المحاضرة بعنوان التحذير من الزيارات الشركية والبدعية، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٣ محرم ١٤٣٦هـ ألقاها
يتناول المقطع الأول حديثًا نبويًا يحذر من الاختلاف والفتن ويوصي بالتمسك بسنة النبي وطريقة الخلفاء الراشدين. يشرح كيف تغيرت زيارة القبور إلى ممارسات شركية.
يناقش المقطع الثاني أقسام الزيارات إلى ثلاثة أنواع: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، وزيارة شركية، ويوضح أحكام كل نوع منها. الزيارة الشرعية مشروعة إذا كانت تهدف إلى تذكر الآخرة.
يتناول المقطع الثالث حكم الزيارات التي تتم في الأضرحة والقبور، ويجب على المسلمين إنكار هذه الزيارات باليد أو باللسان أو بالقلب. يجب عدم المشاركة في مثل هذه الأعمال التي تعتبر منكرا.
يختتم المقطع الرابع بالدعاء باجتناب الفتن الظاهرة والباطنة والتحصين منها، والصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يعزز التمسك بالسنة النبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى وغيره بإسناد حسن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أمرهم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليهم عبد حبشي، ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: فإن من يعش منكم فسيرى اختلافًا وأمورًا تنكرونها»، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -وهم يسألونه الإرشاد لذلك والعمل إذا حصل ذلك- ماذا يصنعون؟ قال: «فإنه من يعش منكم فإنه سيرى اختلافًا وأمورًا تنكرونها، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا»، وذكر الحديث. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة ومسائل متنوعة، وكذلك دلائل، وفيه دلائل من دلائل نبوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ إذ أنه أخبر بأمور في المستقبل ستحدث وحدثت، حصل التفرق، حصل الاختلاف، حصلت الأمور التي ينكرها كل عاقل وينكرها كل مؤمن وينكرها كل صاحب فطرة سليمة وعادة مستقيمة، فظهرت البدع، وظهرت الفتن، وظهرت الشرور، وظهر الاختلاف والتنازع، والعياذ بالله. ومن أعظم ما حصل ويحصل أن ابتدع الناس وأحدثوا زيارات إلى أصحاب القبور والأضرحة، هذه زيارات ليس الغرض منها هو الغرض الذي لأجله شُرعت زيارة القبور التي بينها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه وأرضاه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «كنتم نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكر بالآخرة». هذا تعليل لزيارة القبور؛ فإنها تذكر بالآخرة. ولكن تغير الأمر، فصار الناس أو كثير منهم -ممن تغيرت فطرهم ودخلت عليهم ما دخلت من ألوان البدع والشرور- يزورون القبور لا لأجل الاتعاظ، ولا لأجل التذكر بأحوال الموت، ولكن يزورون القبور لاعتقادات فاسدة، فرب زائر يزور القبور -ليس كل القبور، بل لأناس مخصوصين يزعمون أنهم أولياء- والله جل وعلا هو أعلم بمن كان وليًا له ممن لم يكن وليًا له. يزورونهم لأجل أنهم يعتقدون فيهم عقائد المشركين الأول في آلهتهم، طائفة من أولئك الذين يزورون الأضرحة ويجعلون لها مزارات في أزمنة مخصوصة ومواعيد محدودة يزورونها؛ لأجل أنهم يعتقدون أن أولئك المقبورين لهم قوة وقدرة على نفع من أقبل عليهم وتوجه إليهم واستغاث بهم ودعاهم، يعتقدون فيهم اعتقاد الجاهليين في آلهتهم: أن أولئك المقبورين لهم تصرف في إغاثة من استغاث بهم، وإجابة من دعاهم، وإعطاء من سألهم، أنزلوهم منزلة رب العالمين تبارك وتعالى، فلا حول ولا قوة إلا بالله. والعلماء رحمهم الله تعالى لما ظهر ما ظهر من الزيارات الشركية والبدعية بينوا أحكام الزيارات، وأن الزيارات تنقسم إلى أقسام ثلاثة: إلى زيارة شرعية، وإلى زيارة بدعية، وإلى زيارة شركية. فأما الزيارة الشرعية فهي التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث بريدة: «كنتم نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكر بالآخرة»، ولا يخصص بيوم معين، ولا في زمن معين، ولا بهيئة معينة، بل متى ما زار القبور زارها، وكان غرضه من تلك الزيارة هذا المعنى، وما كان كذلك في معنى من العلل الشرعية المعتبرة: أن يسلم عليهم، وأن يتذكر أحوالهم، ما شابه ذلك، هذه زيارة مشروعة، ومستحبة. لكن كذلك بشرط أن لا يحصل فيها شد الرحال؛ بمعنى لا ينوي الإنسان السفر من بلد إلى بلد أخرى مسافة قصر لأجل زيارة قبر ما؛ لأن مثل هذا الفعل لا يجوز، أي شد الرحال، ومعنى شد الرحال: السفر إلى قبر معين لأجل زيارته فقط، ولو كان ذلك القبر قبر نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لا يجوز أن يقصد بسفر لأجله فقط؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي في صحيح البخاري وغيره: «لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى»، هذه المساجد فقط التي تشد إليها الرحال؛ بمعنى تقصد بالسفر. وأما أن تزار القبور ونحوها مسافة قصر لأجل الزيارة فحسب؛ فهذه تخرج عن النوع الأول وتدخل في النوع الثاني. ما هو النوع الثاني؟ الزيارة البدعية. والزيارة البدعية -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى- هي إما أن تكون زيارة بدعية باعتبار شد الرحال لزيارة قبر ما؛ زيارة يعني ماذا؟ كما يقال: زيارة مطلقة؛ ليست فيها تعلق بشيء من العقائد، لكن أن يشد الرحال لأجل زيارة ذلك القبر؛ هذه زيارة بدعية منهي عنها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال...»، وهذا نهي، والأصل فيه التحريم. ومنها أيضًا أن يزار القبر أو القبور أو الأضرحة اعتقادًا في تلك البقعة وذلك المكان أنه فيه بركة، وأنه مكان لحصول الرحمات والبركات والخيرات من الله رب العالمين جل وعلا؛ أن يعتقد ذلك المكان وتلك البقعة التي يزورها أنها مكان لحصول الخيرات والبركات؛ هذه زيارة كذلك من زيارة مبتدعة، يسميها العلماء زيارة بدعية؛ أي: غير شرعية، لا تجوز. والقسم الثالث -وهو أشدها وشرها- أن تزار القبور لأجل اعتقاد نفعها بذاتها أنها تجلب نفعًا أو تدفع ضرًا؛ أنها أي: أن تلك القبور التي قد دُفن فيها من دُفن من الأولياء والعظماء -زعموا- أن لهم تأثيرًا في الكون في جلب نفع، وفي دفع ضر، وفي إجابة دعوة، وإعطاء سائل، وإغاثة مستغيث، وإعانة لاهف، إلى غير ذلك من المعاني التي هي في الحقيقة من حقوق الله تبارك وتعالى وخصائصه. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:62]، فلا إله مع الله يستطيع أن يفعل ذلك. أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض؟ فالله تبارك وتعالى وحده الذي له القدرة على ذلك. فمن اعتقد في غير الله جل وعلا أنه يقدر على ذلك كقدرة الله تبارك وتعالى؛ فإنه وقع في الشرك الأكبر، ومن زار وليًا أو قبرًا أو ضريحًا لأجل هذه العقيدة وهذه النية وهذا المعنى؛ فإن زيارته شركية والعياذ بالله. فالزيارات التي يدعو إليها من يدعو في هذه الأيام وفي هذه الأزمان لا تخرج عن أن تكون إما من النوع الثاني وإما من النوع الثالث؛ أي: إما أن تكون زيارة بدعية وإما أن تكون زيارة شركية. وقد يقول قائل: ربما خرج في تلك الزيارات من ليس على عقيدة أصلا، وإنما خرج لأجل ماذا؟ إما لأجل الأكل والشرب، أو بعضهم ربما خرج لأجل معنى فاسد، ولا سيما أن هذه الزيارات التي تحصل بين سنة وأخرى أو في كل سنة يحصل فيها ما يحصل من اختلاط الرجال والنساء، فبعضهم ربما يخرج لهذا الغرض الفاسد، بعضهم يخرج لأجل بطنه؛ إما أن يقول: هذا موسم وأبيع فيه ما أبيع من أنواع المآكل والأطعمة، وآخر يقول: آكل فيها ما آكل، وآخر يخرج لأجل الفتنة، وكل ذلك لا يجوز؛ لأن أقل أحواله أن يكون ذلك الخارج معهم مكثرًا لسواد أهل الشر ومعاونًا لأهل المنكر. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2]، وربنا تبارك وتعالى وصف أهل الإيمان الذين هم عباد الرحمن بقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:72]، وهذا من الزور والعياذ بالله، بل ومن أعظم الزور. وإذا مروا باللغو مروا كرامًا، هذا هو حال أهل الإيمان، لا يشهدون الزور، وإذا سمعوا ابتعدوا ونأوا وأعرضوا؛ لأن هذا منكر يجب إزالته على من قدر على ذلك، ولا سيما أولوا الأمر؛ يجب عليهم إنكار هذا المنكر؛ لأن انتشار مثل هذا المنكر هو من أعظم الأسباب النكبات والعياذ بالله؛ ظهور البدع والشرك والخرافات ظهورًا واضحًا جليًا على مسمع ومرأى دون نكير؛ هذا من أعظم الفتن المجلب للفتن، المجلب للمصائب، المسبب كذلك لألوان وصنوف من البلايا والعياذ بالله. فهذا الأمر -كما سمعتم- أقل أحواله أن ينكر من استطاع أن ينكره بيده من أهل السلطات، من ولاة الأمور ممن فوضهم الله جل وعلا في أمور المسلمين؛ واجب عليهم ذلك، ومن استطاع أن يبين بلسانه أن ينكر بلسانه أن يبين بطلان هذه الزيارات كذلك واجب عليه ذلك، ومن لم يستطع؛ لا أقل من أن ينكر بقلبه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فهو أضعف الإيمان في هذا الباب أن تنكر المنكر بقلبك إن لم تستطع بيدك ولا بلسانك. فواجب على كل مسلم الإنكار بالقلب، ومن استطاع باللسان وجب عليه، ومن استطاع باليد وجب عليه. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يعيدنا وإياكم والمسلمين من شر كل ذي شر، إنه قريب مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.