الدرس في شرح القواعد المثلى 22، ألقاها
يشرح المقطع الأول مذهب السلف في التعامل مع نصوص الصفات، حيث أثبتوا المعاني الظاهرة مع تفويض الكيفية إلى الله. يُظهر أيضًا انتقادهم لمذهب التفويض الذي يدعي جهل معاني هذه النصوص.
يناقش المقطع الثاني مفهوم التفويض في تفسير الصفات الإلهية، ويستدل بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في انتقاد التفويض، حيث يتعارض مع تدبر القرآن وفهمه ويؤدي إلى الطعن في الأنبياء والله والصحابة.
يشرح المقطع الثالث الفرق بين قولين متعلقين بفهم النصوص الدينية، وينتقد القول الذي يؤدي إلى التفويض وعدم فهم معاني الآيات، ويبين أنه يؤدي إلى الطعن في القرآن والأنبياء ويفتح الباب للإلحاد والبدع.
يتضمن المقطع الرابع الدعاء لله تعالى بحمده والاستغفار والتوبة إليه، ويعبر عن التوبة الصادقة والاعتراف بذنوب العبد وطلب العفو من الله.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلامًا على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، طيب، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على القاعدة الثالثة من القواعد العامة في الأسماء والصفات، وذكر الشيخ رحمه الله تعالى فيها أن الظواهر نصوص صفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر. وقد تقدم أن مراد الشيخ رحمه الله تعالى في قوله: معلومة لنا باعتبار، معناها الظاهر المتبادر إلى الأذهان، ومجهولة لنا باعتبار كيفية والحقيقة والهيئة، وتقدم بيان ذلك في الدرس الماضي. وبيّن الشيخ رحمه الله تعالى دلالة ذلك من السمع والعقل. قال رحمه الله تعالى: وأما دلالتها على جهلنا، طيب، قال: هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات. قال: وأما دلالتها على جهلنا لها باعتبار كيفية، فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات. قالوا بهذا: علم بطلان مذهب المفوض الذين يفوضون علم نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب. وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا، وتفصيلًا أحيانًا، وتفويض الكيفية إلى علم الله عز وجل. كما ذكرنا أمس: أن السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى بيّنوا هذه المسألة بيانًا واضحًا جليًا، وأنهم كذلك بريئون من مذهب المفوضة الذين يقولون: إن الله عز وجل أنزل هذا الكتاب ولا يعلم معناه، وحكمه كحكم الكلام الأعجمي عند الإنسان الذي لا يعلم ذلك الكلام. فكأن القرآن الكريم لم يدل على الهداية، ولا على البيان، ولا على شيء من ذلك. لذا كان قول من قال منهم: أننا نؤمن بنصوص الصفات ولا نعلم معناها ولا كيفيتها. فإن قال لهم قائل: الرحمن على العرش استوى، مثلًا، تؤمنون به؟ قالوا: نعم، نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى. إذا قيل لهم: ما معنى الرحمن على العرش استوى؟ قالوا: هذا السؤال لا يجوز؛ هذا السؤال لا يجوز؛ لأن معاني الصفات مجهولة، الظاهرة والباطنة، المعاني الظاهرة المتبادرة إلى الأذهان التي هي معروفة في لغة العرب، وكذلك المعاني الباطنة. فهم غلوا في التفريط، فوقع منهم ما وقع. فوقع منهم ما وقع في هذه المسألة، وهذا القول كما سمعتم، وذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن السلف بريئون منه، وسأتي لهذا مزيد بيان. وأيضًا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى طريقتهم في هذا: منهم من يثبتون إثباتًا مجملًا، أي الصفات، كما مر معنا. كأن يأتي قائل يقول له: ما تقولون يا إمام في قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وقول الله عز وجل: كذا وكذا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، أي من أدلة الصفات: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، فيقول: أمروها كما جاءت. فيقول: أمروها كما جاءت. ما معنى أمروها كما جاءت؟ أي: لا تتعرض لها بالتأويل الفاسد المخرج لها عن معناها الظاهر. فقولهم: أمروها كما جاءت، يدل على ماذا؟ يدل على أنهم أثبتوا المعاني الظاهرة منها. لذا يقولون: أمروها ماذا؟ كما جاءت. وبعضهم يجد: أمروها كما جاءت بغير تأويل. وأحيانًا يقولون: نقر بها ونؤمن، نقر بها ونؤمن. ولا يكون إقرار إلا بماذا؟ إلا بشيء عرف معناه. ولا يكون إقرار إلا بشيء ماذا؟ عرف معناه. وأحيانًا يفصلون، وأحيانًا يفصلون، كما جاء عن إمام مالك رحمه الله تعالى: الرحمن على العرش استوى، قال: الاستواء معلوم، والكيف ماذا؟ والكيف مجهول. فهذا نص من إمام مالك رحمه الله تعالى على معرفته المعنى الخاص لتلك الصفة الخاصة. وهذا حد الأمر أم لا يا جماعة؟ طيب، قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بالعقل والنقل، المطبوع على هامش منهاج السنة، وهي طبعة قديمة، والطبعة الحديثة الآن موجودة في غير هذا، أي موجودة في كتاب منفصل: منهاج السنة طبعة منفصلة الآن. قال رحمه الله تعالى: وأما التفويض، فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه. فكيف يجوز مع ذلك أن يراد الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ وضح كلام شيخ الإسلام رحمه الله، قال: وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه. وهذا فيه ماذا؟ فيه طعن في الأنبياء؛ إذ أنهم يتكلمون بما لا يعلمون، وهذا حال من هل العاقل يتكلم بما لا يعلم؟ ليس هذا حال العقل. ففيه طعن في الأنبياء، وأيضًا فيه طعن كذلك في الله رب العالمين سبحانه وتعالى؛ إذ أنه أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب، وأمره بأن يتدبر هذا الكتاب، وأمر الناس أن يتدبروا هذا الكتاب، وأمره أن يأخذ الناس دينهم عن هذا الكتاب، ثم أن هذا الكتاب لا يعلم معناه. فأحالهم على شيء ماذا؟ لا يعقل ولا يعلم معناه. وهذا كما ترون فيه ماذا؟ فيه ما فيه، وأيضًا فيه كذلك أن كلام الله عز وجل كذلك لا معنى له. وإذا قيل: إن كلام الله عز وجل كذلك لا معنى له، كذلك يقال فيه ما قلنا سابقًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الإنسان يتكلم بكلام لا يعلم معناه، ما حكمه؟ ما حكمه؟ هذا إنسان. هيا جماعة، يلزم منه أن يكون ماذا؟ ليس بالعاقل. فكيف إذا كان كلام من الله رب العالمين سبحانه وتعالى؟ عن هذا القول، القول علوًا عظيمًا. واضح هذا الأمر، ففيه طعن بالله رب العالمين، وأيضًا فيه طعن في السلف الأول؛ إذ أنهم أخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدين، وهم لا يعلمون معناه. لا يعلمون معناه القرآن في أعظم معاني الإيمان، وهو الإيمان بالله عز وجل. وهذا يدل على ماذا؟ فيه تجهيل للصحابة، فمن بعدهم كذلك. قال: والله تعالى قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن، واضح يا جماعة، قدح في القرآن. لماذا؟ لما تقدم أن القرآن أن الله يتكلم بكلام لا يعلم معناه، أو لا يعلم معناه. وهذان قولان لهم. وهذان قولان لهم: منهم من قال: إن الله يتكلم بكلام لا يعلم معناه، ومنهم من قال: لا يعلم معناه. لا يعلم معناه. ما الفرق بين القولين؟ ها جماعة، عندك يا محمد، ما الفرق بين القولين؟ مذكورين: لا يعلم معناه، ولا يعلم معناه. طيب، حتى لا يذهب الوقت: لا يعلم هو نفسه سبحانه وتعالى، فإذا كان لا يعلم معنى، فغيره من باب أولى أن لا يعلم ذلك المعنى. ولا يعلم، أي: أنه هو يعلم، ولكن غيره ماذا؟ لا يعلم. واضح هذا الأمر أم لا؟ طيب، قال رحمه الله تعالى: قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعل هدى وبيان للناس، وأمر رسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله. ومع هذا فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، لا يعلم أحد المعنى، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين. وعلى هذا التقدير، فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها. وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به. فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول، ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلًا عن أن يبينوا مرادهم. فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد؛ لما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى؛ إذ أنهم جعلوا الأنبياء كأنهم قطاع للطريق بين الهداية بين هداية الناس إلى ربهم عز وجل، أو بين الناس، أو بين ربهم. كأنهم جعلوا الأنبياء كأنهم قطاعًا للطريق بين الله عز وجل وبين من وبين ربهم، بين الناس وبين ربهم عز وجل؛ إذ أن ما جاء به الأنبياء لا يستفاد منه علمًا، ولا يرى منه إيمانًا. وإنما الإيمان والحق والهدى إنما يرجع إلى ماذا؟ إلى ما وضعته لهم عقولهم. وعقولهم مختلفة مضطربة، وعقولهم مختلفة مضطربة. وكل عقل يقول ويرى ما لا يرى الآخر. فيلزم من ذلك تشتت، وكذلك يحصل ما يحصل من الفرقة والافتراق وما شابه ذلك. لذا كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: فجعلوا أعلى طريق للهداية وأصح الطريق للهداية وأسلم السبل للهداية إلى الله والإيصال إلى الله، جعلوهم أبعد الطرق الموصل إلى الله عز وجل. وكما ذكر رحمه الله تعالى في هذا ما فيه من الطعن في الله عز وجل، وفي كتابه، وفي نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لذا كان قول هؤلاء هو شر أقوال أهل البدع والإلحاد؛ لما يلزم عليه من سد باب الهداية تمامًا أمام من أرادها. قال الشيخ العثيمين رحمه الله: كلام الشيخ، أي شيخ الإسلام، قال: وهو كلام سديد من ذي رأي الرشيد، وما عليه مزيد. رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم. اللهم آمين. وإلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.