المحاضرة بعنوان فضل العشر من ذي الحجة وأحكامها، وكانت بمسجد الخير بمنطقة الخزان الجمعة 26 ذو القعدة 1433هـ ألقاها
يتناول فضل العشر من ذي الحجة وأهمية الأعمال الصالحة فيها، ويبين أن العمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله من غيرها. يشدد على أهمية الإخلاص لله وموافقة سنة الرسول في الأعمال الصالحة.
يُشدد على أهمية الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة، ويوضح أن هذه الأعمال أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا في حالة واحدة. يُبين فضل الحج وأعماله العظيمة مثل الوقوف بعرفة.
يشرع للمسلمين الإكثار من الطاعات مثل الصلاة والصيام، ويستحب صيام يوم عرفة لما له من أجر عظيم. كما يحث على البقاء في المسجد وانتظار الصلاة لما في ذلك من فضل.
يتناول أبواب الخير والعمل الصالح في العشر من ذي الحجة، مثل ذكر الله وقراءة القرآن والصدقات. كما يشير إلى أهمية الأضحية وأحكامها في يوم النحر.
ذهب بعض العلماء إلى وجوب الأضحية على المستطيع، والمستطيع هو من عنده زيادة على ما يحتاج أهله من النفقة. ومن عزم على الأضحية فعليه الامتناع عن قص الشعر والأظفار منذ دخول العشر.
﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا﴾. أما بعد، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم ما بعد، فنحمد الله جل وعلا أولا وآخرا وظاهرا وباطنا على عظيم إنعامه على عباده. فالله جل وعلا يمن على عباده بأنواع من النعم وأنواع من المكارم والفضائل ليلا ونهارا وسرا وجهارا، فلله الحمد رب العالمين جل وعلا. وإن من الفضائل والنعم التي أنعم الله جل وعلا بها على عباده هذه النعم التي نحن فيها، نعم التزاور في الله رب العالمين جل وعلا، والتناصح لله رب العالمين جل وعلا، والتذاكر لكتاب الله جل وعلا ولسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. في وقت كثرت فيه الفتن وارتفعت فيه أصواتها، وصار لها أبواق ينفخون فيها ليلا ونهارا في أوساط المجتمعات. ونحن بحمد الله جل وعلا نتقلب بهذه النعم، نعم التذاكر لكتاب الله جل وعلا ولسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا على شكر نعمه، وأن يرزقنا سبحانه وتعالى نعما فوق نعمه وفضلا فوق فضله، إنه كريم جواد. ثم أما بعد، فكما يعلم الجميع أننا قادمون بإذن الله جل وعلا على موسم عظيم من مواسم الخيرات، ومن مواسم الفضل، ومن مواسم الإنعام من الله رب العالمين جل وعلا. فلذا أحببنا أن يكون الموضوع، وأن تكون الكلمة بإذن الله جل وعلا على فضل العشر من ذي الحجة وأحكامها. فلا يقف على كثير من إخواننا حفظهم الله جل وعلا ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من العشر يعني من عشر ذي الحجة». فقال الصحابة الكرام لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بماله وأهله أو قال بماله بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». نقف وقفات مع هذا الحديث العظيم، نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي ما من خير إلا ودل أمته عليه، وما من شر إلا وحذرها منه. يبين لأمته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هذه الفضيلة، وهي فضيلة العشر من ذي الحجة. فقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأصحابه: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله». وتأمل معي إلى هذه الألفاظ، وإلى ما تضمنتها هذه الألفاظ من معاني عظيمة جليلة لمن تدبرها. ما من أيام أي ليس ثم أيام تدنو ولا تقرب من هذه الأيام، أي من أيام العشر من ذي الحجة في العمل الصالح. ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله. وتأمل كذلك إلى قوله: «أحب إلى الله». فالعمل الصالح أصلا محبوب إلى الله جل وعلا، والله جل وعلا يرضاه ويأمر به ويحث العباد على فعله. وفي هذه الأيام خاصة يزداد حب الله جل وعلا للعمل الصالح في هذه الأيام. فإذا نستفيد من هذا أن في هذا الحديث حث من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على التزود من الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر، والمسارعة في طاعة الله رب العالمين جل وعلا، وكذلك المسابقة إلى طاعة الله جل وعلا في هذه الأيام المباركة بإذن الله جل وعلا. وكذلك انظر إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «العمل الصالح». أي أن المحبوب من الأعمال في هذه الأيام العمل الموصوف بأنه صالح. والعمل الصالح كما هو معلوم ومقرر أنه لا يكون صالحا إلا إذا جمع أمران: إذا جمع العمل الصالح إذا جمع أمران فهو ماذا؟ فهو عمل صالح، وإلا فلا. وهذه الأمران مجمع عليهما: الأمر الأول أن يكون خالصا لله رب العالمين جل وعلا. أن يكون خالصا لله رب العالمين جل وعلا، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة». والأدلة في ذلك كثيرة. وكذلك لابد أن يكون العمل وهو الشرط الثاني أن يكون موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لقول الله جل وعلا: «وإن تطيعه تهتده». وقال الله جل وعلا: «قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول». وقال الله جل وعلا: «وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا». وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». إذن العمل يكون صالحا إذا اجتمع فيه هذان الأمران: الإخلاص لله رب العالمين جل وعلا، فلا ينظر العبد في عمله إلى أحد سوى الله، ولا يتوجه بعمله إلى أحد سوى الله جل وعلا. يعبد الله جل وعلا لوجه الله جل وعلا، يتقرب إلى الله جل وعلا بآمر منع العبادة لله رب العالمين. فلا ينظر إلى أحد، لا قريب ولا بعيد، لا ينظر لأجل الثناء بأن يقال: فلان مجتهد في العبادة في هذه الأيام، فلان مجتهد في الصيام، مجتهد في القيام، مجتهد في الصدقات. لا ينظر إلى ثناء الناس، ولا ينظر إلى أحد من عباد الله جل وعلا، بل ينظر إلى الله رب العالمين جل وعلا. لأن الله جل وعلا هو الذي مدحه زين وذمه شيء، بخلاف المخلوق مهما مدحك المخلوق والله جل وعلا ليس براض عنك، فلينفعك مدحه اليوم، وهو مادح لك، وغدا يذمك، والعكس بخلاف إذا رضي الله جل وعلا عليه، وكان العمل لله رب العالمين جل وعلا، فهنا تكون الثمار في العاجلة وفي الآخرة بإذن الله رب العالمين جل وعلا. وأيضا ينظر الإنسان إلى هذه الأعمال، وهل هي مشروعة شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نعليها أمرنا بها أم لا؟ فإن كان كذلك، أي إن كان أد أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلينا أن نسارع، وأن نقتح بأن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وإذا رأينا أن العمل لم يحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به، فإذا لا نصنع شيئا من أعمال، لأن الأعمال إذا لم يكن قد أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي ليست من دين الله جل وعلا. فهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هذا الحديث بهذا الأسلوب من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عمل ما من عمل العمل الصالح فيه أحب إلى الله من أيام العشر». فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ وهذا لما قد تقرر عند الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم من فضل الجهاد في سبيل الله، وأنه من أعظم القربات إلى الله، بل هو ذروة سنام الإسلام. ومع هذا يقول لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». تأمل وقف متأملا متدبرا متمعنا إلى هذا الحديث، كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول لك أيها المسلم، ويقول لأهل الإسلام كافة بأن الأعمال الصالحة في هذه الأيام في أيام العشر هي أعظم من الجهاد في سبيل الله جل وعلا إلا في حالة واحدة محصورة يكون الجهاد أفضل منها. ما هي هذه الحالة؟ أن يخرج المجاهد في سبيل الله جل وعلا بنفسه وماله فلا يرجع من ذلك بشيء، أن يموت في سبيل الله جل وعلا ويذهب ماله في سبيل الله رب العالمين جل وعلا. إن حصل هذا الأمر من المجاهد بهذين الوصفين كان عمل المجاهد في هذه الحالة أفضل من العمل الصالح في أيام العشر. فإن لم يكن، فالعمل الصالح في الأيام العشر أفضل. يعني إذا علمنا هذا المعنى، وتيقننا هذا المعنى، فهل يستطيع مسلم أن يتخلف عن ذلك؟ أي عن العمل الصالح في هذه الأيام العشر، والإكثار من العمل الصالح في هذه الأيام العشر؟ الجواب: لا، لمن كان عنده إيمان ويقين، وعنده كذلك مسكة عقل. فلأجل هذا إن علم المسلم هذا المعنى، كان ذلك حافزا له للمسارعة في طاعة الله رب العالمين جل وعلا، واستباق الخيرات إلى غير ذلك من المعاني. ولأجل هذا أي من تدبر في أمور العشر من ذي الحجة، رأى أن فيها أعمالا عظيمة، خاصة وعامة. أي في أيام العشر هناك أعمال جليلة عظيمة كبيرة لمن تدبرها. من هذه الأعمال التي تكون في العشر في العشر من ذي الحجة أعمال خاصة، ومنها تكون أعمال عامة. فأما الأعمال الخاصة، فكما لا يخفى على أحد من أهل الإسلام ما يكون في هذه العشر من الموسم العظيم من مواسم الإسلام وأهله، وهو موسم الحج، موسم الحج لمن يسر الله جل وعلا له الحج. فهو موسم عظيم من مواسم الخيرات، ومن مواسم الطاعات، ومن مواسم البر. فيه شعيرة هي من أعظم شعائر هذا الدين، وفيه ركن هو من أركان هذا الدين، هو ركن الحج إلى بيت الله جل وعلا لمن استطاع إليه سبيلا. وتعلمون فضل الحج، وتعلمون ما أعد الله جل وعلا للحجيج من الفضائل، ومن المناقب، ومن الثواب، ومن الأجور. وحسبك بفضل الحج أنه أحد أركان الإسلام، أنه أحد أركان الإسلام العظام، به يكمل الإنسان إسلامه بإذن الله جل وعلا، أي ممن استطاع الحج فحج إلى بيت الله المحرم. وكما هو معلوم بأنه ركن من أركان الإسلام، كما جاءت السنة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا». وإذا نظرنا في أعمال الحاج، وما يقوم به من الأعمال العظيمة الجليلة، لا رأينا أن الحاج يتنقل من عمل فيه كفارة للذنوب إلى عمل آخر فيه كفارة للذنوب. ومن ذلك أي من هذا مثلا على سبيل المثال الوقوف بعرفة. جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم ما من يوم أعظم أو قال يُعْتِقُ الله جل وعلا فيه من النار من يوم عرفة». ما من يوم يعني أكثر أو أعظم من أن يُعْتِقَ الله جل وعلا فيه الرقاب من النار من يوم عرفة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنه ليدن، أي أن الله جل وعلا ليدن، وإنه ليباهي، ليباهي بالملائكة الحجيج يوم عرفة، ويقول لهم: انظروا إلى هؤلاء». يقول: «انظروا إلى هؤلاء». وجاء عند ابن ماجة من حديث جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويدن الله جل وعلا فيباهي بهم الملائكة، ويقول: انظروا إلى عبادي جاءوا شعثا غبرا». الحديث. وكذلك من الفضائل الكثيرة التي جاءت في ذلك أنه في اليوم العاشر، وهو المسمى بيوم النحر، وصفه ربنا جل وعلا بأنه «اليوم الحج الأكبر». وأذن في الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله. فوصف الله جل وعلا ذلك اليوم، اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم النحر، بأنه «اليوم الأكبر». قال علماء رحمهم الله تعالى: وسمي باليوم الأكبر لأنه تجتمع فيه أربعة أعمال الحاج: تجتمع فيه أربعة أعمال الحاج: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وذبح الهدي أو نحره، والطواف، وطواف الإفاضة. فتماه الله جل وعلا يوم الحج الأكبر في اليوم العاشر من ذي الحجة. وكذلك من الفضائل العظيمة الجليلة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في فضله من مسح على الحجر الأسود في فضل من مسح على الحجر الأسود. قال النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ماذا؟ بأنه يحط الخطايا حطا، بأنه يحط الخطايا حطا. هذا لمن يتطوع إليه دون أن يسبب ضررا على نفسه، ولا على غيره. دون أن يسبب ضررا على نفسه، ولا على غيره. إذن لو رأينا في أعمال الحاج لو وقفنا ودرسنا في أعمال الحاج، لرأينا أعمالا عظيمة ومكفرات كثيرة وكبيرة لفضل الله رب العالمين جل وعلا. ولم يكن الفضل قاصرا ومحصورا على الحجيج دون غيرهم، بل الله جل وعلا جعل في العشر كما سمعتم فضائل خاصة، وفضائل أخرى عامة. والفضائل العامة هي لجميع أهل الإسلام، لجميع أهل الإسلام في هذه العشر. فإذا دخلت العشر، فيشرع بل يستحب لأهل الإسلام أن يشارعوا في أنواع الطاعة التي يستطيعون أن يعملوها مما شرعه الله جل وعلا لهم من الأعمال. يكثرون من الصلوات المشروعة، أي صلاة مثلا الضحى، صلاة النوافل المطلقة، صلاة قيام الليل، أنواع الصلوات. يكثرون منها، ويحافظوا عليها، على الصلوات المفروضة، ويزدادوا إلى الصلوات المفروضة صلوات أخرى مستحبة، وهي من النوافل. وإذا نظرنا إلى باب الصيام، إذا نظرنا إلى باب الصيام أيضا، يستحب للمسلم أن يكثر من الصيام في الأيام العشر، إلا يوم النحر، أي يوم العيد، فإنه لا يشرع فيه الصيام. فيشرع الصيام في العشر من ذي الحجة من أوله إلى يوم عرفة. بل جاء الترغيب وجاء الحث العظيم في صيام يوم عرفة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية وسنة قادمة أو قال سنة من قبل وسنة من بعده». فيوم واحد من الأيام يكون بإذن الله جل وعلا مكفرا لخطايا وذنوب عامين. لذا كان القول الصحيح من أقوال العلماء أن أفضل صيام النافلة هو صيام يوم عرفة، أفضل صيام النافلة هو صيام يوم عرفة لهذا الحديث. وتعلمون ما جاء كذلك في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». من صام يوما في سبيل الله في أي أيام السنة التي يشرع فيها الصيام من أيام السنة إلا ما استثني من ذلك. باعد الله جل وعلا وجهه عن النار سبعين خريفا. فكيف بمن صام في هذه الأيام التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح فيها أحب وأفضل إلى الله جل وعلا من غيرها من الأيام؟ «ما من عمل أحب إلى الله العمل الصالح فيه أحب إلى الله من أيام العشر». فأيام العشر فيها كما سمعتم أنواع من الطاعة، وأنواع من العبادة. أنت أيها المسلم لو أنك جئت إلى المسجد، تطهرت وأحسنت الوضوء والطهارة، ثم جئت إلى المسجد. جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي هريرة: «ما من أحد منكم يتوضأ فيسبغ أو قال فيحسن الوضوء ثم يأتي المسجد لا يريد إلا المسجد، إلا قال فلم يقض خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت به أو وحط له بها خطيئة، قال حتى يأتي المسجد». قال: «فإذا صلى ما كتب الله جل وعلا من الصلاة، ثم انتظر الصلاة، قال ثم انتظر الصلاة، قال فهو في صلاة، فهو في صلاة منتظر الصلاة». أنت أيها المسلم إذا جئت إلى المسجد مثلا في صلاة المغرب، وبقيت في المسجد تنتظر الصلاة الأخرى إلى صلاة العشاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنت في صلاة ما دمت في ماذا؟ في المسجد». بل جاء في الحديث أن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» إلى آخر الحديث. ما دمت في المصلاة، أنت في صلاة ما دمت أنت في المصلاة تنتظر الصلاة. فإن الملائكة تصلي عليك، تدعو لك أيها المسلم. بل جاء في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من خرج وبقي من بقي، أي في المسجد ينتظرون الصلاة الأخرى. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا. فقال وهو يشير بإصبعه إلى السماء: «لقد فتح باب من أبواب السماء». فقال: «ربنا جل وعلا فدح بابا من السماء، وإنه ليباهي بكم ملائكته، يباهي بكم ملائكته، ويقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا صلاة وينتظرون أخرى، قد قضوا صلاة وينتظرون أخرى». انظر إلى هذا الفضل، أنت أيها المسلم إذا كنت في الأيام في كل أيام العام إذا كنت تعمل هذا العمل: تصلي الصلاة على الوصف المذكور، وتنتظر الصلاة الأخرى. انظر إلى هذا الفضل، أنت في صلاة، الملائكة تدعو لك، وربك جل وعلا من السماء يفتح بابا، ويقول للملائكة: «انظروا إلى عبادي أن يباهي الله جل وعلا بعباده الذين ينتظرون الصلاة إلى الصلاة يباهي بهم الملائكة، ويقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا صلاة وينتظرون أخرى، وينتظرون أخرى». وهذا كما ترون من العمل الصالح، هذا من العمل الصالح. فكيف بمن حافظ على هذا العمل الصالح في أيام العشر في أيام العشر من ذي الحجة؟ رابط ولازم المسجد والصلوات، وانتظر الصلاة إلى الصلاة. كيف يكون أجره وثوابه في هذه الأيام المباركات بإذن الله رب العالمين؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم يحث على البقاء في المسجد وانتظار الصلاة. بل سمى النبي صلى الله عليه وسلم البقاء في الصلاة بأنه رباط، بأنه رباط. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «و انتظار الصلاة إلى الصلاة فذلكم الرباط». فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، أي ذلك الرباط لمن أراد الرباط. ذلك الرباط لمن أراد الرباط من لم يستطع الرباط كما هو حال أكثر أهل الإسلام في هذه الأيام، ما يستطيع أن يرابط في الثغور، ما يستطيع أن يفعل. لكن عندنا من الأعمال ما توازي هذه الأعمال بإذن الله رب العالمين جل وعلا، وبفضل الله رب العالمين جل وعلا. ما هي هذه الأعمال؟ أن نرابط في بيوت الله جل وعلا، وأن ننتظر الصلاة في بيوت الله جل وعلا. انتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلك مرابط، فذلك مرابط. فكيف بمن ضم إلى هذا العمل بأن كان تاليا لكتاب الله جل وعلا، بأن كان تاليا للقرآن، يقرأ القرآن ويتدبر القرآن، ويتلذذ بعبادة الرحمن جل وعلا بتلاوته القرآن؟ كيف ينال من الأجور والثواب والحسنات؟ إذا كان يعني جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه يقول: «لا أقول ألف لام من حرف، بعد أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». قال: «لا أقول ألف لام من حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، ومن حرف». يعني يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه بأنك لو قرأت ألف لام من، قرأت ثلاثة أحرف، وفي كل حرف عشر حسنات. فما ذلك بمن قرأ آيات عشر، آيات عشرين، آية، ثلاثين، آية، مئة آية؟ كيف ينال من الخير والثواب والأجور العظيمة؟ ينال الشيء الكثير. بل نبينا صلى الله عليه وسلم يقول مغريا ومحرضا لهذا الأمر لأصحابه: «هل أدلكم على عمل هو خير لكم من الصدقة بالذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله». وفي لفظ آخر: «ألا أدلكم على ما هو خير لكم من إنفاق الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تسبيح، وتكبير، وتهليل». وفي حديث آخر معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيتم لو ذهب أحدكم إلى بطحان فأتى بناقة أو ناقتين كمواتين سمينتين، فقربهما في سبيل الله جل وعلا، أيحسن أن يفعل ذلك؟ قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله. قال: فوالله لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيقرأ آية أو فيقرأ آيتين خير له من ناقتين سمينتين، ولأن يقرأ أحدكم ثلاث آيات خير له من ثلاث، ولأن يقرأ أحدكم أربع آيات خير له من أربع، تضعفون في الأجر على حسب ما تزيدون في القراءة». انظر إلى هذا الفضل العظيم، كلما بقيت في المسجد تذكر الله، تقرأ القرآن، تتلو القرآن، ينالك الأجر العظيم بإذن الله رب العالمين جل وعلا. وإذا رجعت إلى باب آخر من أبواب العمل الصالح، بقيت في بيتك أو في المسجد أو في عملك أو في السوق أو في البحر أو في البر أو في أي مكان، بقيت تذكر الله، تسبح الله، وتكبر الله، وتحمد الله، وتهلل الله إلى غير ذلك. فإن لك بكل تكبيرة حسنة، وبكل تهليلة حسنة، وبكل تسبيحة حسنة، وبكل استغفار حسنة إلى غير ذلك. بل نبينا صلى الله عليه وسلم كما عند النسائي من حديث عبد الله بن بسر يقول: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا». طوبى له، وطوبى قيل بأنها البشرى، وقيل بأنها شجرة في الجنة، وقيل بأنها الجنة إلى غير ذلك. والمعاني متقاربة. يعني انظر إلى هذا الفضل: طوبى لمن وجد في صحيفته غدا بين يدي الله جل وعلا استغفارا كثيرا. فكيف بمن جاء بإثقال التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إلى غير ذلك؟ وهي أعمال سهلة لمن وفقه الله جل وعلا لها. يستطيع أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، واستغفر الله، وهو في سيارته، وهو في سوقه، وهو في عمله، وهو في بيته، وهو في مسجده، في أي مكان. ولك أيها المسلم في كل تكبيرة حسنة، وفي كل تهليلة حسنة، وفي كل تسبيحة حسنة إلى غير ذلك. هذا باب آخر من أبواب العمل الصالح. وإذا نظرنا إلى باب آخر من أبواب العمل الصالح، وهو باب الصدقات والنفقات، وإطعام الفقراء والمحتاجين، وإطعام الجيران، وإطعام القربى إلى غير ذلك. هذا أيضا باب آخر من أبواب الخيرات، من أبواب الخيرات. أي أن تطعم الطعام، وأن تتصدق، وأن تنفق في سبيل الله جل وعلا بأنواع النفقات: بالمال، بالجاه، بالشفاعة، كل على حسبه. كل على حسبه. فهذه كلها من الصدقة. وهذا باب آخر من أبواب الخير. وإذا نظر إنسان كذلك إلى باب آخر من أعمال الخير، مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا باب آخر من أبواب الخير. يأمر بالمعروف إذا رأى معروفا، إذا رأى شيئا يحتاج إلى أمر يأمر. أبناءه في البيت يأمر، إخوانه في البيت يأمر، آباءه إذا رأى أنهم يحتاجون إلى نصيحة برفق وعلم وحلم، هذا من الأمر بالمعروف. وإذا رأى منكرا أنكره إن استطاع بيده، فإن لم يستطع بلسانه، إن لم يستطع بقلبه، وذلك أدنى أو أضعف الإيمان. هذا من عمل الصالح، هذا من الإيمان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكل بحسبه، وكل بحسبه. يعني كل واحد يستطيع أن ينصح، وأن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر في أهل بيته. إذا استطاع أن يتوسع أكثر في جيرانه، في سوقه، في مدرسته، في مسجده إلى غير ذلك. هذا باب آخر من أبواب من أبواب الخير. ومن أبواب الخير أيضا إعانة الناس في حوائجهم. أن تعين إنسانا يحتاج إلى أن تساعده في عمل، شيء يقيمه، ما استطاع أن يحمله، أن تعينه. صدقة. تحمل متاعه إلى سيارته، إلى دابته، هذه صدقة. كما جاء في حديث أبي ذر وغيره في صحيح مسلم، وجاء كذلك في حديث أبي هريرة بنحوه. وتعين صانعا صدقة، أي صانعا في صنعته تعين. صدقة. وهذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن أبواب الخير كثيرة، على أن أبواب الخير كثيرة ومتنوعة بحمد الله رب العالمين جل وعلا. ما انقطع عمل إلا وانفتح عمل آخر. من لم يستطع عملا يستطيع أن يعمل عملا آخر. والموفق من وفقه الله جل وعلا لتنويع الأعمال، والمبادرة فيها بشتى الأنواع، أنواع الأعمال الذي يستطيع أن يعملها لله رب العالمين جل وعلا، ومتوفيقه. هذه جملة من الأمور والفضائل في مسألة العشر، في مسألة العشر وفضل العشر إلى غير ذلك. والأمر يحتاج إلى مزيد. لكن كما يقال: «والحليم بالإشارة يهتدي». فننتقل إلى الجزء الآخر، والشطر الآخر من هذه الكلمة، وهي الكلام على بعض أحكام العشر، الأحكام التي تكون في أيام العشر. لا شك ولا ريب أن أعظم الأعمال وأجل الأعمال في أيام العشر إلى جانب ما تقدم ذكره هو ما يكون من أمر الأضحية، ما يكون من أمر الأضحية في يوم النحر لمن كان سواء كان حاجا أو كان غير حاج. يعني الحاج له أن يهدي، وله كذلك أن يضحي، وغير الحاج له كذلك أن يهدي، وله كذلك أن يضحي. على تفصيل أحكام الأضحية سيكون ذكرها بإذن الله جل وعلا في مسألة الأضحية. والكلام على الأضحية وأحكام الأضحية كثير ومتشعب، ولكن نذكر بإذن الله جل وعلا كما يقال: «ما هو خلاصة لهذه الأحكام بإيجاز بإذن الله رب العالمين جل وعلا». فأولا الأضحية، قال العلماء رحمهم الله تعالى: سبب تسميتها بهذا الاسم لأنها تذبح ضحى، لأنها تذبح ضحى. فسميت أضحية. وقيل: لأن جلودها كانت تضحى، أي تجف في الضحى. فسميت أضحية. وقيل غير ذلك. والأضحية هي تلك الذريحة التي يذبحها المسلم تقربا إلى الله جل وعلا بأوصاف معلومة، وشروط مخصوصة، سيأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا. وأما بالنسبة لحكم الأضحية، فالعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا في حكمها خلافا مشهورا. فمنهم من ذهب إلى استحبابها، ومنهم من ذهب إلى كراهة تركها، ومنهم من ذهب إلى وجوبها على المستطيع. وهذا القول هو الذي ذهب إليه أبو حنيفة، ومالك في رواية، والإمام أحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقال: «وهذا الذي ينبغي أن يكون في حكم الأضحية، لما ذكر في الأضحية من أمور، وذكر في الأضحية من أدلة تدل على وجوبها». من ذلك قول الله جل وعلا: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ». قالوا: الوجوب. وكذلك إلى جانب هذا الأمر، قالوا: يستدل لذلك بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذبح الأضحية. فلم ننقل عنه قط صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأضحية، بل كان يضحي دائما حتى لقي ربه جل وعلا. فلأجل هذا كما سمعتم ذهب من ذهب إلى وجوب الأضحية، وهو الذي كذلك رجحه واستظهره من المعاصرين العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. وهذا أمر، وكما ذكر أن الوجوب ها هنا يكون على المستطيع. والمستطيع هو الذي تكون عنده زيادة على ما يحتاج أهله من النفقة. عنده زيادة على ما يحتاج أهله من النفقة. أما إذا كان عنده مال يحتاجه في نفقة، إذا كان عنده مال يحتاجه في بعض الضروريات، عنده مال يحتاجه في قضاء دين أو نحو ذلك، فيقدم غير ذلك، أي يقدم الأولى، يقدم الأولى على الأضحية. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والله جل وعلا يقول: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». فإذا تكون الأضحية بحسب الاهتمام، أضحية بحسب الاستطاعة لمن قدر عليها. ومن الأمور التي ينبغي كذلك أن نعلمها في الأضحية، ولا سيما إلى قرب العشر، أننا يعني ينبغي لنا أن نعلمها رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا». من أراد أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا. أي لا يمس من الشعر سواء كان شعر رأس أو كان غيره من الشعر. وكذلك من البشر قيل: المراد به الجلد الزائد. وكذلك ذكر علماء رحمهم الله تعالى: يدخل فيه كذلك الأظفار. يدخل فيه الأظفار. فمن عزم على أن يضحي فبمجرد أن يدخل العشر، فلا يمس شيئا من هذه الأمور: لا يمس شيئا من هذه