كتاب الصلاة 85

الدرس في كتاب الصلاة 85، ألقاها

أدلة وجوب قصر الصلاة في السفر

استعرض المقطع أدلة القائلين بوجوب قصر الصلاة في السفر، واستدلالهم بحديث عائشة وحديث يعلى بن أمية وحديث ابن عباس. كما أشار إلى رأي شيخ الإسلام بن تيمية في تفسير الآية الكريمة المتعلقة بقصر الصلاة.

تحديد مسافة السفر لقصر الصلاة

اختلف العلماء في تحديد المسافة التي يشرع فيها قصر الصلاة للمسافر، فمنهم من حددها بمرحلتين أو ثلاثة أيام أو يومين أو يوم تام. بينما ذهب آخرون إلى أن السفر يرجع إلى العرف ولا يحد بمسافة معينة.

تقدير مسافة السفر وعلاقتها بمحرم المرأة

يتناول المقطع آراء الفقهاء حول تحديد مسافة السفر التي تمنع المرأة من السفر بدون محرم، واستدلال بعضهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يرى ابن قدامة أن المسألة ترجع إلى أصلها، وهو جواز سفر المرأة مع وجود محرم دون تحديد للمسافة.

ترجيح القول في المسألة وخاتمة

المقطع يشير إلى ترجيح قول معين في مسألة ما، مع الإشارة إلى دعم هذا الترجيح من قبل أئمة مثل ابن تيمية وابن القيم. يُنهي المقطع بالتأكيد على أن الله أعلى وأعلم ويختم بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم تتم الطيب المسألة السابقة. قلنا إن القائلين بالوجوب استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: "فردت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقر الصلاة في السفر، وزيد في صلاة الحضر" متفق عليه. وأيضا استدلوا بما في صحيح مسلم أن يعلى بن أمية قال: "قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، فقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". وهذا الحديث استدل به أهل القول بالجواز، واستدل به القائلون بالوجوب. استدل به القائلون بالجواز في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم"، قالوا: فإذا كان صدقة، فمعناه رخصة، وإذا كان كذلك، فالأمر فيه على الاباحة والتخيير. ثم إن هؤلاء القائلين بالاباحة والتخيير اختلفوا: أيهما أولى وأفضل، الاتمام أو القصر، أو أنهما سواء؟ على ثلاثة أقوال: منهم من فضل للمسافر الاتمام، ومنهم من فضل للمسافر القصر، ومنهم من قال: هما سواء، بمعنى أن من أتم فلا شيء عليه، ومن لم يتم فلا شيء عليه. واستدل القائلون بالوجوب بهذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم"، قال: "فاقبلوا صدقته". فاللفظ يدل على الأمر في قوله: "فاقبلوا صدقته"، على أن هذا قد ينازع فيه. واستدل أيضا القائلون بالوجوب بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". وقوله: "فرضا" يدل على أنها مفروضة على هذه الهيئة وهذه الصورة. وأيضا استدلوا بما في صحيح مسلم عن موسى بن سلمة الهدل قال: "سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلي مع الإمام؟ فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم". ومعنى السنة أي: طريقته وهديه، وليس معنى السنة عند الصحابة ومن كان قبلهم أي الأمر المستحب، بل يطلقونه على ما هو أعم من ذلك. وكما مر معنا أنهم ردوا على أوجه الآية في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، بأن نفي الجناح لبيان الحكم وإزالة الشبهة، لا يمنع أن يكون القصر هو السنة. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: "وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر في الآية؛ لأن القصر يتناول قصر العدد وقصر الأركان". السفر أو قال: "لأن القصر يتناول قصر العدد، يتناول قصر العدد من أربع ركعات إلى ركعتين، وإلى ركعة على قول ابن عباس في صلاة الخوف". أو في حديث ابن عباس قال: "وقصر الأركان". قال: "فالخوف يبيح قصر الأركان معلوم، وسيأتي بإذن الله عز وجل معنا في مسألة كلام على صلاة الخوف: أن صلاة الخوف يحصل في هيئتها من نقص الأركان ما يحصل". فربما يسقط على المحارب أو المقاتل أو من كان خائفا يخشى أن يدرك من عدو تسقط عليه الأركان، ربما سقط عليه ركن القيام، وربما سقط عليه ركن السكينة والاطمئنان، وربما سقط عليه أشد من ذلك. قال: "والسفر يبيح قصر العدد، فإذا قال: فالخوف يبيح قصر الأركان، والسفر يبيح قصر العدد من أربع إلى ركعتين". قال: "فإذا اجتمعت أي اجتمع سفر مع خوف، يبيح القصر بالوجهين، أي قصر العدد وكذلك قصر الأركان". قال: "وإن فرد السفر، أبيح أحد نوعي القصر، وهو القصر في العدد". فالحاصل كما مر معنا: أن الأقرب والأظهر في هذا القول بوجوب القصر؛ لما تقدم من الأدلة. وأيضا لأن الجميع متفقون على جواز الركعتين، ومختلفون في الزيادة عليها. فالبقاء على المجمع عليه عند الخلاف أولى وأحرى. والله أعلى وأعلم. المسألة الثانية: في المسافة التي يشرع فيها القصر للسفر. وصورة هذه المسألة: ما هي المسافة التي إذا قطعها المسافر جاز له أن يقصر من الصلاة، وصار يسمى مسافرا؟ وعليه تنطبق أحكام المسافرين: من سقوط الصيام عليه إذا كان في شهر رمضان، وكذلك سقوط الصلاة من أربع إلى ركعتين، أي كون الصلاة تخفف عنه من أربع إلى ركعتين، وكذلك مسح الخفين ثلاث أيام بلياليه، وسقوط وجوب الجمعة، ونحو ذلك من المسائل المتعلقة بأحكام المسافرين. فيه خلاف بين العلماء في ذلك. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز القصر في مرحلتين، وهي ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، ولا يجوز في أقل من ذلك. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، والزهري، ومالك، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبو ثور. وقال طائفة أخرى: لا يجوز القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام. وهو قول ابن مسعود، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح، والثوري، وأبي حنيفة. وعن أبي حنيفة أيضا أنه يجوز في يومين. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، أي صاحبه. وقال الأوزاعي وآخرون: يقصر في مسيرة يوم تام. وقال به ابن المنذر. والقول الذي بعد هذا هو القول بأن السفر لا يحد بمسافة طولا وقصرا، ولكن كلما قيل فيه أنه سفر فهو سفر، طال أم قصر. معنى هذا أن هذا يرجع إلى العرف. وهذا قول ذهب إليه داود الظاهري، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والسعدي، وابن باز، والعثيمين، والألباني، والوادعي وغيرهم رحمهم الله. وروي هذا القول عن علي، وأنس، وشرحبيل بن السمط من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فهؤلاء يقولون: إن السفر لا يحد بمسافة معينة، لا يقال يوم، ولا يحد بيومين، ولا ثلاثة، ولا أربعة، ولا أقل. ولكن ينظر في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس أنه سفر، وتهيأ الإنسان لأجله. هذا يسمى سفرا. واحتج هؤلاء القائلون بأن السفر لا يقيد بمسافة، بل يبقى على إطلاقه؛ يستدل بإطلاق الكتاب والسنة. جواز القصر بلا تقييد للمسافة كما دل عليه قول الله عز وجل في الآية المذكورة قبل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وكذلك استدل بحديث يحيى بن مزيد قال: "سألت أنسا عن قصر الصلاة، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين". وهذا يدل على قصر المسافة وأنه دون اليوم والليلة. وعن جابر بن نفير قال: "خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا، قال: فصلى ركعتين. فقلت له: لم؟ فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين. فقلت له: لم؟ فقال: أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل" رواه مسلم. وهذه الأدلة ظاهرة في إطلاق السفر. واستدل القائلون بالمسافات المحددة كل على قوله بأقوال وآثار وحديث. ومما استدلوا به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم». قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلق السفر على يوم وليلة، فدل على أن ما كان أكثر من يوم وليلة يسمى سفرا، ويدل على أن ما كان أقل من يوم وليلة يدل على أنه ليس بسفر. وهذا يضعف الأقوال القائلة بأن السفر لا يكون إلا بأكثر من يوم وليلة، أي بثلاثة أيام أو كما في القول الأول: أنه يكون بمرحلتين ونحوها. فهذا القول يدل على أن مسافة السفر إذا كانت يوما وليلة أطلق عليها بأنها سفر ولو كانت يوما وليلة. قالوا: ومع هذا، قالوا: هؤلاء القائلون بهذا لنا استدلوا بهذا الحديث. قالوا: وهذا الحديث يسقط القول باشتراط أكثر من يوم وليلة؛ لأنه حد حده النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعه سفرا. ومع هذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم حدا لمنع المرأة من السفر بغير ذي محرم. والقائلون بإطلاق المسافة يقولون: هذا الحديث لا يستدل به على تقييد السفر بيوم وليلة. فقالوا: إن هذا الحديث قد روي أو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ كثيرة. قالوا: ليس هو حدا للسفر، وإنما هذا إخبار عن المسافة التي لا يجوز للمرأة أن تخرج فيها. قالوا: وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» وهو متفق عليه أيضا عن ابن عمر. فعلى ماذا يحمل هذا؟ قد يقول القائلون بالقول الأول: يحمل أن المسافة الأقل تدخل أو مسافة الأكثر تدخل في المسافة الأقل. فيقال: إن أقل ما يكون من السفر يوما وليلة. وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم». قال: يومين، إذن يوم، ويومين، وثلاثة، كلها قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة لها». وعن ابن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». وهذا مطلق. قال علامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إن المطلق إذا قيد بأكثر من قيد، فإنه لا يقيد، بل يبقى على إطلاقه. ذكر كلاما هذا معناه كما في بدائع الفوائد. فإذا كان الأمر كذلك، رجعت المسألة إلى أصلها: أن المرأة تسافر ما دامت مع ذي محرم، طال السفر أم قصر. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وقد ذكر محتج به أصحابه من الحنابلة من آثار الأحاديث عن قولهم بكذا كذا مرحلة. قال رحمه الله تعالى: لم يكن في قولهم حجة؛ يعني بعد أن ذكر أنهم استدلوا ببعض أقوال الصحابة، وبيّن أن الصحابة لهم أقوال أخرى تخالف هذا. ثم قال: لو ثبت ذلك، لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله. إذا ثبت عن الصحابة أنهم قالوا قولا، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قولا، وثبت من فعله أيضا ما يوافق ذلك القول، فلا عبرة بمن خالفه كائنا من كان. فقال ابن قدامة: لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله. وإذا لم تثبت أقوالهم، أي الصحابة، امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه؛ لوجهين: أحدهما أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها ولظاهر القرآن. ولظاهر القرآن؛ لأن الله عز وجل أطلق: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. فأطلق حكم السفر. قال: لأن ظاهرهم أي القرآن إباحة. قال: والثاني: أن التقدير بابه التوقيف. فلا يجوز المصير إليه برأي، سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه. هذا ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهم من أئمة الحنابلة. بعد أن ذكر في المسألة ما ذكر، قال: إن الحاصل في المسألة والصحيح في المسألة: أن المسافة لا تحد بحد معين، ولا تقدر بتقدير معين، بل يبقى الأمر على إطلاقه. وهذا أيضا ذكره ونصره العلامة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في زاد المعاد وغيرهم من الأئمة. والله أعلم. والراجح كما ترون هذا القول. والراجح في المسألة كما ترون هذا القول. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على