الدرس في كتاب الصلاة 107، ألقاها
الدرس يبدأ بشرح أهمية صلاة الكسوف وأحكامها كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها، مشيراً إلى أداء الصلاة في جماعة وطول القيام والركوع فيها.
يتم شرح هيئة صلاة الكسوف وتفاصيل أدائها كما ورد في حديث عائشة، حيث تتضمن الركعة الأولى ركوعين وتتميز بطول القيام والركوع.
الأحاديث النبوية تبين أن كسوف الشمس وخسوف القمر ليسا بسبب موت أو حياة أحد، بل هما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، ويحث على الدعاء والتكبير والصلاة والصدقة.
التوبة والذكر والإنابة من أعظم ما يرفع الله به البلاء، ويمكن التعبير عن ذلك بالطاعة والرجوع إلى الله، مشيراً إلى أهمية الطاعة والتوبة في رفع البلاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال إمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الصلاة منه تحت باب صلاة الكسوف: وقد تقدم معنا في الدرس الماضي التعليق على بعض فقرات حديث عائشة وحديث أبي مسعود رضي الله عنهما. واليوم نقرأ بقية الأحاديث في الباب ونذكر ما يتيسر من المسائل المتعلقة بالباب بإذن الله عز وجل. ورحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس، فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا". ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله من أن يزني عبده أو أن تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا". حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها الذي بين أيدينا فيه عدة مسائل وفوائد نذكر منها ما تيسر بإذن الله عز وجل. أولا، قولها رضي الله عنها: "خسفت الشمس"، فيه دلالة على أن الخسوف يطلق على الشمس، وكما تقدم معنا في الدرس الماضي أن هذا يطلق كذلك على القمر. وهذا الذي عليه كثير من أهل اللغة. قولها رضي الله عنها وأرضاها: "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس"، في إشارة إلى أن صلاة الكسوف تكون في جماعة. وهذا مأخوذ من مجموع حديثها الأول وحديثها الثاني. ففي حديثها الأول: فيه أنه بعث مناديا ينادي "الصلاة جامعة" فاجتمعوا، وفي هذا الحديث قالت: "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس"، في إشارة إلى أن صلاة الكسوف تكون جماعة. قالت رضي الله عنها وأرضاها: "فأطال القيام"، وجاء في بعض الرواية أنه قرأ بالبقرة أو نحو من البقرة من سورة البقرة. وهذا يدل على طول القيام. وأنه صلى صلاة طويلة جدا حتى أن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كما جاء في حديث أسماء: أنها جاءت إلى عائشة وهم يصلون، فأشارت عائشة بأصبعها إلى السماء، فنظرت، فقالت أسماء: "فصلت ما شاء الله أن يصلي"، فأطال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جدا، قالت أسماء: "حتى أغشي علي"، حتى أغشي على أسماء. هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أطال وأطال وأطال الصلاة جدا. قولها رضي الله عنها وأرضاها: "ثم ركع فأطال الركوع"، فيه أن الركوع كان طويلا بنحو قيامه. ثم قام فأطال القيام، أي عاد مرة أخرى فاستفتح الصلاة في الركوع الثاني كذلك بالفاتحة، ثم قرأ قراءة طويلة إلا أنها دون الأولى. ففيه إشارة إلى هيئة الركعة الأولى وأنها من ركوعين. قولها رضي الله عنها: "ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى"، فيه أنهم صلى في الركعة الثانية بنفس صفة الركعة الأولى من الطول في القيام والركوع والسجود. قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته"، فيه توكيد لهذا المعنى الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. وأكدها ب "إن" ليبين ويؤكد هذا المعنى. قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا"، فيه الحث على الدعاء والتكبير والصلاة والصدقة عند كسوف الشمس أو خسوف القمر. قال عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خسفت الشمس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد، فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاة قط. ثم قال: "إن هذه الآيات التي يرسلها الله تعالى لا "تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئا فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وعبد الله بن قيس الأشعري اليماني رضي الله عنهما فيه أنه قال: "خسفت الشمس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم". وهذا أيضا يؤكد ما تقدم معنى مرارا من أن الشمس خسفت مرة واحدة في زمنه صلى الله عليه وسلم. قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم منها شيئا فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره"، فيه إشارة إلى أن من أعظم ما يرفع الله جل وعلا به البلاء هو التوبة والذكر والإنابة وإن شئت قلت بتعبير عن الطاعة: "أعظم ما يرفع الله جل وعلا به البلاء هو التوبة والطاعة والرجوع إلى الله جل وعلا". هذا مجمل ما يقال في هذه الأحاديث، والوقت ثمين، فنكفي بهذا. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.