التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 41

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 41

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الهجرة الثانية إلى الحبشة ومطاردة قريش للمهاجرين

يتناول هذا المحور خروج نحو ثمانين صحابياً بقيادة جعفر بن أبي طالب في الهجرة الثانية إلى الحبشة، وسعي قريش الحثيث لاستردادهم بإرسال عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا للنجاشي وبطارقته. يبرز المقطع بداية الأزمة السياسية والدبلوماسية التي واجهها المهاجرون في دار النجاشي.

مناظرة جعفر بن أبي طالب عند النجاشي وتلاوة سورة مريم

يركز المحور على جلسة المحاكمة أمام النجاشي حيث رفض تسليم المسلمين قبل سماع حجتهم، فقدم جعفر عرضاً بليغاً للإسلام وتلاوة من سورة مريم أبكت النجاشي وأساقفته. أقر الحضور بصحة الوحي ووحدانية المصدر الإلهي بين رسالة محمد وعيسى عليهما السلام.

نتيجة المناظرة وإقرار النجاشي بالنبوة ومناقشة الأسانيد

يستعرض هذا المحور رفض النجاشي القاطع تسليم المسلمين لقريش وإقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع توضيح خطأ بعض الروايات التي زعمت أمر النبي لأبي موسى الأشعري بالهجرة مع جعفر. يختم ببيان مكانة المهاجرين وثباتهم على دينهم.

خاتمة الدرس والإعلان عن استكماله لاحقاً

يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من أحداث الهجرة والمناظرة، ويؤكد على استكمال الموضوع في درس قادم إن شاء الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: وقال بإسناد، قال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وهذا إسناد حسن. قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع ما نكره. فلما بلغ ذلك قريشاً عمدوا أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي، أو أن يهدوا للنجاشي أن يُبَهَّى هدايا، فبعثوا بالهدايا مع عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وذكر القصة بطولها، وسيأتي إن شاء الله تعالى. رواه جماعة عن ابن إسحاق، وأكثرهم يذكر عمرو بن الوليد بن المغيرة، وفي حديث مصعب أنه عبد الله بن ربيعة مع عمرو بن العاص. وقال الواقدي: إن الهجرة الثانية كانت سنة خمس من المبعث، أي بعد الهجرة الأولى، صارت هجرة ثانية، تحرك فيها جماعة قرابة ثمانين رجلاً وامرأتين. وقال حديج بن معاوية، وحديج بن معاوية هو أخو الزهير بن معاوية الكوفي، وحديج في حفظه شيء لكنه حسن الحديث. قال: عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود، وهو عمه، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي، وابن مسعود ذهب في الهجرة الثانية. قال: ونحن ثمانون رجلاً، ومعنا جعفر وعثمان بن مظعون، وبعثت قريش عمارة وعمرو بن العاص، أي عمارة بن الوليد، وبعثوا معهما هدية إلى النجاشي. فلما دخلا عليه سجدا له، وبعثا إليه بالهدية، وقالا: إن ناساً من قومنا رغبوا عن ديننا وقد نزلوا أرضك، فبعث إليهم. فقال لنا جعفر: أنا خطيبكم اليوم، أنا سأكلمه. قال: فاتبعوه حتى دخلوا على النجاشي فلم يسجدوا له. فقال: ما بالكم لم تسجدوا للملك؟ فقال: إن الله قد بعث إلينا نبيه، أي جعفر يقول رضي الله عنه: إن الله قد بعث إلينا نبيه فأمرنا أن لا نسجد إلا لله. فقال النجاشي: وما ذاك؟ قال عمر: إنهم يخالفونك في عيسى. قال: وما ذاك؟ ما الذي ينكر في هذا؟ فقال عمرو بن العاص: إنهم يخالفونك في عيسى. قال: فما تقولون في عيسى وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو روح الله وكلمة ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد. فتناول النجاشي عوداً فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما تزيدون على ما يقول هؤلاء؟ ما يزن هذا. فمرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه نبيه، ووددت أني عنده فأحمل عليه، أو قال: أخدمه. فانزلوا حيث شئتم من أرضي. قال: فجاء ابن مسعود فشهد بدراً، أي ابن مسعود رجع بعد ذلك مع الذين رجعوا، وهاجر بعد ذلك إلى المدينة. قال: رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن حديج، فقال: عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة. عبيد الله بن موسى الأشجعي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وهذا إسناد حسن. عن أبي بردة عن أبيه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننطلق مع جعفر إلى الحبشة، وساق حديث حديج. أنا يشبه حديث ابن مسعود، لكن جعله عن أبي بردة عن أبي موسى. قالوا: يظهر لي أن إسرائيل وهم فيه، بمعنى إسرائيل وهم في هذا الحديث، فجعله عن أبي بردة، أو أن معنى هنا كأنه اختلاف عن أبي إسحاق. أبو إسحاق هنا رواه عن عبد الله بن عتبة عن أبيه، وهنا إسرائيل رواه عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، ولا شك أن إسرائيل أوثق، لكن إسرائيل وهم عندما أدخل حديثاً في حديث، فذكر أبو موسى أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر، وهذا خطأ. أبو موسى لم يكن في مكة حتى يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق مع جعفر، وإنما كان أبو موسى الأشعري باليمن، فلما أسلموا ذهبوا من طريق الحبشة، أي لما أسلموا وجدوا سفينة فأخذتهم هذه السفينة إلى الحبشة، وهذا من باب التوفيق ومن باب تيسير الله عز وجل لهم. فلما دخلوا الحبشة وجدوا جعفراً وأصحابه في الحبشة، فلما علموا أنهم من أهل الإسلام جلسوا معهم. وأما أنه أمره النبي صلى الله عليه وسلم فليس صحيحاً. رجعنا إلى تمام الحديث الذي سقناه عن أم سلمة. قالت: فلم يبق بطريق من بطارقة النجاشي إلا دفع إليه هدية، أي عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، قبل أن يكلم النجاشي، وأخبر ذلك البطريق بقصدهما. والبطارقة هم الذين يكونون كالوزراء عند الملك. قال: ليشير على الملك بدفع المسلمين إليهما. ثم قرّبا هدايا النجاشي فقبلها، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قدم إلى بلادك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرف نحن ولا أنت، فقد بعثنا إليك فيهم، أو بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من أقاربهم لتردهم عليهم، فهم أولى بهم عيناً وأعلم بهم بما عابوا عليهم، أي هم أعلم بهم لأنهم أهلهم. قالت أم سلمة: ولم يكن أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، أن يسمع كلام المسلمين. فقالت البطارقة حوله: صدقاً أيها الملك، قومهم أولى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم من دينهم. وهذا كله لأجل أن يحرصوا على أن لا يكلمهم فيسلمهم إليهما. فغضب ثم قال: لا، والله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقولون. أي ما أسلمكم، ناس وهم نزلوا عندي واختاروا جواري، لا بد من اختيارهم جواري له أمر. فأرسل إلى الصحابة فدعاهم. فلما جاءوا، وقد دعا النجاشي أساقفته، والأساقفة هم كبار النصارى من القسس والرهبان، قال: فنشروا مصاحفهم، وسألهم: ما دينكم؟ فكان الذي كلمه جعفر، فقال: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار. أن هذه الأشياء يفعلها الناس في الجاهلية: يعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويسئون الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك عن فترة من الزمن حتى بعث إلينا رسولاً، حتى بعث إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة، وأمرنا بالصدق والأمانة وصلة الأرحام، وعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه واتبعناه، فعدوا علينا قومنا فعذبونا، أي قاموا علينا وأظهروا العداوة. قال: فعذبونا وفتنونا عن ديننا وضيقوا علينا، فخرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: قال: هل معك مما جاء به عن الله بشيء؟ قال جعفر: نعم، وقرأ عليه صدراً من ﴿كهيعص﴾، أي سورة مريم. قال: فبكى والله النجاشي حتى أبل لحيته، وبكت أساقفته حتى أبلوا مصاحفهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ﴿ليخرج من مشكاة واحدة﴾. انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما. ولا يكاد، طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم.