المحاضرة بعنوان وصية علي بن أبي طالب في أصناف الناس في العلم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الجمعة ١٥ شعبان ١٤٣٥هـ ألقاها
وصى الإمام علي كميل بن زياد بأن الناس ثلاثة أقسام: عالم رباني، ومتعلم ناجح، وهمج رعاع. وأكد على فضل العلم وأهله.
الأثر له علتان: ضعف أبي حمزة الثمالي وجهالة عبد الرحمن بن جندب. ورغم ذلك لا يحكم عليه بالضعف لكونه أثرا عن صحابي وفي باب الآداب.
شرح حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي قسم فيه الناس إلى ثلاث أصناف. يُبين الحديث فضل العلم وأهله وضرورة التمسك بالعلم.
يصف المقطع أهمية وجود القائمين بحجة الله ودورهم في حفظ حجج الله وبيناته. يتحدث عن صفاتهم الروحية وعلاقتهم بالدنيا والملأ الأعلى.
بسم الله الرحمن الرحيم وصية الإمام علي رضي الله عنه لكميل بن زياد، قال الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تبارك وتعالى: فيما رواه كميل بن زياد النخعي، قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجبانة، فلما أصحر جعل يتنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد، القلوب أوعية، خيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاح، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. العلم خير من المال، العلم يحرسه، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، وفي رواية: على العمل، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم، والمال محكوم عليه، ومحبة العالم دين يدان به، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة الأموال تزول بزوالها، مات خزان الأموال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. هاها، إنها هنا، وأشار إلى صدره: بعلما لو أصبت له حامله، بل أصبت لقنا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر حجج الله على كتابه، وبنعمه على كتابه، أو منقادا لأهل الحق، لا بصيرة له في إحيائه، ينقض الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك، أو من هو من سلاسل القياد للشهوات، أو مغرا بجمع الأموال والإدخار، ليس من دعاة الدين، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة. لذلك يموت العلم بموت حامله، اللهم بلى، لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته، لكي لا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددا، والأعظمون عند الله قيل، بهم يدفع الله عن حججه، حتى يؤديها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هاجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون. صاحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، هاها، شوقا إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، وإذا شئت فقم. قال أبو بكر الخطيب رحمه الله في كتابه الفقيه والمتفقه: هذا الحديث من أحسن الأحاديث معنى، وأشرفها لفظا، تقسيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للناس في أوله، تقسيم في غاية الصحة، ونهاية السداد؛ لأن الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام الثلاثة التي ذكرها، مع كمال العقل وإزاحة العلل. أما بالنسبة لإسناد هذه الوصية من حيث الجهة الحديثية، فهذا الأثر رواه من الأئمة المعروفين الموثوقين في مصنفاتهم، رواه أبو نعيم في الحلية، وكذلك رواه أبو بكر الأبهري في فوائده، وابن الجوزي في الأمالي، وكذلك ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الفقيه والمتفقه، وكذلك المزي ذكره في تهذيبه، والذهبي في تذكرة الحفاظ. الأثر من حيث الصنعة الحديثية له علتان: الأولى أنه من طريق أبي حمزة الثمالي، واسمه ثابت بن أبي صفية، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ضعيف الحديث، ليس بشيء، ونحوه قول ابن معين رحمه الله، وقال أبو زرعة الرازي: لين، وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهذه رتبة الشواهد والمتابعات عند أبي حاتم. الثانية أنه في إسناده عبد الرحمن بن جندب الفزاري، وعبد الرحمن هذا ذكره البخاري رحمه الله تعالى في كتابه التاريخ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، سكت عنه، وذكره ابن حبان رحمه الله تعالى في الثقات في كتابه الثقات، وابن حبان رحمه الله تعالى قد عرف عنه التساهل في توثيق المجاهيل، لذا قال الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه الميزان، ثم بعد ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه لسان الميزان: مجهول. فهاتان علتان، وهاتان العلتان من حيث الصنعة الحديثية، إذا جاء حديث والحالة كذلك حكمنا عليه بالضعف، لكن الأمر هاهنا ليس كذلك؛ لأنه أثر عن صحابي، والأمر الثاني أن هذا الأثر في باب الآداب، وفي باب الترغيب والترهيب، وهذا الباب عند الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى كانوا يوسعون النفس فيه. قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: وهذا الحديث من أحسن الأحاديث معنى، وأشرفها لفظا، وتقسيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للناس في أوله، تقسيم في غاية الصحة، ونهاية السداد. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فهذه وصية من وصايا السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد جمعت في طياتها معاني عظيمة، ولفتات كريمة، من هذا الصحابي الجليل، أحد الخلفاء الراشدين، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وصهره، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. الكلام على هذه الوصية يكون في عدة أمور: أولها الكلام على إسناد هذه الوصية، أما بالنسبة لإسنادها من حيث الجهة الحديثية، فقد تقدم ذكر بعض الأئمة الذين رووه، والأثر من حيث الصنعة الحديثية له علتان، قد ذكرتا. الأمر الثاني: فيما ذكره الخطيب رحمه الله تعالى مشيرا إلى فضل هذه الوصية وعظمها على من فقهها وعلم معناها، فهي وصية عظيمة شريفة جليلة، من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. الأمر الثالث: الكلام على هذه الوصية بتعليقات يسيرة، نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا جميعا بها في ديننا ودنيانا ويوم لقاء ربنا سبحانه وتعالى. قوله رحمه الله تعالى: فيما رواه كميل بن زياد النخعي، قبيلة من اليمن، ومسكنها في أبين، وفدوا في زمن عمر رضي الله عنه وأرضاه مددا لجيوش الإسلام، وقد ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما رآهم قال لهم: إلى أين تذهبون؟ قالوا: مددا إلى الشام، قال: فلما رأى في وجوههم القوة والبأس، قال: لا، بل إلى الكوفة. قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجبانة، والجبانة: كما ذكر في الحاشية في الأصل الصحراء، قاله أهل الكوفة، يسمون المقابر جبانة، كما يسميها أهل البصرة المقبرة. قال: فلما أصحر، وقول لما أصحر: أي توغل في الصحراء، جعل يتنفس، تنفس المقرب، ثم قال: يا كميل بن زياد، وهذا أسلوب من أساليب التنبيه، ثم قال لهم رحمه الله تعالى: القلوب أوعية، خيرها أوعاها، هذا تنبيه آخر، كأنه يقول: سألقي عليك وصية عظيمة، فاحفظها. الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاح، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، هذا تقسيم من أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، وهذا التقسيم يدلنا على فقه السلف وفضلهم. العالم الرباني: هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته للمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه رباني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها. ومعنى الرباني في اللغة: الرفيع الدرجات في العلم، العالي المنزلة فيه، وعلى ذلك حملوا قول الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. المتعلم: هو طالب علم يريد النجاح، يسير ويسلك طريق النجاح، هذا على خير؛ لأنه يسير في سير أهل العلم، ويسلك طريقا موصلا إلى الله تبارك وتعالى، وإلى جنته ورضوانه. الهمج الرعاع: أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، هذا الصنف الثالث، لا علم ولا متعلم، جاهل متجاهل، متجافي عن العلم وأهله، هذا خاسر دنياه وآخرته. العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، وفي رواية: على العمل، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم، والمال محكوم عليه، ومحبة العالم دين يدان به. العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة الأموال تزول بزوالها، مات خزان الأموال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. هاها، إنها هنا، وأشار إلى صدره: بعلما لو أصبت له حامله، بل أصبت لقنا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر حجج الله على كتابه، وبنعمه على كتابه، أو منقادا لأهل الحق، لا بصيرة له في إحيائه، ينقض الشك في قلبه لأول عارض من شبهة. اللهم بلى، لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته، لكي لا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددا، والأعظمون عند الله قيل، بهم يدفع الله عن حججه، حتى يؤديها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم. صاحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، هاها، شوقا إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، وإذا شئت فقم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.