأنني كذا وكذا»، فتذكر هذا الكلام بالتفصيل، لا داعي لهذا، وإنما تقول: «كلم فلان يتكلم عليه ويقول فيه كلاماً سيئاً» دون تفصيل، أو يقول فيه: «كذا وكذا» أو «كيت وكيت»، فهذا من الآداب التي كان عليها الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فقال سعد بن عبادة للنبي عليه الصلاة والسلام: «أعف عنه واصفح»، أي: لا تؤاخذه بذلك، وإنما اعف عنه واصفح وتجاوز. فعفى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا جواز نصح المفضول للفاضل، فلا أحد أرفع من النصيحة. فانظر إلى سعد بن عبادة، صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينصح النبي عليه الصلاة والسلام بالعفو والصفح، يقول له: «اصفح عنه» أو «أعف عنه واصفح». فمهما بلغت من العلم ومن الفضل ومن الرفعة، فلست أرفع من النصيحة. كل واحد منا في أمس الحاجة إلى نصيحة تهدي له، ولو ممن هو أقل منه فضلاً وعلماً. فهذا سعد بن عبادة يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: «اعف عنه واصفح»، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العفو والصفح. وقال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن أهل الكتاب والمشركين». وقد ذهب جماعة من المفسرين، ومنهم ابن عباس، وجاء كذلك عن أبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي: أن هذا الحكم منسوخ، أي العفو عن أهل الكتاب وعن المشركين والمنافقين، نسخ بآيات القتال والسيف، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وغيرها من الآيات التي فيها الأمر بقتال المشركين. ومما يؤيد قول من قال بالنسخ: قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. وتعلمون أن حكم الجهاد، جهاد الكفار، تأخر قليلاً في أول الدعوة في مكة، وكذلك أول الدعوة في المدينة لم يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بالجهاد بالسيف والسنان. فيحمل ما وقع في هذا الحديث من عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك المنافق، ومن قوله كذلك: «وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام وصحابه يعفون عن أهل الكتاب والمشركين»، يحمل هذا على قبل النسخ، قبل أن تنسخ هذه الآية. ولكن بعد ما نُسخت، ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يعفو، بل من أساء في محاربة الدين والمسلمين فإنه يقاتلهم، كما فعل مع مشركي قريش، ومع كذلك قبائل اليهود في المدينة فأجلاهم لما غدروا ولما نقضوا العهد، ولما نقضوا العهد قاتلهم عليه الصلاة والسلام لأنه أمر بذلك، أمر بذلك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالخلاصة: أن هذه الآية لها سبب نزول، وهو ما ذكر في حديث أسامة بن زيد، ولكن هذه الآية بالنسبة لحكمها وهو العفو عن الكفار والمشركين والمنافقين، فهذا كان قبل الأمر بقتالهم، وإلا فهذه الآية منسوخة. ومعنى الآية واضح: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، يعني: حتى تؤمروا بالقتال والجهاد، وكذلك الغلظة على هؤلاء الكفار، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال: وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. قال الإمام مسلم في صحيحه: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن سليمان، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. الحديث أخرجه الترمذي وأحمد بن حنبل، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو حديث في مسلم كما سمعت. ومعنى هذه الآية: أن المسلم أينما توجه فالله سبحانه وتعالى معه بعلمه وإحاطته. فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، أي: هو الذي خلقهما وهما من ملكه، المشرق والمغرب. ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾، أينما تتوجهون، سواء كان إلى المشرق أو إلى المغرب، ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فهناك الله سبحانه وتعالى معكم بعلمه، وكذلك بمراقبته وإحاطته سبحانه وتعالى. فهذا هو المعنى. ولذلك كانت هذه الآية سبب نزولها ما جاء في هذا الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، يعني: حيثما تتوجه به هذه الراحلة، أينما تتوجه به هذه الراحلة، سواء كان جهة المشرق أو جهة المغرب. وهذه الآية وهذا الحديث محمول على صلاة التطوع، على صلاة التطوع في السفر، أو تحمل كذلك الآية على صلاة المسايفة وشدة الخوف والمرض الذي لا يستطاع، أو لا يستطيع المريض أن يتوجه إلى القبلة، فأينما صلى المصل في هذه الحالات ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، يعني: فالله سبحانه وتعالى يتقبل منه ويراه ويحيط به سبحانه وتعالى. وتفسير هذا الحديث بما ذكرنا هو الذي يتفق مع ما ورد من وجوب استقبال القبلة عند الفريضة للمستطيع، عند الفريضة للمستطيع. فقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته في سفره في النافلة، ويذكر، أي ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، والحديث في مسلم. لذلك قال العلماء: يجوز للمسافر أن يصلي النافلة وهو في راحلته، ولا يضره حركة هذه الراحلة إلى المشرق أو إلى المغرب. وهذا حكم خاص بالمسافر في النافلة، أما في الفريضة فلا، ينزل من على الراحلة ويستقبل القبلة، هذا في الفريضة، طالما أنه مستطيع، طالما أنه مستطيع، إلا إذا لم يستطع كما ذكرنا في حال المسايفة. ومعنى المسايفة: يعني في القتال، أنت الآن في معركة متواجه مع أعداء الإسلام من الكفار والمشركين، والوقت ليس فيه متسع، الوقت ليس فيه متسع لإدراك وقت هذه الفريضة، فتصلي على أي حال، وتأتي بأفعال الصلاة، ولو بغير ركوع أو سجود، ولا تترك الصلاة. انظر في هذا الموضع، وهذا يدل على عظم فرضية الصلاة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتركها بأي حال من الأحوال. بعض الناس لجهله إذا مرض وما استطاع أن يتوضأ أو أن يغتسل أو أن يتوجه إلى القبلة، قال: «أنا الآن ما أستطيع، أتركها إلى أن أستطيع»، فربما يوم كامل ما يصلي بحكم المرض، ثم في اليوم الثاني يقضيها خمس ركعات عن اليوم كامل. لا، هذا لا يجوز. أنت ما تستطيع تصلي على أي حال. قال: «يا رجل، أنا ممتلئ بالبول -عزكم الله- والغائط، وما أستطيع أن أذهب إلى الحمام، وعندي شد في رجلي أو عندي عملية أو كذا». فيقال له: صل على أي حال. قال: «يا جماعة، ما أستطيع حتى أستقبل القبلة». قيل له: صل على حالتك، ولو لم تستطع أن تتوجه إلى القبلة، لا تترك الصلاة حتى يخرج وقتها. ومما يدل على هذا: الصلاة عند المسايفة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، يعني: صلوا وأنتم مترجلون أو راكبون، لا تتركوا الصلاة. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يعني: صلوها صلاة بتمامها وكمالها، أما وأنتم في خوف، في حر، فصلوا على أي حال. وهكذا المريض. وهكذا المريض، وما أكثر الأسئلة التي ترد من المرضى بخصوص الصلاة. ذاك يقول: «عندي عملية، ووجهني الطبيب إلى غير القبلة، وما أستطيع أن أتحرك، كيف الآن نفعل بالصلاة؟» يقال له: صل، تسقط عنك هذه، يسقط عنك هذا الواجب، صل على أي اتجاه. طيب، فهذا أيضاً يدخل في معنى الآية، فيقال له: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أنت الآن معذور. وهكذا في حال الخوف، في حال المرض، في حال المسايفة، هذا كله يجوز أن يصلي، أن يصلي المسلم على أي حال، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. هذا هو معنى الآية، وهذا هو حكم من أحكام صلاة التطوع في السفر، وهذا من تيسير الله عز وجل. طيب، قد يقول قائل: «كيف أنا الآن في سفر، والمسافر والمسافر تسقط عنه النوافل؟» فيقال له: نعم، لكن ليست كل النوافل تسقط عن المسافر، إنما كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يصلي السنن، السنن الرواتب، أما صلاة الوتر فكان يصليها في السفر، كذلك صلاة الضحى أو النفل المطلق، فهذا يجوز للمسافر أن يصليه، أن يصلي ولو على راحلته، ولو على راحلته. ودليل صلاة المسافر صلاة الضحى: ما جاء في فتح مكة، أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى ثمان ركعات، صلى ثمان ركعات، فقال العلماء: هذه صلاة الضحى، فيجوز للمسافر أن يصلي صلاة الضحى. إنما نعم، لا يصلي السنن الرواتب: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. هذا الذي كان ما يصليها، إلا كذلك الركعتان التي قبل الفجر كان يصليها عليه الصلاة والسلام، مع صلاة الوتر صلاها سفراً وحضراً. فإذا يحمل هذا في قوله: «يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة»، يعني: في سفره على راحلته، يعني: صلاة النافلة، سواء كانت مثلاً صلاة وتر، أو قبل صلاة الفجر، أو صلاة ضحى، أو نفل مطلق، يحمل على هذا، والله تعالى أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عمر بن عوف، قال: حدثنا هشيم، عن حميد، عن أنس، قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث. فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وآية الحجاب: قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فنزلت هذه الآية. والحديث كما سمعت في البخاري، وجاءت رواية في مسلم ذكرها الشيخ هنا عن عمر أيضاً، أنه قال: «وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر». فذكر في حديث مسلم أسارى بدر بدلاً من آية: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾. والجمع بين الأحاديث: أن هذه الموافقات كلها وقعت لعمر، وأما قوله: «وافقت ربي في ثلاث»، هذا قبل، يحمل على أن قوله هذا قبل أن يوافق ربه في الرابعة، قبل أن يوافق ربه في الرابعة، وعلى حسب علمه الذي علمه قبل أن تتم الموافقة في الرابعة، يحمل على هذا. ومعنى هذا الحديث: أن عمر قد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رضي الله عنه محدث، يعني: بمعنى أن عنده فراسة، وعنده كذلك موافقة في آيات نزلت في القرآن، ومنها هذا الذي جاء في هذا الحديث: «وافقت ربي في ثلاث»، يعني: يتمنى أن يقع هذا الحكم، فيأتي القرآن موافقاً لما أراده أو لما قاله رضي الله عنه وأرضاه. قال: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. ومقام إبراهيم: ذلك الشاخص المرتفع الذي كان إبراهيم يبني عليه الكعبة، يعني: يقف عليه لما ارتفع عليه البناء، ويستمر في بناء الكعبة. فتمنى عمر لو أن المسلمين يصلون خلف هذا المقام، فنزلت الآية توافق ما أراد عمر رضي الله تعالى عنه. فكان من السنة بكل طائف يطوف بالبيت أن يصلي خلف مقام إبراهيم ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بسورة الإخلاص، تصديقاً وموافقة لما قاله عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، يعني: تصلي خلفه، وما يشترط أن تصلي خلفه مباشرة، ولو كان بعيداً، لكن يكون خلفه، لا أمامه، لا سيما في هذه الأزمان التي كثرت فيها، أو كثر فيها الازدحام، فإن الناس من جهلهم يتقاتلون بالقرب من هذا المقام حتى يصلوا خلفه، وهذا من التكلف. في الطواف يصلي حيث ما تيسر له من مكان خلف هذا المقام، ولو كان في المسجد، ليس في المطاف، فيجوز ذلك. هذه الموافقة الأولى. وقال: وآية الحجاب، كان نساء الصحابة لم يأمرهن الله سبحانه وتعالى بالحجاب، وكنا لا يحتجبن. فدخلت الغيرة عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، أن يحتجبن ويستترن، ما هي العلة؟ قال: «فإنه يكلمهن البر والفاجر»، والفاجر تكون نيته سيئة، فينظر ويؤذي ونحو ذلك. فأخذت عمر الغيرة، فتمنى لو أن النساء يحتجبن، فنزلت آية الحجاب موافقة لما أراده عمر رضي الله تعالى عنه. وآية الحجاب هو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. فكان واجباً على النساء الحجاب. هذا الموضع الثاني. وقال: واجتمع نساء النبي في الغيرة عليه، يعني: كل واحدة تغار على الأخرى، وتريد أن تستأثر بالنبي عليه الصلاة والسلام، وذلك لا شك أنه يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام. فلما علم عمر بذلك، قال لنساء النبي: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، يعني: لعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يصبر على هذه الغيرة منكم يطلقكن، ويبدله بأزواج خيراً منكم. أتى بهذا اللفظ الموافق لنزول الآية، لنزول الآية. وكما تقدم: عمر محدث هذه الأمة، بالفتح، والمحدث هو الملهم. قال عليه الصلاة والسلام: «لكل أمة محدث، وإن يكن في أمتي محدث فهو عمر» رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يعني: ملهم. فنزلت هذه الآية باللفظ الذي ذكره عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسيأتي معنا في سورة التحريم هذا: ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾ أن كذلك سبب نزول هذه الآية، هذا الذي ذكره عمر، وكذلك آية الحجاب، وكذلك آية الأسرى كما في رواية مسلم. ورواية أو موافقة عمر في أسارى بدر: لما استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في الأسرى، ماذا يفعل بهم؟ فكان رأي عمر أن يقتلوا: «أرى أن تسلم فلان لفلان فيقطع عنقه»، وهكذا ذكر عمر من المشركين، ومن من يريد أن يقطع رقابهم من المسلمين. ولكن كان رأي أبي بكر الفداء، أن يفدوا بالمال. فأنزل الله عز وجل تلك الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فنزلت الآية موافقة لرأي عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والشاهد من هذا الحديث هو سبب نزول قوله الله عز وجل: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، ونكمل ما بقي في الأصل، الظالم إلى هنا. الله ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.