الدرس في كتاب الطهارة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شرح حديثين نبويين يتعلقان بطريقة تطهير بول الأطفال الرضع وغسل الثياب المتنجسة بدم الحيض، مع توضيح الأحكام الفقهية المتعلقة بتطهير النجاسات وإزالتها بالماء أو بغيره. ويبين كيفية التعامل مع النجاسات في مختلف الحالات.
يتناول هذا الفصل استحباب السواك في أوقات مختلفة مثل عند الوضوء، الصلاة، الاستيقاظ من النوم، ودخول البيت، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية شريفة. كما يبين أن السواك مستحب وليس بواجب كما دلت عليه الأحاديث النبوية.
هذا الفصل يبين استحباب استعمال السواك للصائم، سواء قبل الزوال أو بعده، ويروي قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في حضن عائشة رضي الله عنها بعد استعماله للسواك، ويبين فضل عائشة رضي الله عنها في ذلك. كما يستحب أن يكون السواك رطبا واستخدامه بوضعه على اللسان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله في باب إزالة النجاسة. الحديث الثاني والثلاثون: عن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام». أخرجه أبو داود وصححه الحاكم. قال: والحديث الثلاثون عن أم قيس من تمحصن رضي الله عنها أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعى بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله، متفق عليه. هذان الحديثان: حديث أبي السمح في قول عليه الصلاة والسلام: «يغسل من بول الجارية» - الجارية يعني البنت الصغيرة - «ويرش من بول الغلام» والغلام الذكر الصغير، والمراد بهما من كان في زمن الرضاع. فالمراد بالجارية أي الرضيعة، والغلام أي الرضيع، أنه يغسل من بول الجارية إذا بالت فيغسل بولها، وأما الغلام الرضيع فإنه يرش بوله ولا يجب غسله، يكتفى بالرش والنضح كما في حديث أم قيس أن أتت بابنها صغير لم يأكل الطعام - يعني ما زال رضيعا - فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه - نضحه يعني بلله بالماء - فنضحه على ثوبه ولم يغسله. فهذا الحديثان دل على التفريق بين بول الجارية وبين بول الغلام، وأن بول الجارية الرضيعة يغسل، وبول الغلام الرضيع لا يجب غسله وإنما يكتفى بالنضح، يكتفى أن ينضح ويرش بالماء ويطهر بذلك. وهذا القول هو الصحيح في هذه المسألة، وهو في بول الرضيع أنه يفرق بين بول الجارية وبين بول الغلام الرضيع. فبعض العلماء يقول كلاهما يغسل، منهم من يقول كلاهما ينضح، والصحيح التفريق كما دل عليه هذان الحديثان. والحكم من ذلك ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «زاد المعاد» بعض الحكم في التفريق بين بول الجارية وبين بول الغلام، وذكر من ذلك أن الجارية إذا بالت فبولها يكون في موضع واحد فيسهل غسله، بخلاف الغلام إذا بال فبوله ينتشر فيكون في غسله مشقة، ولذلك خفف في تطهيره. وقيل أيضا أن الغلام يكثر حمله أكثر من الجارية، يكثر حمله أكثر من الجارية فيكون في غسل بوله شيء من المشقة، فخفف في تطهيره. وذكر كذلك أمرا ثالثا وهو أن الجارية يعني بولها فيه شيء من الحرارة فيكون أشد نجاسة، بخلاف بول الغلام الرضيع ففيه شيء من البرودة فنجاسته خفيفة، والله أعلم. يعني بالحكمة من ذلك، لكن هذا مما ذكره أهل العلم. وكون بول الغلام ينضح ليس معنى أنه طاهر، هو نجس لكن نجاسة مخففة، فلهذا خفف في تطهيره. وفي حديث أم قيس مثل محصن مكان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع وحسن الخلق، أنه يعني الصحابة ربما أتوا بصبيانهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجلسهم في حجره ويلاعبهم عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا من كمال خلقه أنه لما بال هذا الصبي الصغير في حجره ما وبخه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه طفل، أنه طفل وهذا يحصل من الطفل الصغير، لكن مباشرة دعا بماء ونضحه - يعني على ثوبه - من غير تعنيف على هذا الطفل أو على أمه، وهذا من كمال خلقه عليه الصلاة والسلام. الحديث الرابع والثلاثون: وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه»، متفق عليه. هذا الحديث: إذا أسماء بنت أبي بكر في غسل دم الحيض الذي يصيب الثوب، كما قال ابن بطال رحمه الله هو أصل عند أهل العلم في وجوب غسل الثوب إذا أصابته النجاسة. فأسماء بنت أبي بكر تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب: قسوة للنبي صلى الله عليه وسلم - يعني أن المرأة يصيب ثوبها دم الحيض وليس لها ثوب غيره - كان النساء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يعني الغالب أن يكون معها ثوب واحد هو الذي تصلي فيه وتنام فيه وعلى ذلك تحيض فيه. فإذا أصابه دم الحيض كيف تفعل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». تحته يعني بأظافرها، ثم تقرصه بالماء - يعني تضع الثوب في الماء وتقرصه - ثم تنضحه - يعني تغسله - النضح قد يطلق ويراد به الرش، وقد يطلق ويراد به الغسل. قال: «ثم تنضحه ثم تصلي فيه». والمعنى أنها تغسل هذا الثوب الذي أصابه دم الحيض، فإذا غسلته جاز لها أن تصلي فيه. فدل هذا الحديث على وجوب - يعني غسل الثوب الذي أصابته نجاسة - إذا أراد الإنسان أن يستعمله إذا أراد أن يستعمله وأن يصلي فيه فلابد من غسله وإزالة النجاسة منه. وفيه كذلك أن دم الحيض نجس، في دليل أن دم الحيض نجس، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الثوب منه. وفيه كذلك أيضا أن الأصل في غسل النجاسات وإزالتها أنه يكون بالماء، الأصل في غسل النجاسات أنه أنها تغسل بالماء. وهل يجوز إزالة النجاسة بغير الماء؟ هل يجوز أن تغسل النجاسة بغير الماء - يعني بمائع غير الماء - كالخل أو البنزين أو نحو ذلك؟ أم لا؟ في هذه المسألة خلاف، والصحيح أنه يجوز. لماذا؟ لأن إزالة النجاسات من باب التروك - من باب التروك - المقصود أن تزال النجاسة، فإذا زالت بأي شيء فإنها تطهر بذلك. فإنها تطهر بذلك، لو غسلها بخل أو بشيء من المائعات الأخرى غير الماء وزالت النجاسة فإنها تطهر بذلك. بل لو يعني وضع هذا الثوب في الشمس وأصابته الشمس حتى أزالت هذه النجاسة ولم يقع لها أثر فإنه يطهر بذلك. فالمقصود هو أن تزال هذه النجاسة. الحديث الخامس والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره». أخرجه أبو داود. والحديث أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن لهيعة، وعبد الله بن لهيعة كما هو معلوم سيء الحفظ، إلا أنه يعني رواه عنه في بعض الطرق عبد الله بن وهب - عبد الله بن وهب المصري - وعند جماعة من المحدثين أن ابن لهيعة إذا روى عنه أحد العبادلة الثلاثة - وهم ابن المبارك وابن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ - أن روايتهم عنه مستقيمة، أن روايتهم عنه مستقيمة، أنهم رووا عنه قبل أن يختلط؛ لأنه اختلط بعد احتراق كتبه، لما احترقت كتبه كان يحدث من حفظه، فلما احترقت حدث من حفظه فخلط وضعف بسبب ذلك. وهؤلاء رووا عنه قبل احتراق كتبه، ولهذا حسنه جماعة من أهل العلم لأجل ذلك. وفي هذا الحديث النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: إن لم يذهب الدم؟ لما أمر بغسل الدم من الثوب - دم الحيض - فقالت: فإن لم يذهب الدم - يعني ما زال أثر موجود - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره». يعني في هذا الحديث دلالة على أن الواجب هو إزالة عين النجاسة - إزالة عين النجاسة - فإذا أزيلت وبقي للنجاسة أثر - بقي للنجاسة أثر - كالون أو شيء من ذلك ما يعني أزاله الغسل، فهذا لا يضر فيعفى عن هذا الشيء اليسير؛ لأن المشقة تجلب التيسير. فإذا أزيلت عين النجاسة وبقي شيء من الأثر الذي لا يزيله الماء فإنه يعفى عنه. قال: باب السواك وسنن الفطرة. قال: حديث السادس والثلاثون: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». ذكر هنا هذا الباب - باب السواك وسنن الفطرة - والسواك يعني ما يستاك به في الفم من عود الأراك وغيره، هو المستحب الأفضل هو عود الأراك؛ لما له من تأثير يعني في تطيب الفم وتطييبه. ذكر في أول هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». فصل: «السواك مطهرة للفم» - أي يطهر الفم - ينظفه ويطيبه ويزيل - ربما علق من أثر الطعام في الأسنان - فيما بين الأسنان ونحو ذلك - ويطيب - يعني رائحة الفم - فهو مطهرة - مطهر للفم - وهو أيضا مرضاة للرب - مرضاة للرب - لأن الله سبحانه وتعالى يحب السواك، وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم والأمر والحث على استعمال السواك. فالسواك يعني قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، ومكان كذلك فهو مما يرضي الله سبحانه وتعالى. ودل الحديث على استحباب السواك؛ لأن إذا كان مرضاة للرب - معنى أنه شيء مرغوب فيه ومطلوب تحصيله وفعله - وهذا هو يعني الأمر المشروع الذي يكون أقل مدلولا على مشروعيته والاستحباب. كونه أمر به الشرع ورغب فيه. وكذلك أيضا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن في استعماله إرضاء لله سبحانه وتعالى. الحديث السابع والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء». أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا. الحديث الثامن والثلاثون: عنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». متفق عليه. نعم حديث أبي هريرة الأول: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء». هذا الحديث الذي بعده، فيهما دليل على أن السواك مستحب وليس بواجب - أن السواك مستحب وليس بواجب - وذلك لقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» - أي أمر إيجاب - لأمرتهم - أي أمر إيجاب - فلما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم به أمر إيجاب دل على أن السواك مستحب. وكذلك أيضا في استحباب السواك عند كل وضوء - استحباب السواك عند كل وضوء - إذا أراد الإنسان أن يتوضأ يبدأ أولا بالسواك ثم يشرع في الوضوء. وهكذا أيضا استحباب السواك عند كل صلاة - إذا أراد أن يصلي فيستاك ثم يدخل في الصلاة - حتى يكون على أكمل هيئة في مناجاته لربه سبحانه وتعالى في الصلاة؛ لأنه سيقرأ القرآن وسيذكر الله سبحانه وتعالى فيكون على أكمل الهيئات من التنظف والتطهر ونحو ذلك. وكذلك أيضا في هذا الحديث دلالة على أن الأصل في الأمر أنه للوجوب - الأصل في الأمر أنه للوجوب - ووجه الشاهد من ذلك قوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» - يعني أمر إيجاب - فإذا جاء الأمر فالأصل أنه للوجوب إلا إذا دلت قرينة على أن المراد به غير الوجوب. الحديث التاسع والثلاثون: عن حذيفة بن اليمان وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك». متفق عليه. الحديث الأربعون: عنه رضي الله عنه قال: «كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل». رواه النسائي. نعم حديث حذيفة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك». يشوص - يعني يدلك - يدلك فمه بالسواك - يدلك فمه بالسواك - فهذا فيه استحباب السواك عند الاستيقاظ من النوم - عند الاستيقاظ من النوم - وفائدته كما ذكر أهل العلم أنه يذهب النوم - يعني ينشط الإنسان إذا قام من النوم فدلك فاه واستاك أعطاه نشاطا. وكذلك أيضا أن غالبا أن النوم تتغير بسببه رائحة الفم - لخلو المعدة من الطعام - فإذا قام يعني يستاك حتى يطيب فمه ويطيب رائحة الفم. طيب هذا الفعل يدل على استحباب أنه مستحب - هذا من المواضع التي يستحب فيها السواك - عند الاستيقاظ من النوم. والرواية الأخرى عند النسائي: «كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل». كنا نؤمر - ما الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ - فهذا الحديث له حكم الرفع - قول الصحابي: كنا نفعل كذا أو كنا نؤمر أو كنا ننهى له حكم الرفع - فالذي أمرهم بذلك هو النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر للاستحباب - هذا الأمر للاستحباب - هذا من باب الإرشاد؛ لأن إذا كان السواك لا يجب عند الصلاة والوضوء - هما أعظم يعني من الاستيقاظ من النوم - فكذلك يكون حكمه عند الاستيقاظ من النوم أنه مستحب وليس بواجب. فيكون هذا من المواضع التي يتأكد فيها استعمال السواك. الحديث الحادي والأربعون: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك». رواه مسلم. نعم هذا الحديث فيه أيضا استحباب السواك عند دخول البيت - عند دخول البيت - أنه كذلك يستاك، وهذا من باب كما ذكر أهل العلم حسن المعاشرة - حسن المعاشرة الرجل لأهله - أنه يعني يبدأ بالسواك؛ لأنه سيقابل أهله فيكون على هيئة طيبة وعلى رائحة طيبة، فيستحب للمسلم في مثل هذه الحال أنه إذا دخل بيته يبدأ بالسواك. الحديث الثاني والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». رواه مسلم. هذا الحديث فيه بيان أن تغير رائحة فم الصائم - تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام - الذي يكون هذا التغير هو أثر من آثار هذه العبادة العظيمة المباركة - أن هذه الرائحة المتغيرة عند الله سبحانه وتعالى أطيب من ريح المسك - أطيب من ريح المسك - المسك يعتبر من أطيب الطيب - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطيب الطيب المسك». والمسك كما تعلمون يستخرج من دم الغزال. فهذه الرائحة التي تنبعث من معدة الصائم أطيب عند الله جل وعلا من ريح المسك؛ لماذا؟ لأنها أثر من آثار هذه العبادة العظيمة. طيب ما هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في باب السواك وليس فيه ذكر للسواك؟ أراد المصنف أنه لا بأس للصائم أن يستاك - أنه لا بأس للصائم أن يستاك - أن يستعمل السواك ولو كانت هذه الرائحة المنبعثة من معده هي من أثر الصيام وعند الله جل وعلا أطيب من ريح المسك، مع ذلك له أن يستاك. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل وضوء وعند كل صلاة، وهذا يشمل حال كون الإنسان مفطرا وحال كونه صائما، لا مانع له أن يستاك. واستياكه قبل الزوال هذا قول عامة أهل العلم أنه لا مانع للصائم أن يستاك. واختلفوا بعد الزوال - اختلفوا بعد الزوال - هل يشرع ويستحب للصائم أن يستاك بعد زوال الشمس أم الأولى أن يترك ذلك؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يستاك بعد الزوال، وبعض الشافعية قالوا: لا يستاك؛ لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «استاكوا بالغدات ولا تستاكوا بالعشي» - استاكوا بالغدات ولا تستاكوا بالعشي - الغدات يعني أول النهار، والعشي آخر النهار. وذهب جماعة آخرون إلى أنه لا بأس به - إلى أنه لا بأس بالاستياك ولو بعد الزوال - وهو الصحيح. وهذا الحديث ضعيف لا يصح - «استاكوا بالغدات ولا تستاكوا بالعشي» - حديث ضعيف، والصحيح أنه يشرع استعمال السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال. الحديث الثالث والأربعون: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره - يعني جعل ينظر إليه عليه الصلاة والسلام - فأخذت السواك فقضمته فطيبته ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استنى استنانا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى، وكانت تقول: ما مات بين حاقنتي وذاقنتي». وفي لفظ: «فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت: أخذه لك فأشار برأسه». نعم هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه. هذا الحديث: حديث عائشة رضي الله عنها تقول: أنه دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه - وهو أخوها - على النبي صلى الله عليه وسلم وهي مسندته إلى صدرها، وكان هذا في مرض موته عليه الصلاة والسلام، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به - يستاك به - فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وجعل ينظر إليه، وكان يحب السواك عليه الصلاة والسلام، فعرفت رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد السواك. قال: فقضمته وقضمته - يعني قصة أعلى - وطيبته - يعني نظفته - ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به عليه الصلاة والسلام. قالت: «وما رأيت رسول الله استنى استنانا أحسن منه» - يعني كأنه بالغ في الاستياك به في استعماله - فما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم - يعني من استعمال هذا السواك - إلا وقد خير عليه الصلاة والسلام، فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى» ثلاثا ثم قضى - أي مات عليه الصلاة والسلام - وهو في حضن عائشة رضي الله عنها. فهذه كانت تقول: «مات بين حاقنتي وذاقنتي» - يعني في هذا الموضع - هذا الذقن وهذه الحاقن، في هذا الموضع كان رأسه عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع من صدرها رضي الله عنها. نعم فهذا الحديث فيه يعني استحباب السواك وبيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من محبته للسواك. وكذلك أيضا فيه جواز استعمال سواك الغير - جواز استعمال سواك الغير - بعد أن يطيب وينظف، فيجوز للإنسان أن يستعمله. وكذلك أيضا فيه فضيلة لعائشة رضي الله عنها؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو على صدرها - وهو على صدرها رضي الله تعالى عنها - فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو راض عنها. وكذلك أيضا معنى ما خص الله عز وجل به عائشة رضي الله عنها من هذه الفضيلة العظيمة - من بين سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلتها، وأيضا وهي مسندته إلى صدرها رضي الله عنها. فقبح الله الروافض الذين يطعنون فيها وفي عرضها رضي الله تعالى عنها. الحديث الرابع والأربعون: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك بسواك رطب، قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع». متفق عليه واللفظ للبخاري. نعم هذا الحديث: لأبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك بسواك رطب». هذا فيه استحباب يعني الاستياك بسواك رطب - تعرفون السواك قد يكون خشن قاس وقد يكون رطبا - فالرطب أفضل - الرطب يعني يسهل الاستياك به ويحصل به من التطهير والتنظيف ما لا يحصل بالسواك الجلف. وكذلك أيضا أن السواك الرطب لا يؤثر على اللثة - اللثة يعني ما يؤذيها - بخلاف الخشن ربما يعني يضر اللثة أو يجرحها أو شيء من ذلك، فالسواك الرطب أفضل إن تيسر. فالرطب أفضل، إلا ما تيسر فلا بأس باستعمال السواك الخشن، لكن الرطب أطيب أفضل. قال: «وطرف السواك على لسانه» - يعني هنا على لسانه - وهو يقول: يعني من شدة المبالغة في السواك ربما يعني يضعه على لسانه - يعني حتى ربما يزيد رطوبتها أو شيء من ذلك - قال: «وطرف السواك على لسانه وهو يقول: أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع» - يتهوع يعني كأنه يعني سيخرج منه شيء من الطراش وبداية الطرش ونحو ذلك - المقصود أن يعني فيه مبالغة في استعمال السواك. وهكذا أيضا لا بأس أن يوضع السواك على اللسان - يعني يضعه على لسانه - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك استحباب أن يكون السواك رطبا، فهذه الأحاديث كلها تدل على استحباب السواك. طيب الآن نقف هنا إن شاء الله. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.