كتاب الطهارة 4

كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ويعتبر هذا الفعل محرمًا. يُستثنى من ذلك إصلاح الآنية المكسورة بالفضة إذا كانت الحاجة ملحة والكمية قليلة.

حكم استعمال آنية أهل الكتاب وجلود الميتة

تناول المقطع حكم استعمال آنية أهل الكتاب وجلود الميتة، حيث نهى النبي عن الأكل في آنية أهل الكتاب إلا عند الضرورة مع غسلها أولًا، وأجاز استعمال جلود الميتة بعد دباغتها.

آداب استعمال الآنية والأسقية في الإسلام

يتناول المقطع آداب استعمال الآنية في الإسلام، حيث يشرح كيفية التعامل مع آنية أهل الكتاب، ويبين ضرورة تغطية الآنية وإغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح عند دخول الليل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف: باب الآنية. قال عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». متفق عليه. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». متفق عليه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. أخرجه البخاري. إلى آخر ما ذكر من الحديث في هذا الباب. الآنية جمع إناء، والإناء ما يوضع فيه الطعام أو الشراب. والأصل في الآنية هو الحل، سواء كانت من حديد أو نحاس أو معدن أو جلد أو خشب أو غير ذلك، إلا ما جاء الشرع بالنهي عن استعماله، كالذهب والفضة. فذكر المصنف حديث حذيفة بن اليمان في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة. «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها». الصحفة هي اللعاء الذي يؤكل فيه، قدر العشرة. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الأكل في صحاف الذهب والفضة. قال: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». لهم: الضمير يرجع إلى الكفار، وليس المراد أن يحلوا لهم أن يستعملوها، وإنما المراد أن الكفار لا يتقيدون بأحكام الشرع، ولهذا هم لا يبالون بالأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، بخلاف المؤمن، فهو يتقيد بأحكام الشريعة، ولهذا يمتنع من الأكل والشرب فيهما في الدنيا. ولأن الكافر جنته هذه الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فهو يتمتع فيها، ومن هذه المتعة التي يتمتع فيها أنه يأكل في آنية الذهب والفضة لا يبالي. «ولكم في الآخرة»: أي تعوضون عند دخولكم الجنة بالأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة» هذا يشمل ما كان ذهبًا وفضة خالصًا، وكذلك أيضًا ما كان مطليًا بالذهب والفضة، كان يكون مثلًا أصله من نحاس، لكن طلي بالذهب أو الفضة، فهذا أيضًا يأخذ حكم التحريم، لأنه يعتبر الشرب به والأكل شربًا وأكلًا بالذهب والفضة. وقوله: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» هذا أيضًا يدل على التحريم، تحريم الشرب في آنية الفضة، وأن حال من يفعل ذلك كأنه يجرجر في بطنه نار جهنم، كأنه يعني يدخل إلى جوفه نار جهنم، وهذا يدل على حرمة هذا الفعل، وأنه كبير من كبائر الذنوب. إذًا، الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة محرم، ولا يجوز أن يأكل المسلم أو يشرب في آنية الذهب والفضة، وهكذا أيضًا سواء كان ذلك يعني خالصًا، ذهبًا وفضة خالصًا، أو كان مطليًا بشيء من الذهب والفضة. يبقى ما حكم إصلاح القدح أو الشرب في قدح فيه شيء من الفضة اليسيرة؟ فذكر حديث أنس أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، يعني أصلح هذا الصدع بسلسلة من فضة حتى يلتصق محل الكسر. فهذا الحديث فيه جواز إصلاح القدح بشيء من الفضة دون الذهب. الحديث هنا يدل على جواز إصلاح القدح إذا انكسر بشيء من الفضة، فيدل على جواز ذلك بالفضة لا بالذهب. الأمر الثاني أن يكون هذا الإصلاح واستعمال هذه الفضة شيئًا يسيرًا، أن يكون شيئًا يسيرًا، لأن اتخاذ سلسلة من فضة لإصلاح القدح هذا شيء يسير، فهذا يعفى عنه للحاجة. الأمر الثالث أن يكون ذلك للحاجة، إذا عندنا ثلاثة شروط لإصلاح القدح من فضة واستعماله: أن يكون هذا الإصلاح بشيء من الفضة، أن تكون الفضة شيئًا يسيرًا، الشرط الثالث أن يكون ذلك للحاجة. فإن اختلت أحد هذه الشروط الثلاثة لم يجوز استعمال هذا القدح. فإن كانت الفضة كثيرة لم يجوز، أو كان إصلاحه بالذهب لم يجوز، أو كان ذلك لغير حاجة، فكذلك لا يجوز، لأن الأصل هو المنع والتحريم. غير آنية الذهب والفضة فيجوز الأكل والشرب فيها على أصل الإباحة. قد يقول القائل: إذًا ما الفائدة من ذكري يعني هذا الحديث في باب في كتاب الطهارة؟ والحديث يتعلق بحكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. فالجواب: أراد المصنف بذلك أن يستدل به على عدم جواز الوضوء والطهارة بآنية الذهب والفضة، أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في الطهارة. وبهذا قال جمهور أهل العلم. فقالوا: الحديث نص على النهي عن الأكل والشرب، ويلحق به سائر الاستعمالات، يلحق به سائر الاستعمالات، ومن ذلك ما يتعلق بالغسل والوضوء. ولهذا يذكر أهل العلم هذا الحديث في مثل هذا الباب، في باب الآنية في كتاب الطهارة. وخالف بعض أهل العلم في هذه المسألة، كالظاهرية، وجماعة من علماء كالشوكاني والصنعاني، وهكذا أيضًا الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، وذهبوا بأنه يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، وذلك لأمور. أولًا: أن الحديث نص على النهي عن الأكل والشرب، نص على النهي عن الأكل والشرب فقط. ولو كان المراد من هذا النهي عمومًا، نهيًا عن سائر الاستعمالات، لقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تستعمل»، أتى بلفظ عام يدل على عموم المنع. لو قال: «لا تستعمل آنية الذهب والفضة»، لشمل ذلك الأكل وغير الأكل. لكن الحديث: «لا تشرب، لا تأكل»، خص الأكل والشرب، فدل على أن بقية الاستعمالات غير الأكل والشرب لا تدخل في النهي. والأمر الثاني: أنه صح عن أم سلمة رضي الله عنها راوية هذا الحديث الذي فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». صح عنها كما في البخاري: أنها كان لها جلد من فضة تضع فيه شعرات للنبي عليه الصلاة والسلام، كان يستشفى بها. فدل هذا على أنها لم تفهم من هذا الحديث عموم النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة، وإنما أن هذا النهي خاص بالأكل والشرب فقط. نعم، ولعل هذا أظهر، والله أعلم، أن النهي خاص بالأكل والشرب، وأما بقية الاستعمالات فلا دليل على المنع. قال الحديث العشرون: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». أخرجه مسلم. وفي السنن: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». والحديث الحادي والعشرون: عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دباغ جلود الميتة ذكاتها». رواه النسائي وصححه الحاكم بنحوه. والحديث الثاني والعشرون: عن ميمونة رضي الله عنها قالت: مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة يجرونها، فقال: «لو أخذتم إهابها». قالوا: إنها ميتة. قال: «يطهرها الماء والقرض». أخرجه أبو داود والنسائي. هذه الأحاديث فيها حكم ما يتعلق بدباغ جلود الميتة. فعلمنا أن الميتة محرمة ونجسة، وكل ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية. يريد الإنسان أن ينتفع بجلد الميتة، هل هذا يجوز؟ الجواب: نعم، إذا دبغ وطهر. يطهر بالقرض، وهذا ما يستعمل في تطهير الدباغ. لازال الناس إلى اليوم يستعملونه. يطهرها الماء والقرض، أو كذلك قد يطهر بالملح والرماد أو بنحو ذلك من المطهرات. فإذا دبغ الإهاب فقد طهر. والإهاب يعني الجلد. إذا دبغ فإنه يطهر بذلك. والإهاب قد يكون للعهد الذهني، الإهاب المعهود المعروف، أو قد يكون للعموم، يعني كل إهاب. إذا دبغ الإهاب، أي كل إهاب، فقد طهر. فيدل على عموم تطهير جميع جلود الميتة. وتأتي هنا مسألة: هل هذا الحكم على عمومه، بأنه أي جلد وإهاب لميتة أنه يطهر بالدباغ، سواء كان مما يؤكل لحمه أو كان مما لا يؤكل لحمه؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. والأرجح، والله أعلم، أن تطهير جلود الميتة بالدباغ إنما هو في حق ما يؤكل لحمه، أنه في حق ما يؤكل لحمه. وأما ما لا يؤكل لحمه فإنه لا يطهر بالدباغ. الدليل: حديث سلمة بن المحبق الذي بعد هذا: حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دباغ جلود الميتة ذكاتها». فجعل النبي عليه الصلاة والسلام دباغة الجلد، جلد الميتة، قائم مقام التذكية. قائم مقام التذكية: دباغ جلود الميتة ذكاتها، يعني أن دباغ جلد الميتة يقوم مقام التذكية. والذي لا يؤكل لحمه، هل ينفع فيه تذكية؟ لو أتينا بحمار أهلي وقلنا بسم الله وذبحنا، هل يحل ويصير بهذا حلالًا؟ الجواب: لا. إذًا ما لا يؤكل لحمه ما تنفع فيه الذكاة، ما تنفع فيه الذكاة. إذًا قوله: «دباغ جلود الميتة ذكاتها» هذا في حق ما تحله الذكاة، وهو ما يؤكل لحمه. فخرج بهذا ما لا يؤكل لحمه، فإنه لا ينفع فيه الدباغ، لا ينفع في جلده الدباغ، فهو باق على نجاسته. ويؤكد ذلك أيضًا نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن جلود النمور أن تفترش، أو جلود السبع. نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تفرش جلود السبع، وأن يلبس عليها الإنسان، وذلك لأنها تعتبر نجسة، لأن السبع لا يجوز أكلها. إذًا دباغة الإهاب أو جلود الميتة هذا ينفع فيما تحله الذكاة، وفي حديث ميمونة أيضًا ما يؤكد هذا المعنى، لما قال: «ألا أخذتم إهابها» يعني جلدها تنتفعون به. قالوا: إنها ميتة. قال: «يطهرها الماء والقرض» يعني يطهر جلدها. فهذا أيضًا يدل على هذا المعنى. «يطهرها الماء والقرض» يطهر جلدها. فهذا أيضًا يدل على هذا المعنى. طيب، يبقى الآن ما هو وجه الشاهد من ذكر هذه الأحديث في هذا الباب، في باب الآنية في كتاب الطهارة؟ المراد من ذلك أنه إذا دبغ الإهاب، إهاب الميتة، وطهر بذلك، جاز وضع الماء فيه، واستعمال هذا الماء. جاز استعمال هذا الماء للطهارة، للوضوء والغسل. هذا هو المقصود من ذكر هذه الأحاديث. إذا عندك جلد ميتة، قمت بدباغته وتطهيره، فلا بأس أن تضع فيه الماء، وأن تستعمل هذا الماء للطهارة. قال الحديث الثالث والعشرون: عن أبي ثعلبة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها». متفق عليه. وعن عمران بن حسين رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا أصابته الجنابة أن يغتسل من مزادة امرأة مشركة. متفق عليه في حديث طويل. حيث بثعلبة سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن استعمال آنية أهل الكتاب. قال: «يا رسول الله، إن بأرض قوم أهل كتاب» يعني يهود ونصارى. «أفنأكل في آنيتهم؟» هل نستعمل آنيتهم في الأكل والشرب؟ فنهاه عليه الصلاة والسلام عن ذلك ابتداء. قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها». فنهاه عليه الصلاة والسلام عن الأكل في آنية أهل الكتاب في هذا الحديث، وفي أحاديث أخرى. فيها استعمال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض آنية أهل الكتاب، يعني من غير أن يغسلها، مثل ما قدم له طعام عندما دعته تلك المرأة اليهودية للحم الذي صنعته أو طبخته ونحو ذلك. فلهذا حمل أهل العلم هذا الحديث في النهي عن الأكل في آنية أهل الكتاب: إذا كان هؤلاء من أهل الكتاب يأكلون فيها الخنزير مثلًا، ويشربون فيها الخمر، ونحو ذلك من الأمور المحرمة والنجسة. فإذا كانوا كذلك، فحينئذ لا يأكل فيها إذا وجد غيرها، فلا تستعمل آنيتهم. وإذا لم توجد، فإننا نستعملها بعد غسلها. نغسلها أولًا ثم نستعملها، كما في هذا الحديث: «لا تأكل فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها». فنهى عن الأكل في آنية أهل الكتاب إذا علم المسلم أنهم يأكلون فيها الخنزير ونحو ذلك من النجاسات. وأما إذا كانوا لا يأكلون فيها شيء من هذه النجاسات، فلا بأس باستعمالها. ويدل أيضًا على هذا المعنى: حديث عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا أصابته جنابة أن يغتسل من مزادة امرأة مشركة. المزادة هي القربة الكبيرة، عبارة عن قربتين كبيرتين. فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر هذا الرجل الذي أصابته جنابة أن يستعمل هذا الماء من هذه المزادة، مع أن هذه المزادة من مزادة امرأة مشركة. ومعلوم أن المشركين لا تحل ذبائحهم، لا تحل ذبائحهم. لكن إذا طهرت يعني طهر هذا الجلد ودبغ، فإنه يطهر، وإن كانت هذه الجلود مما يستعملها الكفار، فلا بأس للمسلم أن يستعملها ما دامت طاهرة. ويدل على هذا الحديث: أمره أن يغتسل من مزادة امرأة مشركة. إذا الخلاصة في استعمال آنية الكفار: أنهم إذا كانوا لا يأكلون فيها شيئًا من نجاسات، فلا بأس باستعمالها ابتداء. وإن كانوا يأكلون فيها شيئًا، إذا علم المسلم ذلك يقينًا أو غلب على ظنه أنهم يأكلون فيها الخنزير ونحو ذلك من النجاسات والأشياء المحرمة، فحينئذ إذا احتاج إليها يغسلها ثم يستعملها. قال: وعن جابر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استجنح الليل أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ». فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم. «وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوكي سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئًا». متفق عليه. وزاد مسلم: «فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء». هذا الحديث ذكره في هذا الباب في آخر باب الآنية. وفيه يعني أدب من آداب استعمال الآنية التي ينبغي أن يعتني بها المسلم كما سيأتي. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه إذا جنح الليل، يعني دخل الليل، وذلك عند غروب الشمس ودخول وقت المغرب، فينبغي أن يكف الصبيان، يعني من الخروج إلى الخارج. «فكفوا صبيانكم» يعني يحبسون عندكم في البيت. لماذا؟ قال: «فإن الشياطين تنتشر حينئذ». تنتشر الشياطين في هذا الوقت، في أول دخول الليل. فالذي ينبغي أن يكف الصبيان عن الخروج في مثل هذا الوقت، يعني إلى خارج البيت، فيحبسون في البيوت أو في المساجد. فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، يعني حتى يأتي وقت العشاء، فإذا جاء وقت العشاء فلا بأس حينئذ أن يخرجوا للحاجة. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإغلاق الأبواب. قال: «أغلق بابك واذكر اسم الله» يعني على بابك تقول: بسم الله وتغلق الباب. «وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله». كانت المصابيح في زمن النبي عليه الصلاة والسلام عبارة عن فتيلة توضع في الزيت أو نحو ذلك وتشعل فيها النار. وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإطفاء المصباح خشية أن تأتي الفويسقة، وهي الفارة، فتسحب الفتيلة فتحرق أهل البيت، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى. ولهذا لما احترق بيت على أهله في المدينة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطفاء السرج عند النوم، حتى لا يقع شيء من ذلك بسبب الفويسقة. قال: «أوكي سقاءك واذكر اسم الله». أوكي سقاءك يعني غطه، غطيه بأي شيء. والأصل الوكاء هو الربط. «أوكي سقاءك» يعني اربطه، اربط السقاء، اجعل له حبل تربطه به، مثل القربة. القربة يعني تربط بحبل حتى لا يدخل شيء من الهوام إلى داخلها. ثم إذا جاء الإنسان يشرم منها فتضره، فتربط الوكاء. «وخمر إناءك» خمر يعني غطي. التخمير التغطية. عندك إناء يعني جاءك فيه ماء، وعاء أو نحو ذلك، غطه، لا تجعله مكشوفًا. قال: «واذكر اسم الله» تقول: بسم الله وتغطيه. «ولو تعرض عليه شيئًا» يعني إذا ما عندك غطاء كامل، اعرض عليه شيء، عود مثلًا، تضعه فوق هذا الإناء وتقول: بسم الله. وبإذن الله ما يضره شيء، ولا يدخله شيء، ولو أن تعرض عليه شيئًا. متفق عليه. هذه رواية الصحيحين. قال: زاد مسلم: «فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء» يعني مرض ينزل فيها مرض. «لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء». إذًا هذه الرواية تبين الحكمة أو بعض الحكم من الأمر بتغطية الآنية وربط الأسقية. أنه ربما ينزل شيء من الوباء بحكمة الله وقدرته ينزل وباء ومرض، فلا يجد وعاء مكشوفًا أو سقاء غير مربوط إلا ودخل فيه من هذا الوباء. فما تدري إلا وأصيب أهل ذلك البيت بشيء من الأوبئة والأمراض. فهذا هو الأدب الذي ينبغي أن يعتني به المسلم في استعمال الآنية والأسقية: أن تغطى، أن تغطى في الليل خاصة، وتقفل، ولا تكون مكشوفة. هذا آخر ما يتعلق بهذا الباب، باب الآنية.