الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المحاضر محاولات قريش المتكررة لقتل النبي صلى الله عليه وسلم أو إخراجه، ورفض أبي طالب تسليمه مع استمراره في حمايته، ثم فرض مقاطعة اقتصادية واجتماعية مشددة على بني هاشم في الشعب. كما يذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرتين، ويشير إلى واقعة سورة النجم وما روي عن إلقاء الشيطان لكلمات الغرانيق على لسان النبي.
يرد المتحدث قصة الغرانيق وينسبها إلى الوهم والضعف مستنداً إلى تحقيق الإمام الألباني في رسالته «نصب المجانيق»، مبيناً أن الرواية الصحيحة في الصحيحين تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم كاملة وسجد في خاتمتها. ويوضح أن سجود المسلمين والمشركين كان تعظيماً للقرآن لا إقراراً للأصنام، وأن خبر إسلام قريش الذي وصل للحبشة كان مبنياً على سوء فهم لسجود المشركين.
انتشر خبر إسلام أهل مكة فعاد بعض المهاجرين من الحبشة، لكن نزول آية الحج:52 نسخ ما ألقى الشيطان فعاد المشركون للعداوة. ويتناول المقطع قصة عثمان بن مظعون الذي كان في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى أصحابه يعذبون طلب التخلي عن الجوار ليشاركهم البلاء، فتبرأ منه الوليد وعُذب عثمان مثلهم، كما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه فراراً بدينهم.
يُعلن المحاضر عن نيته ذكر معنى خروج الصحابة إلى الحبشة وتفصيل ذلك، ثم يقرر تأجيل هذا الشرح إلى درس قادم سيعقد في القاهرة. ويختتم المقطع بهذا الإعلان دون الخوض في تفاصيل الهجرة الثانية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: وقال موسى بن عقبة، وهو صاحب المغازي، أي في كتابه المغازي، فهو غير موجود الآن. قال: ثم إن قريشاً اتمروا، واشتد مكرهم، وهموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو إخراجه. فعرضوا على قومه أن يعطوهم ديته ويقتلوه، فأبوا حميةً عن أنساب الحمية والظهر. أراد عرضهم ذلك لأبي طالب. فقال: فإنهم أولاً هددوا أنهم سيقتلوه، كما تقدم معنا. فقال: فجاء أبو طالب، أو فأرسل أبو طالب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأتاه فأخبره بما قالته قريش. فقال: «لو أنهم وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه». فقال لو أنهم شعلوا لي من هذه -أي من الشمس- شعلة، ماذا أعطيتهم شيئاً؟ أي: أني لا أوافقهم على ما أراد، وأن الأمر من الله. فلما سمع أبو طالب كلام النبي عليه الصلاة والسلام، قال: سر على ما أنت عليه، والله لا يؤذيك أحد. ثم إنهم أيضاً مرة أخرى رجعوا إلى أبي طالب، وقالوا: نعطيك عمارة بن الوليد تربيه وتجعله ابنك، وتعطينا محمداً صلى الله عليه وسلم نقتله. قال: والله ما سمعت بمثل هذا، تعطيكم ولدي تقتلونه، وتعطوني ولدكم أغذيه لكم وأربيه لكم؟ فانصرفوا بعد ذلك، وزاد بعد ذلك كيدهم، حتى جاءوا بهذه -أو جاءوا بالتقاطع الذي حصل- وأنهم قاطعوا بني هاشم، حتى أدخلوهم في الشعب، شعب بني عبد المطلب، أي: لا يبايعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يزوجوهم، ولا يتزوجون منهم. قالوا: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعب بني عبد المطلب، أمر أصحابه بالخروج إلى الحبشة، فخرجوا مرتين. رجع الذين خرجوا في المرة الأولى حين أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان محمد يذكر آلهتنا بخير لقررناه وأصحابه. وهذا الكلام أيضاً جاء به عروة بن الزبير، وجاء نحوه أيضاً من كلام الزهري. والظاهر أن بعضهم يجعلهم من كلام الزهري، وبعضهم يجعلهم من كلام الزهري عن عروة، وهذا هو الصحيح: أن هذا الكلام كلام عروة، وأخذه موسى بن عقبة من الزهري عن عروة. قالوا: لكنه لا يذكر من خالفه. معناه: يقول قريش: كيف يذكر محمد آلهتنا بالسوء والشر؟ لماذا لا يذكرهم بخير؟ لو ذكرهم بخير لقررناه وأصحابه. ولكنه لا يذكر من خالفه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من السوء والشر. وكان رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يتمنى هداهم، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19-20]، فألقى الشيطان عندها كلمات: ﴿وَإِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى﴾ [الآية المكذوبة]. وهذا الكلام ليس صحيحاً، كما قلنا: أنه مرسل من كلام عروة، ولم ينسبه، ولم يذكر من حدثه بهذا. وقصة الغرانيق هذه، وأن الله عز وجل ألقاها على لسان نبيه، أو أن الشيطان -أقصد- ألقاها على لسان نبي الله صلى الله عليه وسلم، غير صحيحة. وقد ألف الإمام الألباني رحمة الله عليه رسالة في هذا الحديث وفي ضعفه، سماها: «نصب المجانيق في قصة الغرانيق». ومعنى الغرانيق: أي هذه الأصنام التي يعبدها المشركون. فهنا قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، قال: ﴿وَإِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى﴾، أي: هذه الأصنام، ﴿وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى﴾. وهذا إقرار لدينهم، إقرار لدينهم، وهذا مما لا يجوز على النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك أنكر الشيخ الألباني، بل ما أنكر قبله الشافعي رحمه الله وغيره، أنكروا هذه القصة؛ لأنها فيها إقرار لدين المشركين. ولو أنهم قالوا: إن الشيطان ألقى على نبيه، وأن هذه الكلمة سمعها المشركون ولم يسمعها المسلمون، وإنما النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين في حديث زيد بن ثابت: أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ والنجم كلها، ولم يذكر أنه جاءت في الآيات هذا الكلام، بل جاء أنه قرأ النجم حتى قال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وسجد المسلمون، وسجد معه المشركون، إلا رجلاً من المشركين. في رواية الصحيحين: أنه أمية بن خلف، وفي رواية ابن إسحاق: أنه الوليد بن المغيرة، وكان شيخاً كبيراً، فأخذ كفا من تراب وألقاه في جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال: فألقى الشيطان عندها كلمات: ﴿وَإِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى﴾. قال: فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، ودالت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ آخر النجم سجد صلى الله عليه وعليه وسلم، وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان شيخاً كبيراً، رفع من كفه تراباً فسجد عليه. وكما قلنا: أن في الصحيح أنه أمية بن خلف. وجاء أيضاً في بعض الأحاديث أنه أبو حيحة سعيد بن العاص. قال: فعجب الفريقان -تلاهما من جماعتهم- في السجود بسجود رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. وهذا كما قلنا موجود في الصحيحين: أنه لما سجد النبي صلى الله عليه وسلم بعد قراءة النجم، سجد المسلمون والمشركون. ولهذا جاء الخبر إلى من كان في الحبشة أن قريشاً قد أسلموا. قالوا: لم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم وأصحابه، لما ألقي في أمنية رسول الله، وحدثهم الشيطان أن رسول الله قد قرأها في السجدة، فسجدوا تعظيماً لآلهتهم. وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، ومنها ومن بها من المسلمين: عثمان بن مظعون وأصحابه. وحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا. أنا جاءهم الخبر أن أهل مكة أسلموا لما سجدوا، وأن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا شرعاً. وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأنزل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52]. ولكن قولهم: إن هذه الكلمات -﴿إِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى﴾- هذا لم يثبت. قال: فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، رجع المشركون إلى ضلالتهم وعداوتهم. وكان عثمان بن مظعون وأصحابه -عثمان بن مظعون هو جمحي قرشي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه كثيراً، وكان من خيرة الصحابة، ومات في السنة الأولى في المدينة-. قال: وكان عثمان بن مظعون وأصحابه فيمن رجع، فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة إلا بجوار، إلا بجوار. أن لما رجعوا ما أدخلوهم مكة، ما يدخل أحد إلا بجوار، معناه: يجيره أحد فيدخل. قال: فأجار الوليد بن المغيرة عثمان بن مظعون. فلما رأى عثمان ما يلقى أصحابه من البلاء، وعُذب طائفة منهم بالسياط والنار، وعثمان المعافى لا يعرض له -وقد جاء أيضاً إجارة الوليد بن المغيرة عثمان بن مظعون عن جماعة من التابعين، فالظاهر أنه صحيح-. قال: فلما رأى عثمان ما يلقى أصحابه من البلاء، وعُذب طائفة منهم بالسياط والنار، وعثمان المعافى لا يعرض له، استحب البلاء. سبحان الله! معناه: كان في أمن، لكنه لما رأى أصحابه يعذبون، ما ارتاح، يريد أن يبتلى مثلهم. فقال الوليد: يا عم، قد أجرتني، وأحب أن تخرجني إلى عشيرة، فتبرأ مني. فقال: يا ابن أخي، لعل أحداً آذاك أو شتمك؟ قال: لا والله، ما اعترض لي أحد، ولا آذاني. فلما أبى إلا أن يتبرأ منه، خرجوا إلى المسجد -المسجد معناه الكعبة-، وقريش فيه كأحفل ما كانوا، ولبيد بن ربيعة الشاعر ينشدهم. فأخذ الوليد بيد عثمان، وقال: إن هذا قد حملني على أن أتبرأ من جواره، وإني أشهدكم أني بريء منه، إلا أن يشاء. أنا إذا شاء أن يدخل في جواري أدخلته. فقال عثمان: صدق. وكانت العرب لا تغدر بالذمة، ولا تغدر بالجوار غالباً، خاصة إذا كان الذي أجر رجل من الكبراء. ولهذا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حماية عمه، لم يستطيعوا أن يؤذوه. ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه في جوار ابن الدغنة، دخل مكة بعد أن خرج، دخل مكة في جوار ابن الدغنة، فكان في جواره حتى ترك أبو بكر جواره. فقال عثمان: صدق، أنا والله أكرهته على ذلك، وهو منه بريء. ثم جلس مع القوم، فنالوا منه -أي: نالوا منه، أي: عذبوه مثلما عذب أصحابه-. قال موسى: وخرج جعفر بن أبي طالب وأصحابه فراراً بدينهم. طيب، إن شاء الله الآن سأذكر معنى خروج الصحابة إلى الحبشة، إن شاء الله تعالى، نتركه في درس القاهر.