شرح كتاب عقيدة الرازيين 16

شرح كتاب عقيدة الرازيين 16

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقيدة البعث بعد الموت ومصير أهل الكبائر

يؤكد الدرس أن البعث بعد الموت حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأديان، مستعرضاً أدلة القرآن على قدرة الله على الإعادة. ثم يبين أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله وتغفر لهم بالتوبة والحدود والشفاعة وفضل الله.

موقف أهل السنة من أهل الكبائر والرد على غلاة التكفير

يشرح أهل السنة أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله يُغفر له بالشفاعة أو تفضلاً أو يُعذب، مستدلين بالآية والأحاديث. ويرد على المرجئة والخوارج والسرورية القُطبية بتكفيرهم أهل القبلة واتهام السلف بالإرجاء.

تحذير من منهج التكفيريين والغلو في تكفير المسلمين

يحذر الدرس من خطورة思想 التكفيريين الذين يستحلون دماء المسلمين ويكفرونهم بالذنوب، مخالفين إجماع أهل السنة. ويستعرض أمثلة من تاريخ الخوارج والجماعات المتطرفة المعاصرة.

خاتمة الدرس وتأكيد الاكتفاء

يختتم المتحدث الحديث مؤكداً الاكتفاء بما ذُكر ومستعيناً بالله تعالى في العلم والحكم. ويختتم بالدعاء بالتوفيق والقبول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة محمد، أو قال العلامة أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في حكاية عقيدة أبيه وعقيدة أبي زرعة: «والبعث من بعد الموت حق». انتهينا من الكلام على قوله: «والكرام الكاتبون حق»، ثم قال: «والبعث بعد الموت حق». أي أن من عقائد السلف، وهي عقيدة أهل الإسلام، ومن لم يعتقد هذا الأمر فهو ليس بمسلم. فالبعث بعد الموت قد جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، وهذا يذكره العلماء في العقائد من باب أنه مما يؤمن به في اليوم الآخر. وإلا لا شك أن هذا لا يشك فيه مسلم، بل حتى اليهود والنصارى يؤمنون به، البعث بعد الموت. وقد وردت فيه آيات كثيرة، ولأن كفار قريش كانوا ينكرون البعث بعد الموت، دلل ربنا جل وعلا بأدلة كثيرة على هذا البعث، وذكر أيضًا سورًا كثيرة، خاصة سور جزء عم، ما من سورة إلا وأشار ربنا جل وعلا فيها إلى البعث. فاستدل ربنا جل وعلا بخلق السماوات والأرض، وأنها أكبر من خلق الناس. فإذا كانت هذه السماوات العظيمة والأرضون العظيمة خلقها الله عز وجل، فلا شك أنه قادر على أن يعيد الإنسان وقد مات، ويحييه بعد أن أماته. وكذلك استدل ربنا جل وعلا بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قالوا: «كذلك تخرجون». واستدل أيضًا ربنا جل وعلا بأدلة، أو بأنه قد أنشأ هذا الإنسان من عدم، وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه، قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]، ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 79]، وغيرها من الآيات العظيمة التي استدل بها ربنا جل وعلا على البعث. وقد أمر ربنا جل وعلا نبيه في ثلاثة مواضع في القرآن أن يحلف على البعث: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53]، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7]، وغيرها من هذه الآيات التي تدل على هذا البعث. والمراد بالبعث أن يبعث الله عز وجل الناس من قبورهم، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]. فهناك نفختان، وقيل أنها ثلاثة: نفخة الصعق، ونفخة الفزع، وقيل أنها واحدة، ونفخة البعث هي ثلاث نفخات. الله عز وجل قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87]. فهل هي نفسها فزعة في الصعق، أو أنها صعقة أخرى ونفخة أخرى؟ والظاهر أنها نفسها، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، أي ماتوا كلهم إلا من شاء الله، إلا من استثناه الله عز وجل من الموت في هذه الصعق، واختلفوا من هو المستثنى. ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. فلهذا فالبعث ثابت بالكتاب والسنة، وهو من عقيدة المسلمين، لم يختلف فيها أهل الإسلام، بل كما قلنا لم يختلف فيها أهل كل من جاءه دين، اليهود والنصارى وغيرهم، لا يختلفون في البعث بعد الموت، وأنهم يؤمنون بالرجوع إلى الله، لكنهم أنكروا أشياء من التوحيد وأشركوا بالله. وأما كفار قريش فكانوا ينكرون البعث، فدلل الله عز وجل بأدلة كثيرة. قالوا: أهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، معنى المؤمن إذا وقع في معاصي كبار فإنه تحت المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. والتفصيل في هذه المسألة: أن من أتى بكبائر من كبائر الذنوب، أو من أتى بذنوب ولم يأتِ كبيرة، أنا عنده ذنوب صغيرة لم يأتِ كبيرة، فهذه يغفرها الله عز وجل له، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. إذا كان الإنسان لم يأتِ كبيرة في هذا المعنى في حياته، أو أنه لم يصر على الصغائر، فإنه يغفر الله عز وجل له هذه الذنوب الصغائر التي جاءت، التي جاء بها. وأما إن كان جاء بكبائر من كبائر الذنوب، فإن تاب منها، تاب إلى الله عز وجل، تاب الله عز وجل عليه، وهو الذي يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، فيعفو الله عز وجل عنه مادام أنه تاب ورجع. وكذلك أيضًا إذا جاء بكبيرة عليها حد، كبيرة عليها حد، وأقيم عليه الحد في الدنيا، فهو كفارة له، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين، يكون هذا الحد كفارة لهذه الكبيرة. معناه مثل الزنا، مثل السرقة، مثل القتل، هذه ذنوب فيها حدود، فإذا أقيم عليه الحد، مثلاً أقيم عليه حد السرقة قطعت يده، تعتبر هذا الحد كفارة له، كفارة له كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فإن كان أتى بكبائر ولم يتب، ولم يقم عليه حد، ولقي الله عز وجل وهو على هذه الكبائر، فهو تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء غفر الله له وأدخله الجنة. وهذا قد يكون إما بمغفرة الله عز وجل له، أو بشفاعة الشافعين، فيشفع له أحد أهله، يشفع له النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». يدخل في شفاعة الله عز وجل في القبضة التي يأخذها رب العزة سبحانه من النار، فيخرج أناس قد تحشوا، لم يعملوا خير قط. ومعنى «لم يعملوا خير قط»: أي ما يعرفون بالخير، وليس كما فهمها بعضهم على أنه لم يعمل خير قط، أي ليس له أعمال خير أبدًا، فهذا لا يفهم من هذه العبارة، لأنه ما من أحد إلا وله أعمال خير، لكن المراد من هذه العبارة: لم يعمل خيرًا قط، أي ما عرف بالخير. ولهذا جاء في حديث ذاك الرجل الذي جمع أولاده لما حضرته وفاته، جمع أولاده وقال لهم: «أي أب لكم؟» أي أب كنتم لكم؟ فقالوا: كنت خير أب. فكيف سيكون خير أب وهو ليس عنده أعمال صالحة وعنده خير وأولاده يقولون أنه خير أب؟ معنى أنه كان راعيًا لهم، كان راعيًا يحيطهم وينصحهم. فقالوا: كنت خير أب. قال: «فإذا مت فأحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في البحر في اليمن، ونصفي في الهواء، فإن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا». فهذا الحديث جاء فيه في بعض رواياته: «لم يعمل خيرًا قط»، يعني كان مشهورًا بالمعاصي، مشهورًا بالشر، فهذا معنى «لم يعمل خيرًا قط». فلهذا جاء في الحديث: «فيخرج الله عز وجل أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط»، فيأخذ قبضة من النار، فيخرج أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط، أي ما عرفوا بالخير. أيضًا في الصحيحين، في رواية حذيفة، وفي رواية أبي مسعود، أن رجلًا كان ممن كان قبلنا، كان يداين الناس، يعطيهم دَيْنًا، هذا فعل خير، معنى عنده دكان، فكان يداين الناس، يعطيهم بضائع بدين، وكان يقول لفتيانه: «إذا جاءكم المعسر فانظروه أو تجاوزوا عنه». جاء في رواية: «فتجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عني». إذا جاءكم المعسر ما عنده شيء، خلاص تجاوزوا عنه، اعفوا، امحوا هذا الدين، لعل الله يتجاوز عني. قال: «فلما مات جاءت ملائكة الرحمة وأخذوا روحه». وجاء في رواية أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلما مات غفر الله عز وجل له وتجاوز عنه». وفي رواية حديث... وكذلك نحوها عن أبي مسعود، أنها صعدت روحه وأخذها ملائكة الرحمة، وكلما مروا إلى سماء، فيقولون: «لمن هذه الروح الطيبة؟» فيقولون: «لفلان بن فلان». فهذا مع أنه لم يعمل خير قط، دل ذلك، أو هذا الحديث على أن قوله «لم يعمل خير قط» أي لم يكن معروفًا بالخير، لم يكن معروفًا بالخير، أنا كان معروفًا بالشر أو بالدنيا، معنى ما يعرف أنه من أهل العبادة والطاعة، أنا منهمك في دنيته وفي دنياه. فلهذا فهم تحت المشيئة. فقلنا: أن الله عز وجل يجعل هؤلاء أهل الكبائر الذين لم يتوب، ولم يكن لهم حدود كفارات، فهؤلاء يدخلون تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم. فهذه المغفرة هي أنواع: إما أنها بالشفاعة، يجعل من يشفع فيه، سواء كان النبي عليه الصلاة والسلام، أو أحد أهله من الصديقين والشهداء، أو يشفع الله عز وجل فيه. فالله عز وجل يقول: «قد شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، فما بقت إلا شفاعة أرحم الراحمين». سبحانه جل وعلا قال: «فيقول: فيأخذ قبضة من النار، فيخرج أناسًا لم يعملوا خيرًا قط». وإن شاء عذبه، وإن شاء عذبه، لم يشفع له، لم يجعل أحدًا يشفع له، بل عذبه بسبب ذنوبه. ولهذا ربنا جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. أي أن هناك من يشاء الله عز وجل يغفر له، وهناك من لا يشاء الله عز وجل أن يغفر له بل يعذبه. وربنا جل وعلا له الحكمة البالغة، سبحانه وتعالى، وهو أعلم بعباده، سبحانه وتعالى، وهو اللطيف الخبير. فهذا التفصيل في مسألة أهل الكبائر ناحية المغفرة لهم. وقد تقدم التفصيل في أهل الكبائر من باب الإيمان، من باب الإيمان. فإن أهل السنة يقولون في الفاسق الملي، أي من أهل الكبائر من أهل الملة، يقولون: أنه لا يعطى الإيمان الكامل، وهو الإيمان المطلق، ولا يسلب مطلق الإيمان، ولا يسلب مطلق الإيمان. مطلق الإيمان أي أصله، لا يقال: هذا ليس بمؤمن، يسلب الإيمان، ولا يقال: هذا مؤمن كامل الإيمان، كما قالت المرجئة، ولا يقال: أنه لا إيمان له، كما قالت الخوارج المعتزلة. بل أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. فهذه الكبيرة تنقص من الإيمان، وتخرجه من الإيمان الكامل، ولكن يبقى في مطلق الإيمان وهو أصله. وهنا مسألة أهل الكبائر في الوعيد. فقلنا: أنهم إن جاء الإنسان إلى الله عز وجل، أو لم يأتِ بكبائر، فالله عز وجل يغفر له الصغار. وإن جاء بكبائر تاب منها، تاب الله عز وجل عليه. وإن جاء بكبائر قد حد بها في الدنيا، فهي كفارة له يوم القيامة. وإن جاء بكبائر لم يتب منها، ولم يحد في الدنيا لأجلها، فإنه يدخل تحت المشيئة. فهذا التفصيل في هذه المسألة. قال: «ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله». أنا هذا في العبارة الأولى رد على المرجئة، وهنا رد على الخوارج. في العبارة الأولى بينا أنهم تحت المشيئة، تحت المشيئة، فمعنى ذلك أنه رد على المرجئة. وهنا رد على الخوارج: «ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله». وقول أهل السنة هنا: «بذنوبهم»، لأن بعض السرورية المعاصرين يشغب على هذا، ويقول: هذه عقيدة المرجئة. مع أنه سبحان الله، هؤلاء أئمة، أئمة السنة، قالوا هذا. ذكر ذلك الإمام أحمد في أصول السنة، وذكر ذلك أيضًا الحميدي، وأيضًا أبو جعفر الطحاوي ذكره في العقيدة الطحاوية، وهنا ذكر أبو حاتم وأبو زرعة في عقائدهم هذا المعنى، وأيضًا ذكره الإسماعيلي، وذكره كذلك غيرهم من أئمة الإسلام. فمعنى كلام هؤلاء السرورية: أن هؤلاء أئمة الإسلام مرجئة. لماذا هم يتهمون أئمة الإسلام بالإرجاء؟ لأنهم خوارج، اختاروا مذهب الخوارج. أولاً: السرورية القطبية، أتباع سيد قطب، وأتباع محمد قطب، صاحب كتاب «جاهلية القرن العشرين». هؤلاء يتهمون السلف بالإرجاء. بل أن حدهم كان عندنا هنا في هذه البلاد، من هؤلاء التكفيريين من السرورية، من أصحاب الإحسان، كان يقول: «أن عمر قد وقع في الإرجاء». انظروا إلى هذا، انظروا إلى هؤلاء الذين تمسكوا بعقيدة الخوارج، فاتهموا السلف بالإرجاء، واتهموا أئمة الإسلام بالإرجاء. سفر الحوالي في كتابه «الإرجاء» يقول: «من قال بأن تارك الصلاة لا يكفر فهو مرجئ، شعر أو لم يشعر». من الذي قال أن تارك الصلاة لا يكفر؟ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. فمالك عنده يعتبر مرجئ، والشافعي عنده مرجئ. وجاء في موضع آخر قال: «من لم يكفر تارك الصلاة فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء». فهؤلاء ما عرفوا قدر أنفسهم. هؤلاء أئمة الإسلام يقولون هذا الكلام، وهؤلاء يقولون: «دخلت علي شبهة الإرجاء». فلهذا هؤلاء كما ذكرنا، وينبغي للإخوة ولطلبة العلم أن يحذروا من هذا المسلك، مسلك السرورية القطبية. أن بعض طلبة العلم لا يميز، لا يميز مذهب هؤلاء، ويظن أنهم على السنة، ويسمع خطبهم، ويقرأ كتبهم، وأيضًا كذلك يروج لهم. وعن بعض طلبة العلم حتى يروج لهؤلاء، وهم مذهبهم خطير جدًا، مذهب التكفير. كم من إنسان كان معهم، تعلم قليلاً، ثم صار من أهل التكفير، وقتل المسلمين، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وكلما رأوا شرطيًا قتلوه. وهكذا قالوا: «أن الناس الآن في جاهلية». بل يقول بعضهم: «أن الأصل في الناس الردة». الأصل الآن يقول في القرن العشرين هذا وهذا، أخذوهم من كتب سيد قطب، وكتب محمد قطب. قال: «الأصل في الناس الردة، أن الأصل للناس كفار، إلا من كان معهم، ومن كان على سبيلهم». فهذا مذهب خطير، ينبغي على الإخوة أنهم يحذروا من هؤلاء، لأن كثيرًا من الإخوة ينشر للطريفي، أو ينشر للعودة، أو لهؤلاء السرورية. فهؤلاء مذهبهم خطير. الطريفي حتى يجيز، هو وسلمان علوان، يجيزون حتى قتل المسلمين بالحزام الناس. وهذا مذهب خطير كما قلنا، وهم الذين ربوا هؤلاء أهل القاعدة، ومن كان مع داعش أو غيرهم، تربوا على أشرطة هؤلاء. فليحذر المسلم طالب العلم من هذا المسلك الخطير. لهذا هذه العبارة كما قلنا قد ذكرها أكثر السلف، وأكثر من ألف في العقائد. لكن هؤلاء ما عجبتهم هذه العبارة، قالوا: هذا فيها إرجاء. لماذا؟ قالوا: لأنه يقول: «حتى بالذنوب». قالوا: «الشرك ذنب». انظروا إلى خبث هؤلاء، يقولون: «أن الشرك ذنب أيضًا». فقولهم: «لا نكفر أهل القبلة بذنوبهم»، معنى أنهم حتى بشرك. وهذا تعويل باطل، ورد لكلام السلف بفهم خاطيء. فالسلف ما قصدوا الشرك، ولا الكفر، ولا أيضًا النفاق، لأنهم يقولون: «ولا نكفر أهل القبلة». والمراد بأهل القبلة: هم الذين يصلون. أن هذه العبارة يراد بها أهل الإسلام من أصلهم، من المسلمين، وعنده ذنوب. أما المشرك أصلًا ليس من أهل الإسلام حتى يقال: «لا نكفر». فلهذا فهؤلاء يخطئون في كلام السلف، فقالوا: «هؤلاء مرجئة، يقولون: لا نكفر أهل القبلة بذنوبهم». وقالوا في عقيدة الطحاوي: «معنى عبارته صحيحة، لكن لما عرفوا أن الطحاوي يميل إلى شيء من الإرجاء، قالوا: هذه العبارة عبارة للإرجاء». الطحاوي يقول: «ولا نكفر أهل القبلة بذنب». فيقول الإمام ابن عبد البر رحمة الله عليه، أبو عمر ابن عبد البر يوسف النمري، إمام من أئمة أهل المغرب، وهو من أهل السنة، يقول: «أجمع أهل السنة على أن المرء المسلم لا يكفر بذنب، مهما عظم ذلك الذنب». أنا يقول: «أجمع أهل السنة أنه لا يكفر المسلم بذنب، مهما عظم ذلك الذنب». ولا شك أن مراده لما يقول: «أهل الإسلام» أو «المسلم»، فهو يخرج ما كان كفرًا وشركًا ونفاقًا، عن الذنوب التي ليست بشرك، وليست بكفر، وليست بنفاق. فهذه الذنوب التي يقصدونها أنها لا تخرج المرء، مهما عظمت، مهما عظم هذا الذنب، ولو كان ذنبًا عظيمًا، قتل، أو زنا، أو زنا بالمحارم، أو غير هذا، فهو ذنب، ما دام أنه لا يكفر. فإن تاب، تاب الله عز وجل عليه، وإن أقيم عليه الحد، كانت كفارة له، وإن ورد إلى الله جل وعلا، فهو تحت المشيئة. فقال: «ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل». كما قال عمر رضي الله عنه: «إن الوحي قد انقطع، فنكل الناس إلى سرائرهم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه، ومن أظهر لنا شرًا بعدنا». فنكل الناس إلى سرائرهم، إلى معنى لا نتدخل في سرائر الناس، يعني في بواطنهم، ما يكون في قلوبهم. ولهذا لما قتل أسامة رجلًا بعدما قال: «لا إله إلا الله»، قال: «يا أسامة، قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال: «إنما قالها تعوذًا». يا رسول الله، قال: «وهل شققت عن قلبه حتى تعلم أنه قالها تعوذًا؟» السرائر هذه إلى الله، مادام أن ظاهره قال: «لا إله إلا الله» ظاهرًا. لهذا أيضًا جاء عند أحمد: أن الرجل، أن الرجل كان في غزوة، فكان الرجل من المشركين قد قتل في المسلمين، قصده هذا الرجل حتى سقط منه السيف، أخذ، أي من الكافر، أخذ سيفه، وأراد أن يضربه، فقال: «آمنت بالله»، فضربه وقتله. فتعظم الناس ذلك، لأن الصحابة يعرفون أن هذا ذنب عظيم، كيف يقول: «آمنت بالله»، أو يقول: «لا إله إلا الله»، ثم يقتله؟ فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: «أين هذا الرجل؟» فجاء إلى النبي صلى الله عليه، وقال: «قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله». فقال: «إنما قالها تعوذًا يا رسول الله». قال: «وما يدريك؟ أشققت عن قلبه حتى تقول أنه قالها تعوذًا؟» كيف، كما قال له، وقال لأسامة: «فكيف إذا جاءت لا إله إلا الله يوم القيامة، ماذا تصنع؟ ماذا تصنع إذا جاءت لا إله إلا الله يوم القيامة؟» والآن تجد يقتل الشرطي، أو يقتل كذا بدم بارد، معنى لا يتورع. سبحان الله، الخوارج يتورعون في أشياء، لكن الدماء لا يتورعون فيها، لا يتورعون في دماء المسلمين. قتلوا عبد الله بن خباب، وهو صحابي، وأرادوا أيضًا أن يقتلوا بعض الصحابة، بل بقروا بطن زوجته وهي حامل. معنى قتلوهما، وهم من قتلوا عبد الله بن خباب وزوجته، وعبد الله بن خباب صحابي، لم يتورعوا في دمه. حتى أن الراوي الذي كان معهم وروى هذه القصة قال: «فجاءوا إلى بستان، فوجدوا تمرًا ساقطًا أو عنبًا، فقالوا: والله لا نأخذ هذا العنب حتى نستأذن صاحبه». انظروا، تورعوا في عنب ساقط، وتمر ساقط، لكن لم يتورعوا في دم صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أيضًا قتلوا صحابيًا آخر، الظاهر أنه جرير بن عبد الله، أو غيره، فقالوا له: «أنت عدو الله». قال: «صاحب رسول الله». قالوا: «لا، بل أنت عدو الله». فقال لهم: «ألا ترضوا مني ما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» أرضوا النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء عندهم، رضي لكلمة قلتها، رضي عني، ألا ترضوا بما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: «بماذا رضي؟» قال: «قلت: لا إله إلا الله، فرضي النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي، ألا ترضون أنتم؟» فلم يبالوا، وقتلوا. انظروا إلى جرأتهم، هؤلاء، فلا يتورعون في دماء المسلمين، وإلى الآن هذا مذهبهم، لا يتورعون في دماء المسلمين. قد يفجرون مكانًا فيه أهل الإسلام، لماذا؟ لأن فيه يهوديًا، أو فيه اثنين يهوديين، أو فيه مثلاً شيء من المعاصي، فلا يبالوا بقتل المسلمين. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.