كتاب الصلاة 53

الدرس في كتاب الصلاة 53، ألقاها

مقدمة في شرح أحاديث الصلاة

يبدأ الشرح بتوضيح بعض الأحاديث المتعلقة بالصلاة، مثل حديث عبد الله بن عباس في المرور بين يدي المصلي، وحديث عائشة عن النوم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الصلاة.

أحكام المرور بين يدي المصلي وإمامة الصلاة

يتناول المقطع شرح موقف للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء حجة الوداع حيث صلى بالناس في مزدلفة، ويستفاد منه عدة أحكام فقهية تتعلق بإمامة الصلاة وسُّترة الإمام وتصرفات المأمومين.

وجوب وتفاصيل السُّترة في الصلاة

يشرح الحديث وجوب اتخاذ سترة في الصلاة لمنع عبث الشيطان وبيان أهميتها في الحفاظ على صحة الصلاة، مع ذكر اختلاف العلماء حول وجوبها أو استحبابها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال إمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: حديث الثالث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمزدلفة إلى غير جدار، قال: مررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد. حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاه في هذا الباب من الأحاديث الذي فيه جملة من الفوائد وجملة من المسائل، نذكر منها ما تيسر. أولًا: قوله رضي الله عنه وأرضاه: أقبلت راكبًا على حمار أتان، على حمار أتان، فيه دلالة على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من ركوب هذه المركوبات. وقوله رحمه الله تعالى: على حمار أتان، فيه إشارة إلى أن ذلك الحمار كان أنثى، لأن الأتان أنثى الحمار. وقوله: حمار أتان، فيه كذلك إشارة إلى أن هذا المرور كان من أنثى الحمار. وكأنه - والله أعلم - إشارة إلى أن أنثى الحمار حكمها حكم الذكر، بخلاف ما جاء في حكم الذكر والأنثى من بني آدم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب» فجعل المرأة قاطعة للصلاة، ولم يقل الرجل أو الإنسان. فدل على أن هناك فرقًا بين أحكام الأنثى في الإنسان عن أحكام الرجل في هذه المسألة بعينها، وهي المرور بين يدي الصف أو بين يدي المصلي في الصلاة. فقال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: على حمار أتان، في الإشارة إلى أن الحمار يستوي فيه الذكر والأنثى في هذا الحكم. وقوله رضي الله عنه وأرضاه: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، معناه أن هذا الفعل مني صدر وأنا شاب، وأنا بالغ، والأحكام تكتب عليه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم الصبي حتى يحتلم». ففيه إشارة إلى أن ما فعلوه إن كان إثمًا لنبه عليه. فقوله رضي الله عنه وأرضاه: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، يستفاد منه هذا الأمر، ويستفاد منه أيضًا أن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو ما يزال حدثًا شابًا. ومع هذا حمل من العلم ما حمل. والغلام إذا ناهز الاحتلام فإنه تصح روايته باتفاق، وقبل الاحتلام وقع خلاف في جواز روايته. قوله رضي الله عنه وأرضاه: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمزدلفة، قوله: يصلي بالناس، كما تقدم معنا، وفيه إشارة إلى أن الإمام الأعظم هو الذي يتولى الإمامة في الصلاة. وقوله: يصلي بالناس بمزدلفة، فيه كذلك إشارة إلى أن ذلك كان في أيام حجة الوداع. وأن ذلك الأمر كان من آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يلبث بعد حجة الوداع إلا يسيرًا. وقوله: إلى غير جدار، استدل بهذا اللفظ بعض أهل العلم على أن السُّترة ليست بواجبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سُّترة. وقد قال بعض الأئمة: معنى إلى غير جدار، أي إلى غير سُّترة. ومن قال بوجوب السُّترة، قال: إن هذا الحديث ليس فيه دلالة على هذه المقالة. قوله رحمه الله: مررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، استدل بعض أهل العلم بهذا على أن المار بين يدي الصف ولو كان على حمار، فإنه لا يفسد الصلاة. فاستدل بهذا الحديث على مسألة وهي أن سُّترة الإمام سُّترة لمن خلفه. بمعنى أن الإمام إذا استتر بشيء، فإنه سُّترة لمن خلفه. قوله: فأرسلت الأتان ترتع، أي تأكل. قوله: ودخلت في الصف، في إشارة إلى أن المأموم إذا جاء متأخرًا فإنه يدخل في الصف، ولا يصلي منفردًا. قوله: فلم ينكر ذلك علي أحد، أي ذلك الفعل من مشي بالحمار بين يدي الصف، ثم إرسالي الحمار يرعى، ثم دخولي في الصف، لم ينكر علي أحد هذا الفعل. ففيه إشارة إلى أن هذا الفعل الذي صدر منه أنه صحيح. قال رحمه الله تعالى: الحديث الرابع عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما. والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. قوله رضي الله عنها وأرضاها: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه إشارة إلى أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها كانت تنام فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القبلة. فاستدل بعض أهل العلم بهذا على أن المرأة إذا كانت معترضة أمام الرجل، فلم تمر بين يديه، أن الصلاة صحيحة. وقولها رضي الله عنها وأرضاها: فإذا سجد غمزني، استدل به بعض أهل العلم على أن مس المرأة ليس بناقض للوضوء. وقولها: فقبضت رجلي، يدل على فطنة عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وقولها: فإذا قام بسطتهما، يدل على أن هذا الفعل يتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم، ويتكرر من عائشة. فيه إشارة إلى طول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقولها: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، فيه إشارة إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التقلل من أمور الدنيا والزهد فيها. حكم اتخاذ السُّترة، فيه خلاف. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها سنة مستحبة. وذهب الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى وبعض الحنابلة إلى وجوب السُّترة. واستدل أصحاب القول الأول على استحباب السُّترة بأدلة كثيرة، منها حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فلا يضره إن مر أحد بين يديه». واستدلوا بحديث ابن عباس الذي ذكرناه. وأيضًا مما استدلوا به: أن الأصل براءة الذمة، معنى ذلك: أن الأصل عدم الوجوب إلا بدليل يدل على الوجوب. وأصحاب القول الثاني أيضًا استدلوا بأدلة، منها: ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صلى أحدكم فليصلي إلى سُّترة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين». رواه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة، وأصله في مسلم. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع الشيطان عليه صلاته»، يدل على أن من صلى إلى غير سُّترة، كان سببًا ليقطع الشيطان صلاته. ففيه دلالة على وجوب السُّترة؛ لئلا تفسد الصلاة بسبب عبث الشيطان بصلاة المصلي. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على